Minbar Libya

رفض المال والمناصب واستخدم حرب العصابات

بقلم بلقيس دارغوث

عربي بوست في 16 سبتمبر/أيلول من العام 1931، أعدمت سلطات الاحتلال الإيطالي الشيخ عمر المختار. كان عمره آنذاك 73 عاماً، قضى معظمه في مقاومة قوى الاحتلال البريطانية والفرنسية والإيطالية قبل أن يصبح أسطورة حية وأيقونة وطنية وعربية.

من هو عمر المختار؟

اسمه عمر بن مختار بن عمر النفي الهلالي، وُلد في 20 أغسطس/آب من العام 1858. اكتسب لاحقاً عدة ألقاب، منها “أسد الصحراء” و”شيخ المجاهدين” و “شيخ الشهداء”.

 ينتمي إلى بيت فرحات من قبيلة منفة الهلالية التي تنتقل في بادية برقة.

وُلد عمر المختار في البطنان ببرقة في الجبل الأخضر، وربّاه والده تربية إسلامية مستمدة من تعاليم الحركة السنوسية القائمة على القرآن والسنَّة النبويَّة.

توفي والده بينما كان في طريقه للحج، وعهد إلى صديقه أحمد الغرياني بتربية عمر وأخيه محمد، وهو ما كان.

لفت ذكاؤه الشيوخَ في مدرسة القرآن الكريم حيث كان يدرس العلوم الشرعية والحديث والتفسير، ثم اكتسب سمعة حسنة لدى شيوخ الحركة السنوسية.

اصطحبه المهدي السنوسي إلى منطقة الكفرة في جنوب شرقي الصحراء الليبية، ثم إلى غرب السودان، حيث اعترض طريق القافلة أسد مفترس.

اقترح أحد المرافقين تقديم إحدى الإبل فِديةً لاتقاء شره، إلا أن عمر المختار رفض وقال: “إن الإتاوات التي كان يفرضها القويُّ منا على الضعيف قد أُبطلت، فكيف يصحّ أن نعيدها لحيوان؟ والله إنها علامة ذلٍّ وهوان، والله إن خرج علينا لندفعه بسلاحنا”، ثم خرج الأسد فذهب إليه وقتله، وسلخ جلده وعلَّقه لتراه القوافل الأخرى، ومن هنا اكتسب لقب “أسد الصحراء”.

وفي سنة 1897 كلَّفه المهدي السنوسي أن يكون شيخاً لبلدة تسمى زاوية القصور بمنطقة الجبل الأخضر، وقد حصل في تلك الفترة على لقب “سيدي” الذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ الحركة السنوسية الكبار.

عندما تقدَّم الاستعمار الفرنسي باتجاه تشاد في عام 1899، تم إرساله مع  سنوسيين؛ للمساعدة في الدفاع ضد الغزاة، حيث اعتبر السنوسي توسُّعهم خطيراً على نشاطهم الدعوي في وسط وغرب إفريقيا. 

ثم في عام 1902، استُدعي عمر شمالاً بعد وفاة المهدي، وعيَّنه الزعيم السنوسي الجديد أحمد شريف السنوسي شيخاً لزاوية القصور المضطربة في شمال برقة.

في عام 1908، قاتل المختار جنود الاحتلال البريطاني على الحدود المصرية الليبية في مناطق البردية والسلوم ومساعد.

ثم قررت إيطاليا احتلال ليبيا في العام 1911، عبر إعلان الحرب على الدولة العثمانية، وفي عام 1912 أعلنت ليبيا مستعمرة إيطالية.

كان عمر المختار يبلغ من العمر آنذاك 53 عاماً، لكنه منذ ذلك الوقت، كان قائد المقاومة الليبية ضد الاحتلال، مُوقعاً خسائر فادحة في صفوفه.

وطوال 20 عاماً، شهدت ليبيا معارك كبيرة وكثيرة بين المقاومة والاحتلال، لعل أشهرها معركة درنة، عام 1913، والتي دامت يومين وأسفرت عن مقتل 70 جندياً إيطالياً وإصابة نحو 400.

ومن المعارك الأخرى الشهيرة معركة عين مارة عام 1913، ومعركة أم شخنب وشلظيمة والزويتية في عام 1914.

اتَّبع أسلوب الغارات وحرب العصابات، فكان يصطحب معه 100 إلى 300 رجل في كل غارةٍ ويهجم ثم ينسحب بسرعة، ولم يزد قط مجموع رجاله على نحو 1000 رجل، مسلَّحين ببنادق خفيفةٍ عددها لا يتعدَّى 6000.

كان عمر المختار ينتقل بين جبهات المعارك المفتوحة ويقود القتال منطلقاً من معسكرات فشل الاحتلال في تحديد مكانها. إذ كان يتنقَّل أثناء غاراته على الإيطاليين، بين منطقتي زاوية القصور وتكنس حتى وقوعهما بأيدي الإيطاليّين في شهر سبتمبر/أيلول عام 1913، فانتقل إلى معسكرات جبل العبيد، كما كان يتواصل كثيراً مع قبائل منطقة دفن.

وفي هذه الفترة انتكست المقاومة الليبية نتيجة القحط الذي أصاب البلاد في عامي 1913 إلى 1915، ثم استيلاء الإيطاليين على أغلب المناطق الحيوية في وسط وشمال برقة.

سفره إلى مصر

سافر عمر المختار في شهر مارس/آذار سنة 1923 إلى مصر، بصحبة عليّ باشا العبيدي؛ ليعرض على الأمير محمد إدريس نتيجة عمله ويتلقى منه التوجيهات اللازمة.

حاولت إيطاليا بواسطة عملائها في مصر الاتصال بعمر المختار، وعرضت عليه أنها سوف تقدّم له مساعدة إذا ما تعهد باتخاذ سكنه في مدينة بنغازي أو المرج، وملازمة بيته تحت رعاية وعطف إيطاليا، وأن حكومة روما مستعدة لجعل عمر المختار الشخصية الأولى في ليبيا كلها وتتلاشى أمامه جميع الشخصيات الكبيرة.

وإذا ما أراد البقاء في مصر فما عليه إلا أن يتعهد بأن يكون لاجئاً ويقطع علاقته بإدريس السنوسي، وفي هذه الحالة تتعهد حكومة روما بأن توفر له راتباً ضخماً يمكِّنه من حياة رغيدة.

لكنه رفض كل العروض وأصر على مقاومة الاحتلال ورغبته في تحرير بلاده.

ثم شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1924 و1925 مناوشات عديدة ومعارك دامية بين الثوَّار والقوَّات الإيطاليَّة، ووسَّع المجاهدون نشاطهم العسكري في الجبل الأخضر، ولمع اسم عمر المختار كقائدٍ بارع يُتقن أساليب الكر والفر ويتمتع بنفوذ عظيم بين القبائل. وأخذ البدو من أبناء القبائل ينضمّون إلى صفوف المجاهدين، وبادرت القبائل بإمداد هؤلاء بما يحتاجون من مؤنٍ وعتادٍ وأسلحة

وفي عام 1929، سيطر الفاشيون على الحكم في إيطاليا، وعَيَّن موسوليني، بادوليو حاكماً عسكرياً للبيبا.

أعرب بادوليو عن رغبته فى التفاوض مع المختار، الذي استجاب لذلك وتم إبرام هدنةٍ مدتها شهران، في لقاء تاريخي جمع بين الرجلين.

أبلغ بادوليو قيادته في روما أن المختار استسلم، لكن المختار لم يُسلم أسلحته والثورة لم تنتهِ.

ووقتها بعث المختار في الوقت نفسه ببيان إلى الصحافة المصريَّة، نشرته صحيفتا المقطم والأهرام يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، ضمنه مجمل الحوار الذي دار بينه وبين بادوليو في سيدي ارحومة والذي صحح فيه الوقائع التي كان يذيعها الإيطاليون على غير جديتهم ومحاولاتهم تدمير المقاومة عن طريق شراء الضمائر والدسيسة وشق الصفوف.

وما إن تجلّى لعمر المختار صحَّة ما اعتقده منذ البداية، وهو عدم جدوى المفاوضات السياسيَّة مع الدولة المُستعمرة، حتى خاطب المجاهدين وأبناء شعبه قائلًا: “فليعلم إذن كلُّ مجاهد أنَّ غرض الحكومة الإيطاليَّة إنما بث الفتن والدسائس بيننا لتمزيق شملنا وتفكيك أواصر اتحادنا، ليتم لهم الغلبة علينا واغتصاب كل حق مشروع لنا كما حدث كثير من هذا خلال الهدنة، ولكن بحمد الله لم توفق إلى شيء من ذلك”.

وسرعان ما عادت الاشتباكات وعمليات المقاومة.

موقف بادوليو الضعيف دفع إلى إرسال الفريق الأول غراتسياني، الذي منع أي تواصل مع المقاومين وشكَّل محاكم صورية متنقلة، وأحرق ودمر القرى والمحاصيل والحيوانات.

أمام هذا الواقع نقل عمر المختار دائرة عملياته إلى الناحية الشرقية في الدفنا؛ نظراً إلى قربها من الحدود المصريَّة؛ وذلك حتى يتمكن من إرسال المواشي التي يأتيه بها الأهالي إلى الأسواق المصرية في نظير أخذ حاجته من هذه الأسواق، مما جعل غراتسياني يقرر إقامة الأسلاك الشائكة على طول الحدود الشرقيَّة.

وقد تكلَّفت الحكومة الإيطاليَّة 20 مليون فرنك إيطالي حتى تمكنت من مدّ الأسلاك من حدود البحر المتوسط إلى ما بعد الجغبوب، فتوقفت الإمدادات.

في شهر أكتوبر/تشرين الأول سنة 1930، تمكن الطليان من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة، عثروا عقب انتهائها على نظّارات عمر المختار، كما عثروا على جواده المعروف مجندلاً في ميدان المعركة؛ فثبت لهم أن المختار ما زال على قيد الحياة، وأصدر غراتسياني منشوراً ضمنه هذا الحادث، حاول فيه أن يقضي على “أسطورة المختار الذي لا يُقهر أبداً” وقال متوعداً: “لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغداً نأتي برأسه”.

وفي 11 سبتمبر/أيلول من عام 1931، توجَّه عمر المختار بصحبة عدد صغير من رفاقه، لزيارة ضريح الصحابي رويفع بن ثابت بمدينة البيضاء. وكان أن شاهدتهم وحدة استطلاع إيطاليَّة، وبعد اشتباك جُرج حصان المختار وأُلقي القبض عليه.

أيامه في السجن

عندما وصل عمر المختار مأسوراً إلى بنغازي، لم يُسمح لأي مراسل جريدة أو مجلَّة بنشر أية أخبار أو مقابلات، وكان على الرصيف مئات من المشاهدين عند نزوله في الميناء ولم يتمكن أي شخص مهما كان مركزه، أن يقترب من الموكب المُحاط بالجنود المدججين بالسلاح.

أُودع في زنزانة صغيرة خاصة منعزلة عن السجناء السياسيين كافَّة وتحت حراسة شديدة، وكان يتم تغيير الحرَّاس كل فترة.

المحاكمة والإعدام

كان هدوء المختار صادماً للإيطاليين وكان يجاوب بكل صراحة عن جميع الأسئلة، فقال: “عم قاتلت ضد الحكومة الإيطاليَّة، لم أستسلم قط. لم تخطر ببالي قط فكرة الهرب عبر الحدود. منذ عشر سنوات تقريباً وأنا رئيس المحافظية. اشتركت في معارك كثيرة لا أستطيع تحديدها. لا فائدة من سؤالي عن وقائع منفردة”.

انعقدت “المحكمة الخاصة” يوم 15 سبتمبر/أيلول 1931، وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة، تحدث غراتسياني مع المختار، ويروي في مذكراته بعد استجوابه: “عندما وقف ليتهيأ للانصراف، كان جبينه وضّاء كأنَّ هالة من نور تُحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خاض المعارك والحروب العالميَّة، والصحراويَّة، ولُقبت بأسد الصحراء، ورُغم هذا فقط كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنبس بحرفٍ واحد، فانتهت المُقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن؛ لتقديمه للمُحاكمة في المساء، وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمُصافحتي ولكنَّه لم يتمكن، لأن يديه كانت مُكبلتين بالحديد. لقد خرج من مكتبي كما دخل عليَّ وأنا أنظر إليه بكل إعجاب وتقدير”.

وعند الساعة الخامسة من مساء اليوم نفسه، كان الإيطاليون قد أعدّوا المشنقة وبدأت المحكمة الصورية. 

وعندما تُرجم الحكم بالإعدام إلى عمر المختار اكتفى بالقول: “إنِ الحكم إلّا لله.. لا لحكمكم المُزيَّف.. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون”.

ثم نُفِّذ الإعدام في صباح يومٍ خريفيٍّ مثل هذا اليوم 16 سبتمبر/أيلول، ليتحول من مُقاوم إلى شهيد بطل لدى كل العرب والمسلمين.

وتحولت إحدى جمله الأخيرة إلى أبرز ما ردده المقاومون العرب في الدول التي شهدت الاحتلال بعد ذلك: “نحن لا نستسلم… ننتصر أو نموت… وهذه ليست النهاية… بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه… أمَّا أنا… فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي”.

***

بلقيس دارغوث ـ محررة في قسم التحرير غير الإخباري في عربي بوست

______________