Minbar Libya

بقلم جايسون باك (ترجمة غسان عتيقة)

على مدى السنوات الخمس الماضية، قام المجتمع الدولي بتجربة مجموعة من الأساليب المختلفة للوساطة في الحرب الأهلية الليبية وفشلت جميعها.

الجزء الأول

إن معظم الدول والمراقبين الذين لا يغذون الحرب بنشاط بالأسلحة والمال والتدريب والمرتزقة يرون الآن أن وقف هذه التدفقات المدمرة أمر بالغ الأهمية لجلب فصائل الميليشيات المتنافسة إلى طاولة المفاوضات.

حيث أن الهدف الأساسي المعلن لمؤتمر برلين -الذي كان المقرر عقده في فبراير 2020 – هو فرض حظر فعال على الأسلحة. ومع ذلك، فإن مجرد مواجهة هذا التحدي لن يكون كافياً لوقف العنف أو حل النزاع. 

بمجرد قطع الميليشيات عن المصادر الخارجية للدعم العسكري، ستظل القضايا الاقتصادية الأساسية التي أدت إلى الصراع قائمة. فقط نهج جديد يمكّن الإصلاحيين الاقتصاديين الليبيين، بينما يعيد صياغة دور النظام الاقتصادي الليبي كمحرك للصراع ، يمكنه إصلاح الخلل.

ولتحقيق ذلك، تحتاج الجهات الفاعلة الدولية إلى تسهيل ودعم إنشاء لجنة مالية دولية بقيادة ليبية تناط بها السلطات اللازمة لإعادة هيكلة الاقتصاد بالكامل.

وتظل الشفافية الاقتصادية والإصلاح الهيكلي آخر أمل لليبيا

 تميل الحروب الأهلية في القرن الحادي والعشرين إلى أن تكون طويلة الأمد ومتعددة الأطراف مقارنة بحروب القرن العشرين وذلك لمجموعة من الأسباب، إحداها أن النظام الدولي للقرن الحادي والعشرين أكثر انقسامًا وبالتالي يعزز حالات التدخل بالوكالة بينما تعيق باستمرار جهود الوساطة.  

سبب آخر هو تناقص أهمية السيطرة على الأراضي نتيجة الحروب الأهلية.  إن العولمة والإنترنت وانسحاب القوة الأمريكية المهيمنة تقلل جميعها من الأهمية النسبية للسيطرة على أجزاء استراتيجية من الأراضي.

بالطبع، لا تزال المطارات والطرق والمنشآت النفطية والثكنات العسكرية والتجمعات العرقية تحتفظ بأهميتها العسكرية، ولكن على مدى العقود الماضية اكتسبت المؤسسات والهياكل الاقتصادية والخطابات الإعلامية ثقلًا استراتيجيًا متزايدًا.  

نتيجة لذلك، لم تعد هناك صراعات كثيرة في القرن الحادي والعشرين تدور في الأساس حول الأراضي أو حتى حول الرؤى الوطنية المتنافسة، ولكن حول المزيد من المبررات الغامضة والهجينة حيث تكون السيطرة على المنطقة مجرد بُعد واحد من أبعاد لعبة شطرنج متعددة الأبعاد ومتعددة اللاعبين.

 في مثل هذه الحروب متعددة الأوجه، من المستحيل إحلال السلام في دولة مزقتها الحرب دون معالجة الأسباب الجذرية المعقدة للعنف. 

إن مجرد إعادة المقاتلين إلى مواقعهم السابقة للحرب لن تكون كافية في الحالات التي تم فيها نزاع عسكري على الأرض فقط لفرض النفوذ على مؤسسة اقتصادية أو لمنح أحد الجانبين فرصة للانتصار.

***

وليس هناك مكان تظهر فيه هذه التعقيدات بشكل صارخ أكثر من ليبيا، حيث أنه منذ عام 2011 لم تتم خوض الحروب على خلافة البلاد في مرحلة ما بعد القذافي -والتي لا نهاية لها على ما يبدو- للسيطرة على الأراضي، بل للسيطرة على المؤسسات الاقتصادية وشبكات المحسوبية تحت انظار الشرعية والدعم الدولي المتردد والمتناقض بين أطراف الصراع.

على مدار ربيع عام 2020، انتصر المدافعون عسكريا في أحدث جولة من الحرب الأهلية الليبية – “الحرب من أجل طرابلس” – وهم عبارة عن مزيج فضفاض من القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة. 

لكن صد قوات الجنرال خليفة حفتر وتلك الموالية للجيش الوطني الليبي – مثل مختلف القوات القبلية في شرق ليبيا أو ميليشيا الكانيات من ترهونة في غرب ليبيا – لم يعالج الأسباب الأساسية للصراع.

كان هجوم حفتر في أبريل 2019 على طرابلس غير قانونيا ومدفوعًا بجنون العظمة ومصممًا بذكاء لقلب مسار مؤتمر الحوار الوطني الذي توسطت فيه الأمم المتحدة، ومع ذلك فقد لعب بذكاء على وتر المظالم الحقيقية لبعض المجتمعات المحلية الليبية حول كيفية توزيع الثروة النفطية للبلاد وحول تركيبة المؤسسات الاقتصادية المتنوعة.

في أعقاب الحرب على طرابلس ومع أزمة جديدة في محيط سرت والجفرة في صيف عام 2020، لا تزال الأسباب الحقيقية للصراع غير معالجة بتاتا.

رغب مؤيدو مشروع ما يعرف بـ “الجيش الوطني الليبي” في جميع أنحاء ليبيا في الاستيلاء على طرابلس، ليس للاستفادة من الهيمنة العسكرية لقتل خصومهم أو تنفيذ عمليات الترحيل القسري للسكان المهزومين في المقام الأول، ولكن لتغيير رؤساء المؤسسات الاقتصادية شبه السيادية في طرابلس وابراز عضلاتهم داخل شبكات الفساد والمحسوبية. 

 على هذا النحو، كان “العدوان علىالعاصمة” طرابلس، وكذلك “حرب جنوب طرابلس” أواخر صيف 2018 التي قادتها ميليشيا الكانيات المذكورة أعلاه، و “حرب مطار طرابلس” 2014 بقيادة عملية “فجر ليبيا” – لم تكن هذه الحروب تتعلق بمطالب جهوية أو عسكرية أو حتى سياسية تقليدية في الأساس.

كانت الحروب المذكورة تتعلق بالوصول إلى خطوط الإثراء الشرعي والفاسد: خطابات الاعتماد وشبكات التهريب والوقود المدعوم، والسيطرة على تلك المؤسسات التي لا تعد ولا تحصى التي تمنح من خلال النظام الاقتصادي الفريد في ليبيا القدرة على ممارسة صلاحيات مالية وقانونية واسعة.

لذلك، على الرغم من طرد حفتر وحلفائه بالجملة من غرب ليبيا، فإن المظالم التي سلطوا الضوء عليها واستغلوها لم تتغير. الآن وبعد إزالة التهديد القادم من عدو مشترك، بدأ التحالف المناهض لحفتر في الانهيار بسرعة.

كانت هناك احتجاجات مناهضة للفساد في الشوارع وتم تعديل المناصب الوزارية لمنع المسؤولين ذوي الشعبية العالية من تنفيذ إصلاحات طال انتظارها. علاوة على ذلك، فإن الوضع الاقتصادي والإنساني في طرابلس أسوأ من أي وقت مضى حيث يؤثر انقطاع الكهرباء والإنترنت على أحياء بأكملها، وارتفعت أسعار الضروريات بشكل كبير، وأصبح الخلاف الداخلي بين الميليشيات والفصائل السياسية هو الوضع السائد في طرابلس اليوم.

وسط هذه الفوضى، من المفترض أن المجتمع الدولي، بقيادة ألمانيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة، قد حقق انفراجًا سياسيًا في أغسطس 2020 من خلال تشجيع إعلان وقف إطلاق النار من خلال تركيبة جديدة من المحاورين السياسيين. 

لقد قاموا بدور مثير للإعجاب بجمع الوكلاء الدوليين للحرب الأهلية في ليبيا من خلال إقناع مصر وتركيا وروسيا والإمارات العربية المتحدة بالموافقة على أطر عمل معينة، مع تجنب القضايا الاقتصادية الحقيقية التي تمثل الأسباب الكامنة وراء العنف إلى حد كبير.  من الغريب أنه حتى في حالة إحراز تقدم تدريجي في القضايا الاقتصادية، فقد تم إهمالها وتم ركن هذه القضايا إلى الظل.

أخيرًا، تجري عملية مراجعة محاسبية جنائية للفرعين الشرقي والغربي لمصرف ليبيا المركزي والتي تجريها شركة ديلويت، ومع ذلك يتم إجراؤها وسط الكثير من السرية المفرطة ، ومع ذلك، يمكن أن تمثل نقطة انطلاق مفيدة. ومن المقرر أن تستمر لمدة ستة أشهر ثم يتم تسليمها إلى ديوان المحاسبة الليبي للمتابعة.

ديوان المحاسبة هي الهيئة التي لديها تفويض قانوني لفحص دفاتر المؤسسات الاقتصادية الليبية شبه السيادية. ومع ذلك، فإن ديوان المحاسبة هو أيضًا جزء كبير من النظام الحالي للمؤسسات شبه السيادية في ليبيا. 

مما لا شك فيه أنه على مر السنين منع العديد من حالات الفساد، لكنه منع أيضًا العديد من المشاريع المتماشية مع القانون من المضي قدمًا، لا سيما في قطاعي الرعاية الصحية والكهرباء.  والأهم من ذلك، أن ديوان المحاسبة مترسخ بعمق في الوضع الليبي الراهن ولديهم من الحوافز الشخصية لدعم الهياكل الموجودة حالياً.

لذا فلا يمكن ولا ينبغي تكليف الديوان من قبل جهات دولية مثل الأمم المتحدة بالمزيد من اجل حماية ثروة ليبيا أو محاسبة المسؤولين والمؤسسات. إن القيام بذلك لن يؤدي إلا إلى خلق المزيد من الحواجز الهيكلية أمام الإصلاحات المنهجية وأجندة الشفافية الحقيقية.

متابعة لمقترحاتي السابقة الواردة في هذه المسودة المعاد إصدارها، أدعو شركة ديلويت ومصرف ليبيا المركزي وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لإكمال التدقيق المتعاقد عليه الجاري الآن. بدلاً من تسليم الأمور إلى ديوان المحاسبة التي تم تمكينها حديثًا، أدعو المؤسسات الثلاثة إلى استخدام التدقيق المستمر والمحادثات متعددة المجالات التي تم إطلاقها حديثًا في المغرب كأساس لوجود المؤسسات الليبية الرئيسية واللاعبين السياسيين (بما في ذلك البنك المركزي وديوان المحاسبة).

يتبع في الجزء التالي

***

جايسون باك هو مستشار ومؤلف ومعلق يتمتع بخبرة تزيد عن عقدين من العمل في الشرق الأوسط. ومؤسس “شركة ليبيا للتحليل المحدودة” الاستشارية ، وخدمة “عين على داعش” في ليبيا ، وهو كبير محللي شؤون ليبيا في شركة استراتيجية ألمانية. كما شغل منصب المدير التنفيذي ل “جمعية الأعمال الأمريكية الليبية” لمدة عامين.

_____________

معهد الشرق الأوسط