Minbar Libya

بقلم جايسون باك (ترجمة غسان عتيقة)

على مدى السنوات الخمس الماضية، قام المجتمع الدولي بتجربة مجموعة من الأساليب المختلفة للوساطة في الحرب الأهلية الليبية وفشلت جميعها.

الجزء الثالث

نبذة مختصرة

 على مدى السنوات الخمس الماضية، جرب المجتمع الدولي مجموعة من الأساليب المختلفة للتوسط في الحرب الأهلية الليبية – أحيانًا عن طريق الأمم المتحدة، بينما في حالات أخرى من خلال مؤتمرات القمة التي تعقدها الدول الكبرى.

في أوقات مختلفة، أدت جهود الوساطة هذه للتشديد على مسارات سياسية، ومسارات أصحاب المصالح المرتبطة، والمسارات التي تركز على الأمن، وكذلك النهج الانتخابية أو التي تركز على السكان. عرض معظم اصحاب هذه المبادرات الجزر لمن ينجح في هذه المسارات، في حين هدد البعض باستخدام العصي الصغيرة ضد المفسدين. لقد فشل الجميع.

إن معظم الدول والمراقبين الذين لا يغذون الحرب بنشاط بالأسلحة والمال والتدريب والمرتزقة يرون الآن أن وقف هذه التدفقات المدمرة أمر بالغ الأهمية لجلب فصائل الميليشيات المتنافسة إلى طاولة المفاوضات. إن الحظر الحالي على الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة يتم تجاهله الآن بشكل علني من قبل العديد من الدول لدرجة أنها تنشر وتجري تصويتًا برلمانيًا على بعض انتهاكاتها.

كان لمؤتمر برلين المقرر عقده في فبراير 2020 فرض حظر فعال على الأسلحة كهدف أساسي معلن عنه.

وعلى الرغم من صعوبة ذلك، فمن الممكن تحقيقه من خلال الدبلوماسية المنسقة وفرض عقوبات حقيقية على الانتهاكات التي ترتكبها الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها لثني الإماراتيين والمصريين والأتراك والقطريين والسودانيين والشاديين والروس وغيرهم من مزيد من التدخل.

ومع ذلك، فإن مجرد مواجهة هذا التحدي لن يكون كافياً لوقف العنف أو حل النزاع. بمجرد قطع الميليشيات عن المصادر الخارجية للدعم العسكري، ستظل القضايا الاقتصادية الأساسية التي أدت إلى الصراع قائمة.

 فقط نهج جديد يمكّن الإصلاحيين الاقتصاديين الليبيين، بينما يعيد صياغة دور النظام الاقتصادي الليبي كمحرك للصراع، يمكنه إصلاح الخلل ومع ذلك، حتى التكنوقراطيين الليبيين الشجعان والبعيدين النظر لن يتمكنوا من تنفيذ الإصلاحات اللازمة بأنفسهم، طالما أنهم رهائن فعلاً من قبل المليشيات التي تستفيد من النظام الحالي.

تحتاج الجهات الفاعلة الدولية إلى تسهيل ودعم إنشاء لجنة مالية دولية بقيادة ليبية تناط بها السلطات المطلوبة لإعادة هيكلة الاقتصاد بالكامل.

سيتطلب ذلك ضم قادة الميليشيات الذين يملكون سلطة حقيقية في ليبيا. لا يمكن لمثل هذا التبادل التجاري للخيول مع وسطاء القوة أن ينجح إلا في بيئة ينقطع فيها هؤلاء القادة بالفعل عن التدخل الأجنبي الذي يبدو أنه يحمل الوعد بالسماح لهم بغزو البلاد بأكملها دون تفاوض.

لحسن الحظ، من المقرر بالفعل أن يشتمل مؤتمر برلين على مسار اقتصادي. وبدلاً من أن يُحال إلى وضع عرض جانبي أو نهج موازٍ لاستكمال الانخراط السياسي، يجب أن يدعم المسار الاقتصادي بشكل مباشر الأولوية العاجلة لتأمين حظر وظيفي على الأسلحة من خلال إظهار أنصار أجانب من جميع الفصائل بأن الحل ممكن، وأفضل واقعيا، من جهودهم المدمرة لتأمين الهدف الوهمي المتمثل في السيطرة على السلطة الكاملة لفصيلهم المسلح.

غالبًا ما تكون الدوافع وراء تدخل القوى الأجنبية الأكثر تعقيدًا هي القضايا الاقتصادية، بما في ذلك تأمين الدفع مقابل العقود القديمة – لذا تقاد كل من الميليشيات الليبية وكذلك مؤيديها الخارجيين بتفكير الاقتصادي أو السياسي مغلوط ذات محصلة صفرية.

علاوة على ذلك، فإن ربط الإصلاح الاقتصادي بحل النزاعات بشكل صحيح يمكن أن يصبح قوة دافعة لإنشاء اللجنة المالية الدولية.

من غير المرجح أن تصمد أي اتفاقية لوقف التدخل الأجنبي الضار في ليبيا بدون آلية بناءة جديدة للقوى الأجنبية لتأمين مصالحها الاقتصادية والأمنية الهامة في البلاد عبر آليات تأمن المحصلة الإيجابية بطريقة تفيد الشعب الليبي والاستقرار الدولي.

أولا: تغطية كاملة لمجموعة المشاكل

تشخيص جوهر المشكلة: في نقاط فرعية:

ـ هناك حاجة إلى نهج دولي جديد

مع فوضى ليبيا ما بعد القذافي والاخفاق في تقديم أي عقد اجتماعي مشروع للشعب الليبي، ظهرت نسخة منحرفة للعقد الاجتماعي الذي صاغه القذافي والموجود من قبل. تشعر كل منطقة ليبية، ومحلية، وقبيلة، وتجمع أيديولوجي، وفرد أنه يحق لهم مثل أي شخص آخر الحصول على المال والسلطة الممنوحة للمؤسسات الليبية شبه السيادية.

ولا يهتم قادة المجتمعات المحلية بأن الأسباب المنطقية لتلك المؤسسات لم تعد موجودة، لأنهم يريدون ببساطة قطعة من الكعكة.

لقد بزغت هذه الحقيقة تدريجيًا على معظم صانعي السياسة الغربيين المهتمين بليبيا: جذر تحول البلاد المتعثر وحرب خلافة ما بعد القذافي بعد عام 2014 تعتبر اقتصادية في المقام الأول – وليست سياسية أو أيديولوجية.

إن جهود صنع السلام المستقبلية، والمؤتمرات الوطنية، أو حتى الانتخابات المباشرة محكوم عليها بالفشل إذا لم تعالج الأسباب الجذرية لعلل ليبيا: الحوافز الاقتصادية السيئة والمؤسسات المعيبة.

إن مؤتمر برلين مهيأ بالفعل للفشل إذا لم يقدم نهجاً متماسكاً لمعالجة القضايا الاقتصادية. نعم، هناك دلائل تشير إلى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح حيث سيتم تضمين مسار اقتصادي متميز. لكن هذا غير مجدي. يجب أن يؤدي المسار الاقتصادي إلى إنشاء مؤسسات ذات مشاركة دائمة في الاقتصاد الليبي بدلاً من المشاركة المتفرقة عبر مؤتمرات القمم العرضية.

ـ الوضع العسكري والدولي على الأرض

لقد تحول هجوم الجنرال خليفة حفتر في أبريل / نيسان على طرابلس من هجوم عفوي من قبل جنرال مارق إلى أول حرب استنزاف اقليمية بطائرات بدون طيار في التاريخ. إن القوى غير الغربية هي التي توفر الأسلحة والدراية التقنية لإبقاء عملائها واقفين على اقدامهم.

يتم التنازع على المكون الجوي للحرب في المقام الأول بين الإمارات العربية المتحدة وتركيا، في حين أن المرتزقة ومكونات التدريب في تلك الحرب تضع روسيا ومصر والسودان ضد تركيا وتشاد.

أصبحت تركيا الداعم لحكومة الوفاق الوطني، حيث رفضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيطاليا والجزائر طلبات رئيس الوزراء فايز السراج للحصول على المساعدة العسكرية اللازمة لمنع طرابلس من السقوط. أنه إذا كانت طرابلس في خطر من أن يسيطر عليها مرتزقة مدعومون من روسيا، فإن تركيا ستسرع بقوات برية كافية لمنع هذه النتيجة.

مع تطور الحرب، تم تجاوز الدول الأوروبية باعتبارها اللاعب الدولي الأكثر مشاركة في “ملف ليبيا”، وبالتالي، يجب دعم المحاولات الألمانية والأوروبية للتوسط مع المغامرة باستعراض القوة الحازمة والا سيتم تجاهلها من قبل المتنافسين ذوي النفوذ العسكري على الأرض.

وباختصار، فإن إعادة المشاركة المتأخرة من أوروبا في وقت متأخر جدًا دون تطبيق أشكال نفوذ غربية فريدة ستعرض فقط مدى قدرة الدول غير الغربية الآن على استعراض القوة في ليبيا ، حيث يمكنها أن تهزأ بحظر توريد الأسلحة من قبل الأمم المتحدة وتوفير الطائرات بدون طيار والمرتزقة أو انتهاك المعايير الدولية من خلال توفير الحقن المباشرة للنقد أو الدينارات المطبوعة بشكل غير مشروع.

ستكون الدول الغربية، خاصة إذا كانت تعمل بشكل متضافر ، قبضة خانقة على الأدوات الاقتصادية المشروعة اللازمة لإجبار كلا الجانبين على العمل معًا وتوفير القدرات والخبرات الفنية للقضاء على المحركات الاقتصادية للصراع في ليبيا.

لماذا ليبيا مهمة ولماذا الآن؟

من بين الصراعات الخمس الكبرى في العالم – أوكرانيا وسوريا / العراق وكوريا الشمالية واليمن وليبيا – وحل صراع ليبيا هو الوحيد التي يمكن أن يدفع تكلفته البلد نفسه. سيؤدي حل النزاع الليبي إلى مليون برميل إضافي يوميًا من النفط الخام الخفيف، وإنفاق أكثر من مائة مليار دولار سنويًا على المشاريع الضخمة، وتوظيف مليون عامل أجنبي، ودفع متأخرات بمئات المليارات.

علاوة على ذلك، سببت دورة العنف المستمرة في ليبيا وانعدام سيطرة الدولة في خلق واحدة من أهم المحاور للجهات الجهادية خارج بلاد الشام، مع تسهيل انتشار الأسلحة والاتجار بالمهاجرين وشبكات الجريمة الدولية الرئيسية. في الوقت الحاضر، تعد ليبيا مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار في الأنظمة الإقليمية لمنطقة البحر المتوسط ​​والساحل. إذا كانت مستقرة مع اقتصاد وظيفي، فستكون ركيزة أساسية للاستقرار لكليهما

لكل هذه الأسباب، فقد حان الوقت لأمريكا وأقرب حلفائها للتوجه نحو نهج يركز على الاقتصاد لصنع السلام في ليبيا. إنه السبيل الوحيد الذي قد يوفر الهياكل الحافزة للسلام ويقوض تلك الخاصة بالعنف. ويمكن القيام بذلك إما على مستوى المجتمع الدولي أو من قبل بعض البلدان ذات التفكير المماثل على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف. يجب أن تكون بريطانيا وإيطاليا والمؤسسات الأوروبية أطراف أساسية لأي عملية.

يحتاج مؤتمر برلين القادم إلى اقتراح مخرج من الطريق المسدود الحالي الذي يؤدي إلى أكثر من وقف إطلاق نار مؤقت أو حفل توقيع، ولكنه يتعامل مع جوهر المشكلة التي أدت إلى الحرب الحالية في المقام الأول.

الزاوية الاقتصادية كحل سحري للازمة الليبية

لإصلاح الاقتصاد الليبي، يجب علينا فهم جوهره. كان هيكل اقتصاد القذافي دائمًا محاولة غير منسقة لشراء ولاءات قطاعات المجتمع المختلفة في البلاد وخلق مركبات معقدة للحاشية المرافقة للسلطة.

لم يتم إصلاح النظام الاقتصادي الليبي بأي طريقة ذات مغزى منذ انتفاضة 2011. إنه يحتاج إلى إصلاح اقتصادي جذري وفرعي. إن وجود ترتيب لتقاسم السلطة بين القادة في طبرق وطرابلس الذين تجاوزا مدة تفويضهم لفترة طويلة لن يعالج هذه القضية.

حتى التكنوقراط والقادة الليبيين الشجعان وبعيدي النظر لن يكونوا قادرين على تنفيذ الإصلاحات الضرورية بأنفسهم طالما أنهم رهائن فعلاً من قبل المليشيات التي تستفيد من النظام الحالي.

لذلك، سيحتاج الإصلاحيون والقادة الليبيون إلى بدء الطريق إلى الأمام من خلال الدعوة لمساعدة ودعم التكنوقراط من الخارج وبإشراف الحكومات والمؤسسات الدولية الرئيسية.

إن إجراء الانتخابات دون إصلاح الأشكال الفريدة للاختلال الوظيفي للاقتصاد الليبي هو مجرد وصفة لتكثيف الحرب المستمرة على الوصول إلى خطوط الفساد، أي مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية ولجنة الموازنة وديوان المحاسبة. يجب حماية هذه المناصب عن أي تدخلات سياسية او عسكرية في اعمالها.

علاوة على ذلك، قبل الشروع في أي الخوض في مرحلة أليمة قصيرة المدى لإصلاحات اقتصادية على المدى الطويل، يجب فصل التكنوقراط المعينين والمدعومين من الغرب في هذه المواقف الحاسمة عن العملية السياسية عن طريق اللجنة المالية الدولية، والتي يمكن أن تأخذ عنهم الضغط عندما تحتاج الإجراءات غير الشعبية للتنفيذ.

من أجل استعادة الإصلاح الاقتصادي، لا يمكن للاعبين الدوليين العمل فقط مع المحاورين الحاليين. تكمن المشكلة في أنه باستثناء المؤسسة الوطنية للنفط، فإن جميع المؤسسات الاقتصادية شبه السيادية الرئيسية في ليبيا معطلة بعمق وتؤدي إلى نتائج عكسية بقدر ما تكون راسخة.

يجب إنشاء محاورين جدد وإطار اقتصادي جديد من خلال إصلاح المؤسسات القائمة. هذه هي مهمة اللجنةالمالية الدولية المقترحة.

بأي حق يمكن للفاعلين الدوليين إخبار الليبيين أو إرشادهم فيما يتعلق بكيفية إصلاح اقتصادهم؟ تقول إحدى مدارس الفكر أن المجتمع الدولي، والأمم المتحدة على وجه الخصوص، بعد سقوط نظام القذافي وفشل حكومة ذات سيادة غير مؤقتة في الظهور، ملزمان فعليًا بالتصرف كما في النظام المحلي للسيادة الليبية الشاغرة (كما فعلوا في الفترة 1947-1951 بعد أن أجبرت إيطاليا على التنازل عن مطالبها بالسيادة بعد خسارتها الحرب العالمية الثانية، ولكن قبل تشكيل دولة ليبية مستقلة).

وبدلاً من عقد المزيد من جولات المؤتمرات الدبلوماسية ومفاوضات السلام، تحتاج القوى الإقليمية والدولية الكبرى إلى الالتفاف حول إنشاء اللجنة المالية الدولية ومقرها في مالطا أو تونس أو لندن.

لدى كل من روسيا وتركيا عقود بمليارات الدولارات مع النظام السابق وفي بعض الحالات مع كيانات حكومية ما بعد القذافي. الخسارة الكلية لهذه العقود غير مقبولة بالنسبة لهم، في حين أن القتال للحصول على مكانة متميزة للحصول على أموال لكل من العقود القديمة والحصول على عقود جديدة يوفر حافزًا قويًا لدعم تحالف مليشيا يعتقدون أنه يمكن تأمينها لهم.

سيكون من الصعب إقناع هذه القوى الخارجية بأن ليبيا المستقرة هي مكسب للجميع، لكن العقل يدعم هذه الحجة. من المرجح أن تحصل روسيا وتركيا وغيرها على بعض الفوائد الاقتصادية من ليبيا مستقرة، لا يسيطر عليها حصريًا أي تحالف مليشيات معينة، من بلد تمزقه الحرب الأهلية. وسيستفيد الشعب الليبي والدول الدائنة المتنافسة ولصالح الاستقرار الدولي في نفس الحل أيضا.

يحتاج الليبيون إلى معرفة أن العالم لا يهتم بهم فقط لما يصدرونه (النفط الخام، الأسلحة، المهاجرون، الجهاديون)، ولكن ايضا من أجل رفاه الليبيين وسلامة الاقتصاد الليبي والاجسام السياسية. علاوة على ذلك، وعلى المدى الطويل، ستدفع ليبيا تكاليفها، ويجب أن يتم تمويل اللجنة المالية الدولية جزئيًا من قبل صندوق الثروة السيادية الليبية.

ومع ذلك، ينبغي أن تكون القوى الكبرى على استعداد لبذل الجهد والأموال مقدمًا لتُظهر لليبيين أن نهج صنع السلام الجديد هذا “حقيقي”. ستكون هذه الأموال ضرورية لتهدئة الاضطرابات والحرمان التي ستنشأ من العلاج الصادم المرافق للإصلاحات التي يحتاجها الاقتصاد الليبي.

***

جايسون باك هو مستشار ومؤلف ومعلق يتمتع بخبرة تزيد عن عقدين من العمل في الشرق الأوسط. ومؤسس “شركة ليبيا للتحليل المحدودة” الاستشارية تنتج ، وخدمة “عين على داعش” في ليبيا ، وهو كبير محللي شؤون ليبيا في شركة استراتيجية ألمانية. كما شغل منصب المدير التنفيذي لجمعية الأعمال الأمريكية الليبية لمدة عامين.

_____________

معهد الشرق الأوسط