Minbar Libya

بقلم مختار غميض

يرتهن الوضع الليبي حاليا، إلى أمرين اثنين: إما معركة كسر عظام قد تتوسع بحكم التحالفات أو حل سلمي يراعي مصلحة الطرفين المتنازعين.

الجزء الأول

هذا ما تروّج له المبادرة الأمريكية الأخيرة لحل النزاع، عبر جولات تمهيدية مكّوكية للسفير الأمريكي بطرابلس ريتشارد نورلاند مع المسؤولين الليبيين والدوليين، وكذلك للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز.

وقد تبع ذلك زيارات إلى شرق ليبيا وغربها وإلى القاهرة وتركيا وروسيا وإيطاليا، ليتمخض عن ذلك إعلانان منفصلان متزامنان يختلفان ويأتلفان في آن، لكل من رئيس مجلس النواب المنعقد بطبرق عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، أعلن فيهما الرجلان قبولهما بوقف شامل لإطلاق النار في كامل تراب ليبيا، لكن البيانين بيّنا خلافات كبيرة في التفاصيل، حيث تكمن المشاكل، العقبة التي قد تخفي مناورة لا أكثر لإعادة حفتر تحت مسمى جديد، بعد عام وشهرين من الهزائم انتهت بطرد قواته من آخر جيوبها في ترهونة في الرابع من يونيو الماضي.

ما تزال قوات الوفاق تتمركز في منطقة بويرات الحسون، آخر نقطة غرب مدينة سرت الساحلية الإستراتيجية، المحور الوحيد المفتوح حاليا أمام أي تطورات أو مفاجآت عسكرية أو سياسية، خاصة في ظل التحشيد العسكري من قوات الوفاق ومن قوات حفتر على حد السواء.

من هناك جاء المقترح الأمريكي للتهدئة كحل لليبيين وقطعا للطريق أمام روسيا التي تدخلت بثقلها في ليبيا حسب إثباتات القيادة الأمريكية في شمال إفريقيا “أفريكوم”.

مقدّمة:

هل تتحوّل سرت من منطقة حمراء إلى خضراء على الطريقة الأمريكية، أمام حالة اللاحرب واللاسلم التي ميّزت المشهد الليبي منذ شهرين؟ حيث وافق رئيس المجلس الرئاسي في طرابلس فايز السراج ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح على اتفاق مبدئي للتهدئة باقتراح من البيت الأبيض في كامل التراب الليبي.

الاتفاق كان نتاج تفاهمات ثلاثية بالدرجة الأولى، أمريكية تركية روسية تشترط وقف إطلاق النار ونزع سلاح منطقتي الجفرة وسرت، وتفكيك المليشيات، وتقوم أجهزة الشرطة من الجانبين بالاتفاق على الترتيبات داخل سرت كعاصمة مؤقتة، و إعادة تصدير إنتاج النفط وتنظيم انتخابات رئاسية و برلمانية على أسس دستورية، إضافة إلى تأجيل المباحثات العسكرية، في بيانين لا يخلوان من ألغام كثيرة وإن ظهرا متشابهين.

وعليه فإن المسألة تقف على مدى قدرة الضامنين الدوليين على فك حقول الألغام تلك، وتوفير مناخات الثقة أمام الفرقاء وتحويل سرت من سبب انقسام إلى عامل وحدة وتأسيس، ولاسيما التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار ضمن صيغة جديدة يتم إقرارها بموجب محادثات اللجنة العسكرية الأممية.

أولا: العوامل الخارجية في صنع السلام الليبي

أ– منطق اللاّحرب واللاّسلم:

لا شك أنّ جهودا ديبلوماسية مكثفة استوجبتها حالة اللاسلم واللاحرب بعد هزيمة حلف حفتر في ليبيا وتلقيه ضربات موجعة خاصة بعد خسارته قاعدة الوطية الجوية ومنظوماته الدفاعية، فطرح رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح أوّل مبادراته السياسية للحل، مباشرة بعد يوم فقط من إعلان الناطق باسم قوات حفتر، أحمد المسماري هزيمته بما سماه الانسحاب التكتيكي فجر التاسع عشر من مايو الماضي لتنكفئ إلى منطقة وادي جارف غرب سرت.

بعدها تقريبا، ظلت الجبهة على حالها مع تلقي معسكر حفتر هزيمة قاسية، سِمتها الهدوء تماشيا مع رغبة المتدخّلين في الصراع بعدم التصعيد العسكري، خاصة تركيا وروسيا اللتين لم تكملا مشاوراتهما حول مستقبل النزاع، من ناحية، ومع القلق الكبير للولايات المتحدة من ناحية ثانية، بشأن تزايد النفوذ الروسي في المنطقة بعد تورطها في المستنقع السوري واحتلالها موانئ ومطارات في ليبيا، وفق صور موثقة للـ”أفريكوم”، لذلك خيّرت واشنطن التحالف مع أنقرة الحليف القوي في حلف الأطلسي لضمان مصالح في إفريقيا ثم في جنوب المتوّسط.

لذلك، ومنذ شهر يونيو بدأ التحرك الأمريكي الفعلي من خلال القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، لكن حدّة اللهجة الأمريكية كانت يوم الرابع من أغسطس، مع إعلان الإدارة الأمريكية رفضها المطلق للتدخل أو التواجد العسكري الأجنبي في ليبيا أو بقاء المرتزقة فيها وقطع تصدير النفط، ودعا إلى تنفيذ حلّ منزوع السلاح في سرت والجفرة، وهو ما كان وراء إطلاق المبادرة الأمريكية للحل.

وفي التاسع من أغسطس كشف السفير الأميركي لدى القاهرة، جوناثان كوهين، عن المبادرة الأمريكية بعد اجتماعات واتصالات برئيس برلمان طبرق عقيلة صالح ومستشار الأمن القومي للوفاق تاج الدين الرزاقي في ما يخص مقترح من نقاط ثلاث، إنشاء منطقة منزوعة السلاح، وإعادة توزيع الثروة، وسحب المرتزقة من ليبيا.

بعد الجانب الأمريكي، تدعمت المبادرة في العاشر من أغسطس، حيث عرض السفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، مع عقيلة صالح، في القاهرة، مبادرة واشنطن التي تتضمن وقف دائم لإطلاق النار وتحقيق انسحاب كامل للقوات الأجنبية والمرتزقة، ودعم الحوار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة، وخاصة دعوة صالح للترويج لحل منزوع السلاح في سرت والجفرة، وفتح النفط مع ضمان إدارة عائدات النفط والغاز بشفافية، وتنظيم انتخابات نزيهة وسلمية.

ويوم الـ17من أغسطس وضمن نفس الجهود جاءت زيارة وزيري الدفاع في قطر وتركيا إلى العاصمة طرابلس، التي تعتبر آخر المجهودات الفعلية، بل الضوء الأخير لحل قضية سرت الجفرة ومنشآت النفط، وهي زيارة مزدوجة تطرح التحذير من حرب كبرى أو تسوية في الأفق.

وهنا تأتي رمزية الضيف القطري الذي جاء لأول مرة على عكس نظيره التركي، وما تلك إلا رسالة تصعيدية لحلفاء طرابلس، بأن قطر أعادت الملف الليبي إلى مكانته، وعادت كفاعل أقليمي لحل الأزمة.

كما أن زيارة الوفدين العسكريين الرفيعين لأهم حليفين استراتيجيين لليبيا كانت تشير لشيئين قادمين إما معركة كسر عظام، أو التنازل واستئناف الحوار في واقع كره فيه الجميع الاحتراب.

وبعدها، يأتي الجانب الألماني، حيث ترافقت الزيارتان السابقتان بزيارة متزامنة لوزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي حذّر من التصعيد، ودعا إلى استغلال الزخم الكبير للدفع نحو الحل، ثم طار مباشرة إلى أبوظبي للحثّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح، ومارس ضغوطا على الإمارات لمطالبة حفتر بالقبول بالمقترحات الأممية بشأن هذه المنطقة.

ثم جاءت ، في اليوم التالي 18 من أغسطس، زيارة رئيس المخابرات المصرية خالد مجاور إلى خليفة حفتر في مقرّه بالرجمة حاملا رسالة من السيسي، ثم أعلن حفتر بعد ساعات فقط رفع الحصار عن الموانئ النفطية، وهو ما يؤشر بقوة إلى تدخل إماراتي ضاغط على حفتر.

ولئن أعلن الناطق باسم قوات حفتر أن القرار يشمل تصدير مخزون النفط في الموانئ وليس إعادة فتح للحقول، فإن ذلك في جزء منه يعكس تخوف حفتر من انتفاضة الداخل وهو الذي وظّف القبائل دائنا في موضوع إغلاق حقول النفط.

ذاك أمر تفسّره حالة التذمر والاحتقان الشعبي في سرت وبنغازي وطبرق وشحات، ضد الفساد، وغياب الكهرباء والماء وتردي البنى التحية للخدمات والصحة، وهذا التوافق الشعبي الفريد في حاجة لدراسة وتحليل عميق، وهو أحد الأسباب البعيدة للقبول بالحل والتوافق.

البقية في الجزء التالي

***

مختار غميض ـ باحث في الشأن الليبي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ـ هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

____________