Minbar Libya

بقلم محمود الريماوي

أعلن رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السرّاج (60 عاماً)، عن تقديم استقالته من موقعه رئيساً للمجلس وللحكومة المنبثقة عنه، على أن تسري الاستقالة في موعد أقصاه نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل الموعد الذي يفترض أن تنجز فيه لجنة حوار في جنيف تصوّراتها لإجراء انتخابات رئاسية ونيابية.

وكانت مباحثاتٌ قد جرت بعيداً عن الأضواء في سويسرا، منذ مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري، بين وفدين يمثلان مجلس نواب طبرق وحكومة الوفاق، بالتوازي مع مباحثات أخرى دارت قرب الدار البيضاء، برعاية وزارة الخارجية المغربية، ومباحثات أخرى أجراها وفدٌ من حكومة الوفاق في القاهرة مع مسؤولين مصريين، وذلك كله في أجواء يتردّد فيها أن ثمّة مبادرة تونسية جزائرية يجرى إنضاجها لمعالجة الوضع الليبي.

ولئن كانت خطوة السرّاج مفاجئة، على الرغم من أنه مهّد لها قبل ثلاثة أيام من الإعلان عنها في خطابٍ ألقاه بمناسبة يوم الشهيد، 16 سبتمبر/ أيلول الجاري، فقد سبقتها ظروفٌ وتطوراتٌ أقلقت الرجل، ودفعته إلى التفكير في اتخاذ قراره هذا.

ففي الأسبوع الأخير من أغسطس/ آب الماضي، شهدت طرابلس مظاهراتٍ احتجاجية ضد غلاء المعيشة وتدهور الخدمات الأساسية. وقد تم التعامل بقسوة شديدة مع هذه الاحتجاجات، وبدا السرّاج في موقفٍ مُحرج أمام هذا الوضع، وحمّل وزير الداخلية، فتحي باشاغا، مسؤولية هذا التصعيد، وأمر بوقفه عن العمل إلى حين استجوابه، واعتبر باشاغا القرار استهدافاً شخصياً له، وطالب باستجوابه بصورة علنية أمام وسائل الإعلام..

وقد مضى زهاء أسبوع، قبل عودة الرجل القوي، باشاغا، إلى موقعه. وقيل إن أنقرة قد توسّطت، وأعادت المياه إلى مجاريها بين الطرفين، علماً أن باشاغا كان في زيارة إلى تركيا لدى صدور القرار الرئاسي بوقفه عن العمل.

التطور الآخر وقوع حالةٍ من التحدّي، أعرب عنها الجهاز الأمني (الاستخبارات) لتعيين السرّاج مديراً جديداً للجهاز، خلفاً للرئيس السابق، اللواء عبد القادر التهامي، الذي توفي في 10 مايو/ أيار الماضي. وقد أصدر كبار مسولي الجهاز بياناً أعلنوا فيه رفضهم هذا التعيين المتعلق بمسؤول ذي رتبة ليست كبيرة (مقدّم)، مع تجاوز كبار المسؤولين وأصحاب الرتب العسكرية العالية.

وقد شكّل هذا الموقف تحدّياً لسلطة الرجل، وسلباً لصلاحياته، كما قد يكون القرار مشوباً بالتسرّع. وبين التطورين، لاقى تعيين السرّاج رئيساً جديداً لمؤسسة الإعلام، هو محمد بعيو، ضجّة، لوقوف هذا الرجل طويلاً، كما يقول المنتقدون، في صف الطرف الآخر (الجنرال خليفة حفتر).

بدا واضحاً أن مرجعيات الأجهزة الأمنية والعسكرية باتت متعدّدة في غرب ليبيا، وأن عوائق عدّة تقف أمام مهمة فايز السرّاج في هيكلة المليشيات ضمن الجيش الليبي، ما أشعره بأن هناك محاولاتٍ لإضعافه وتحجيمه، بحجّة أنه مسؤول مدني لا يمكنه تسنّم موقع عسكري، وأن المساعي والجهود الخفية ربما تتجه إلى جعله أقرب إلى نموذج الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، الذي سُلبت صلاحياته شيئاً فشيئاً.

تضاف إلى ذلك مسألة أهم، أن قطار التفاوض بين طرفي النزاع قد انطلق بضغط دولي. ومع أن السرّاج ميالٌ، بطبعه، إلى الحلول السلمية للنزاع الداخلي، وهو الذي وصل إلى موقعه نتيجة مفاوضاتٍ جرت في الصخيرات المغربية عام 2015، وثمرةً لترشيح الأمم المتحدة، إلا أن انطلاق المراحل الأولى من المفاوضات في جنيف وبوزنيقة المغربية قد كسر التزاماً أخذه على نفسه بعدم التفاوض مع الجنرال خليفة حفتر، وذلك بعد أن كسر الأخير التعهدات التي أطلقها في محافل وعواصم عديدة بدعم المسيرة السياسية، ولجوئه إلى الحرب السافرة في الحملة على العاصمة طرابلس.

ربما يكون من المغري للتحليل ربط استقالة السرّاج باستقالة مسؤول ليبي آخر، عبدالله الثني، الذي كان يقود حكومة في شرق ليبيا. استقال، قبل أيام من إعلان السرّاج، على خلفية مظاهرات احتجاجية في بنغازي على تدهور الأحوال المعيشية، وتردّي الخدمات كما هو الحال في طرابلس، غير أن حكومة الثني، إضافة إلى عدم الاعتراف بها دولياً، كانت صلاحياتها محدودة، فالصلاحيات التامة يمنحها حفتر لنفسه.

خلافاً للحال في طرابلس، إذ يتمتّع السراج بالصلاحيات كاملة؛ يجمع بين رئاستي المجلس الرئاسي (مجلس الدولة) والحكومة، غير أنه وصل إلى وضعٍ بات يشعر فيه معه بأنه مدعوٌّ إلى خوض صراعات داخلية، واتخاذ قراراتٍ صعبةٍ أو مؤلمة، كي يتمتع بصلاحياته، ويباشر مسؤولياته بصورة كاملة، وهو ما زهد فيه، بعد أن شعر بأن الإرادة الدولية باتت تضغط نحو اجتراح الحلول، وأن ثمّة تحجيماً يتعرّض له حفتر، غير أنه ليس واضحاً من هي القوى أو القيادات العسكرية والميدانية الجديدة التي يمكن لها أن تستلم دفّة الأمور في ليبيا موحدة، وخلال مرحلة انتقاليةٍ قد تبدأ قبل نهاية العام الجاري.

ويبقى أن إعلان السراج عن قرب استقالته يمثل إضافة جديدة إلى سجل نماذج معدودة لمسؤولين عرب آثروا الاستقالة والانسحاب، تفادياً للانقسامات والصراعات الداخلية، وللتدليل منهم على أنهم لا تغويهم السلطة بعد أن عرضت عليهم، أو بعد أن جرّبوها وتذوّقوا حلاوتها ومرارتها، كما حال المهندس المعماري المدني، فايز السراج، الذي لم يتوقف في عديد من المناسبات عن التعبير عن هدفه بإقامة دولة مدنية في بلد عمر المختار (دولة غير عسكرية أو دينية).

*********

لماذا يريد السراج ترك منصبه في هذا التوقيت؟

وهل تنجح لجنة الحوار في تشكيل رئاسي جديد؟

محمود رفيدة

دعا رئيس المجلس الرئاسي بحكومة الوفاق فايز السراج لجنة الحوار السياسي إلى تحمل مسؤولياتها للإسراع في تشكيل سلطة تنفيذية جديدة لضمان انتقال سلمي وسلس للسلطة.

وقال السراج في كلمة متلفزة “رغم قناعتي بأن الانتخابات هي أنسب طريقة للوصول إلى حل شامل لكنني سأكون داعما لأي تفاهمات أخرى”.

وأكد السراج أن حكومته لم تكن تعمل في ظروف طبيعية وتعرضت لمؤامرات داخلية وخارجية وعراقيل من أطراف داخلية.

وأوضح السراج أن حكومة الوفاق سعت إلى تحقيق أكبر توافق ممكن بين الأطراف السياسية منذ توقيع اتفاق الصخيرات عام 2015، مشيرا إلى أن المناخ السياسي يعيش حالة استقطاب حادة أدت إلى صعوبة إنهاء الأزمات.

وتجري الأطراف الليبية بمساعدة دولية مفاوضات في المغرب وأخرى في سويسرا بدعم من الأمم المتحدة، من أجل الاتفاق على آلية لاختيار مجلس رئاسي جديد وحكومة وطنية وتعيين قادة المناصب السيادية في الدولة.

ترك المنصب

وذكر مصدر بحكومة الوفاق أن السراج طرح في اجتماعات رسمية سابقة مع أطراف ليبية ودولية ترك منصبه بسبب حالته الصحية والضغوطات الداخلية والخارجية.

وأفاد المصدر بأن أطرافا دولية اقتنعت بأن السراج لن يستطيع إكمال مسيرته في حكومة الوفاق، نظرا لرغبته الشديدة في ترك منصبه.

وأضاف المصدر للجزيرة نت “من المتوقع أن تتحرك بوتيرة أسرع مفاوضات تشكيل مجلس رئاسي جديد بعد إعلان الرئيس السراج اعتزامه ترك منصبه في نهاية أكتوبر/تشرين الأول”.

طريق مسدود

واعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة بلقاسم دبرز أن السراج وصل إلى طريق مسدود بسبب الخلافات والانقسامات الداخلية.

وأضاف دبرز للجزيرة نت “اعتزام السراج تقديم استقالته تأتي بعد عجزه عن تقديم حلول جذرية لمشاكل القطاعات الخدمية المقدمة للمواطن، من انقطاع الكهرباء إلى نقص السيولة وتراكم القمامة في الشوارع”.

ويرى دبرز أن من أسباب اعتزام السراج ترك منصبه في نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل التقارب بين برلمان طبرق والمجلس الأعلى للدولة في حوار بوزنيقة، واتفاقهم على المعايير والشروط المبدئية في التعيين وقرب التوصل لاتفاق نهائي.

وأشار دبرز إلى أن الضغوط الخارجية المتدخلة في الملف الليبي سلبيا التي تهدف إلى إبعاد حلفاء حكومة الوفاق تسعى إلى إبعاد السراج وخروجه سريعا من المشهد.

مستمر في أداء المهام

وأكد عضو المجلس الأعلى للدولة أحمد لنقي أن السراج سيستمر في منصبه إلى حين تشكيل مجلس رئاسي جديد، لإتاحة الفرصة أمام وجوه جديدة لتكملة المشوار السياسي.

وتابع لنقي في تصريحه للجزيرة نت أن “السراج أراد إقفال الباب أمام المزايدات واتهامه بتعطيل توحيد السلطة التنفيذية وتعطيل التئام السلطة التشريعية”.

واعتبر لنقي أن الترتيبات السياسية والأمنية في المرحلة المقبلة التي ستشهدها ليبيا تأتي نتيجة تفاهمات من الدول المتدخلة في الشأن الليبي.

استقالة بشروط

واعتبر المحلل السياسي عبد الله الكبير أن السراج اشترط لترك منصبه تقدما في مفاوضات ترتيبات السلطة الجديدة الجارية حاليا في سويسرا والمغرب.

ويرى الكبير أن إعلان السراج يرتبط بشكل مباشر بالضغوطات الموجهة عليه من فرنسا بسبب تنامي نفوذ تركيا في ليبيا.

وأردف قائلا للجزيرة نت “يمكن للجنة الحوار أن تتفق أو تجبر على تشكيل مجلس رئاسي جديد في الأجل الذي حدده السراج إذا توافقت الأطراف الدولية الفاعلة في المشهد الليبي”.

وأفاد الكبير بأن الرفض الشعبي المتنامي لرفض استمرار الوجوه المتصدرة للمشهد قد يقلب الطاولة على المسؤولين الحاليين، ويفرض على الجميع الذهاب لانتخابات جديدة إذا استمر الحراك الشعبي واتسع نطاقه.

__________