Minbar Libya

بقلم مختار غميض

يرتهن الوضع الليبي حاليا، إلى أمرين اثنين: إما معركة كسر عظام قد تتوسع بحكم التحالفات أو حل سلمي يراعي مصلحة الطرفين المتنازعين.

الجزء الثالث

ثانيا:– سرت: عاصمة التوافق بين غرب ليبيا وشرقها

أ_ التوافق المغشوش:

في نزع سلاح سرت وجعلها عاصمة مؤقتة، قد تتبادر إلى الذهن المنطقة الخضراء في قلب العاصمة العراقية بغداد التي أقامتها السلطات الأمريكية هناك لحماية الحكومة، رغم أنّ الفرق واضح بين مشروعين مختلفين في ليبيا حيث جاء التغيير الشعبي من الداخل والعراق التي جاء التغيير من الخارج وعلى ظهر دبابة بحجة التحرير، هذا مع اختلاف السياقات والظرفيات التاريخية.

هذا مع إصرار روسيا إلى تحويل سرت والجفرة إلى منطقة حمراء على لسان السيسي، حيث توجد مرتزقتها “فاغنر” لحماية حقول الذهب الأسود، وهذا وراء إعلان حكومة الوفاق الوقف الفوري للعمليات العسكرية في ليبيا وتأمين المنطقة على غرار موقف رئيس برلمان طبرق في توافق يتماشى و الرؤية الأمريكية-الألمانية وبدرجة أقل الإيطالية؛

كان من شأن ذلك تفويت الفرصة وسحب البساط من تحت أرجل المتربصين بالمنطقة والعابثين بأمنها لسرقة ثرواتها والركوب على ثوراتها وتجييرها لصالحهم.

لتفادي ذلك مبدئيا يكفي موافقة رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، على جعل سرت والجفرة مناطق منزوعة السلاح وإعادة تشغيل الموانئ النفطية ووقف إطلاق النار بشكل كامل (لذلك جاء بيانه أكثر تطابقا مع المبادرة الأمريكية من بيان صالح).

فهي إن لم تعنِ خسارة حفتر وفقدانه السيطرة على منطقة الهلال النفطي، تعني بالضرورة خسارة عقيلة صالح لصورته أمام الجميع ومزيد فضح المطامع الروسية والمصرية في النفط الليبي بفضل المرتزقة كقوة احتلال.

وعلى عكس ما سبق، أي في حال تم إخراج حفتر من المعادلة وقبل عقيلة بالمبادرة فيعني ذلك خسارة حفتر وفقدانه السيطرة على منطقة الهلال النفطي.

لكن لا بد من الإشارة إلى احتمال قد يعبث بكل الجهود، وهو فشل السفير نورلاند في إقناع عقيلة صالح بالقاهرة بنزع السلاح في سرت، وبالتالي خرج دون أي اتفاق نهائي.

وهنا قد تصبح العملية مناورة سياسية جديدة لصالح حفتر بحيث تصبح المبادرة الأمريكية مفصّلة للتنصّل من التزاماته الدولية، كما تنصّل في جميع المبادرات السابقة، ربحا للوقت واستثمارا في الظرفية التي تمر بها ليبيا خاصة مع استفحال أزمة كورونا وفشل مخطط قطع الكهرباء الذي اكتوت به المنطقة الشرقية أيضا.

وعليه فإن المخاوف من أن يصبح صالح مفاوضا ضعيفا يحرّكه حفتر من خلف الستار بعد سلب إرادته، كما تم استعماله من قبل في ورقة الحقول النفطية، لاستفزاز الرئاسي في طرابلس للقبول بمقترحاته، وأولها أموال النفط مقابل إحداث مجلس رئاسي جديد، لكن السحر انقلب على الساحر مع الضغط الخارجي لاستمرار إنتاج النفط.

وبالتالي لا يمكن الرهان على خلاف كبير بين صالح وحفتر، فخلافها خلاف فروع دائما لا يرتقي إلى الأصول، أما أمريكا فتبحث عن انتصار قبيل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل.

أما تركيا فهي تبحث على توريط حلف حفتر بجرّه إلى الحوار بعد فضحها مرارا للإمارات وفرنسا بالتورط في المستنقع الليبي، والأمارات تحاول التدرّع بدولة قوية إقليميا لإنقاذ نفسها بعد الشلل الذي أصابها وتكلفة حروبها الفاشلة.

وإذا نجح المخطط المتفق عليه من قبل حكومة الوفاق وصالح وحدث توافق بينهما، فهذا يعني بالضرورة أنّ حفتر انتهى بدون رجعة وربما ينتهي به الأمر ملاحقا في أروقة القضاء الدولي خاصة مع الشكاوي المقدمة ضده في أمريكا من قبل المواطن الليبي الأمريكي.

إلى ذلك تنضاف إشكاليات عائدات النفط، فربطها صالح وفق إعلان القاهرة ومؤتمر برلين أما السراج فحصر ذلك بمخرجات برلين، فتقسيم عائدات الثروة النفطية بالتساوي قد يعزز النعرات التقسيمية والجهوية مستقبلا وقد تطالب الجهات الأكثر كثافة بنسبة أكبر من الثروة، تماما مثل مشكل العاصمة المؤقتة لكن قبل الحديث عن أيّة تفاهمات لابد من توفير ضمانات وبناء جسور ثقة بين الفرقاء الليبيين.

ب – حظوظ نجاح المقترح الأمريكي:

لا شيء يبدو واضحا حتى الآن ما لم نطلع على التفاصيل لكشف أغوارها، ففيها دائما تكمن المشاكل وأم الأزمات.

فكيف نتحدث عن منطقة منزوعة السلاح، وروسيا ترتع بمرتزقتها في الآبار النفطية في هلال سرت وفي قاعدة الجفرة المحاذية، بالتالي يبدو هكذا حديث مؤجل وسابق لأوانه.

فما هي آليات التنفيذ وما الإطار القانوني وما ضمانات التطبيق ؟

يعد استئناف الحوار على مخرجات مؤتمر برلين، الذي ينص بدوره على شيئين، أن الاتفاق السياسي مرتبط بمؤتمر أبي ظبي ومؤتمر باريس، وهو مرتبط بالترتيبات العسكرية في القاهرة المتمخضة عن تفاهمات جينيف.

وتلك كلها بداية ألغام جديدة وليست نهاية حل، وفوق كل ذلك يبقى التخوف قائما مع تعزيز تحالف دولة الإمارات المتمسكة بحفتر لآخر رمق، مع الكيان الصهيوني، قائما بجدية بإعادة رسكلة حفتر كمشروع عبر عملية ترقيعية تجميلية تسوّق لوجه جديد.

وهو متزامن مع حراك داخلي يريد تولية سيف القذافي حاكما، وما التظاهرات و “الحملات الانتخابية السابقة لأوانها” في سرت و بنغازي، وهي التي أثارت رعب ومعارضة “الحفاترة”.

إلى جانب عدم معرفة مصير سيف وحفتر، سيف الذي نفضت عنه روسيا الغبار، لكن يبدو أنها تخلت عنه كما تخلت عن أبيه من قبل لصالح عقيلة صالح، وحفتر الذي يبحث عن حصانة من قضايا أمريكية مرفوعة ضده، كما تؤكد دوائر إعلامية غربية.

وثمة تخوف آخر، هو أن تكون العملية إعادة تفاهم للدول الخارجية وتوزيع للأدوار على ثروات ليبيا، ومن هنا انشغالهم بالنفط واشتغالهم عليه، على حساب الشعب الليبي الذي يعاني شرقا وغربا كما بات واضحا للعيان، وهو ما قد يعزز الثقة لدى الليبين بأن الحوار لا يكون إلا ليبيّا ليبيّا، واستبعاد كل الأجندات الدولية المشبوهة، بل الاستعمارية المتوحشة.

قبل كل ذلك، لا يمكن قطع يد السارق قبل سرقته.

فإن التنازلات التي قدمها عقيلة وهي إبعاده حفتر من دفة الحكم، وعدم استشارة السراج لجماعته، فإن المقاربة الأمريكية قائمة على تحديات أمريكية كبرى بدأت فيها ومن الصعب أن تتراجع عنها أمام الروس خاصة وأن كلمتها مسموعة في معسكر حفتر، السعودية مصر والإمارات ، زيادة عن دعم تركيا وحلف الأطلسي والأوروبيين، وبالتالي فإن القوة صاحبة المبادرة قادرة على ضبط وتعديل أوتار الحل، مع دعم الدول المانحة يمكن إفراز مشهد ليبي جديد.

خاتمة:

غياب حفتر عن المشهد بطريقة مباشرة بعد انكساره في المنطقة الغربية لا يعني عدم تحكمه في خيوط اللعبة السياسية مستقبلا رغم محاولات إظهار عقيلة صالح، كما أنّ دخول الأمريكان على خط الأزمة الليبية بهذا الحجم الأول من نوعه لا يعني نجاح مقترحهم في الحل إذا لم تتوفر الضغوط اللازمة وإلا فستتحول الأزمة إلى قضية دولية بامتياز قابلة للاشتعال في أي لحظة.

وبالتالي أصبحت من القضايا التي تحتاج لعدة مستويات في التحليل، ورؤية تعتمد على مراحل زمنية شتى تغطي المستقبل المنظور والبعيد الاستراتيجي، حتى يتم الاستجابة إلى التحديات، لذلك من الصعب فهم توزيع المؤثرين في الخارطة.

وبالتالي، لئن كان بالإمكان تفادي نشوب حرب طاحنة في سرت الجفرة منذ شهرين بجعلها منطقة ساخنة بلا حرب، فان تحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح هو رهين تفاهم القوى الكبرى خاصة روسيا وتركيا، ومعلوم أن تضاعف حجم الدعم الروسي لقوات حفتر هو بقصد تحسين شروط التفاوض.

لكن بدخول العم سام استطاع فرض معادلة عقيلة صالح بدلا عن خليفة حفتر، والقبول بعقيلة كمخاطب وحيد في الشرق، وهو ما أدركه حفتر عند صمت حليفه بوتين عن أردوغان الذي كان وراء انهياره غربا، وفي المحصّلة إن زر التحكم في ليبيا هذه الأيام تحت يد الولايات المتحدة، في محاولة لانتزاع ليبيا من حرب كانت وشيكة وطاحنة.

***

مختار غميض ـ باحث في الشأن الليبي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ـ هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

____________