Minbar Libya

بقلم فوزية بريون

من المؤسف أنه وبعد قرابة عقد من الزمان على انتفاضة فبراير نجد أن بلادنا قد صارت على شفا الإنهيار الكلي، بعد سلسلة من الإنهيارات الجزئية على الصعيد السياسي والإقتصادي والإداري والإجتماعي، بل والإخلاقي، أدت تداعياتها المعقدة إلى هذا التحارب والإشتجار بين جناحي الوطن.

الجزء الثالث

ثالثا: القبيلة

تعتبر القبيلة من أقدم أنواع التجمع البشري ذات الوظائف الضامنة لتحقق الأمن المجتمعي، وحل النزاعات. وهي مؤسسة تقوم على روابط الدم والقربي، كما تقوم على غير ذلك من الإرتباط التوافقي التعاقدي.

ومعروف أن القبيلة عماد المجتمع الليبي، بما كان لها من دور إيجابي في مراحل التاريخ المختلفة، وعلى الخصوص في مواجهة المستعمر الفاشي، وتنظيم صفوف المقاومة وحروب التحرير.

أما القبليّة التي نشير إليها هنا، فهي نزعة، في نزعة نفعية براجماتية تهدف إلى تغليب مصلحة القبيلة وتمكينها في مضمار السياسة والإقتصاد، والدخول في اللعبة السياسية ودواليب إدارة الدولة بقيم القبيلة واستراتيجيتها، وذلك من أجل تحقيق الغلبة، والوصول إلى الغنيمة، وخدمة مصالح القبيلة، ومحاباتها والتمكين لها.

كل ذلك على حساب قواعد العمل السياسي التي تزكّي الكفاءة والقدرة الإدارية، وتحارب الفساد، وتقوم على مبادئ الدولة المدنية الحديثة، المبنيّة على قيم المواطنة والمشاركة والمقدرة، بغض النظر عن الإنتماء القبلي.

ولا يخفى على الدارس حقيقة أن القبائل كانت، تاريخيا، تبحث عن دور سياسي تعهد به إليها السلطة المركزية. لتمنح ولاءها لتلك السلطة، مقابل إعفائها من الضرائب أو تخفيفها.

ومن الجانب الآخر كان دعم السلطة لهذه القبيلة أو تلك مرهونا بدور القبيلة في جمع الولاءات من القبائل الأخرى، وتأمين إلتزاماتها تجاه تلك السلطة.

وفي الحقبة الأخيرة، عمل القذافي، في بداية حكمه، على كبح جماح القبيلة وعدم الإعتراف بها، وخاصة في فترة حماسه القومي وحتى أواخر السبعينيات، ثم ما لبث أن انتبه إلى خطورتها وما يمكن أن تلعبه من أدوار، فأحياها ولعب على نعرتها العصبية، وثاراتها الداخلية، وشجّع تناقضاتها.

موظفا كل ذلك في ترسيخ نظامه، مشتريا ولاءاتها بالإغراءات المادية، والمناصب العسكرية والسياسية والإدارية، ومعتمدا على بعض رموزها في ترتيب الشؤون الأمنية على تخوم الجيران العرب والأفارقة.

بل إنه قد أنشأ للقبائل كيانا رسميا يوهمها فيه بالمشاركة السياسية فتأسست “القيادات الشعبية الإجتماعية” لتكون هيئة جامعة للقبائل بمختلف أصولها، وذلك من أجل متابعتها والتحكم فيها وتجنيدها لصالح نظامه.

وقد سبق كل ذلك ترسيخ مشروع بدونة الحياة العامة، والسياسية خاصة، تكريسا لشعاره في انتصار الخيمة على القصر، حيث ساعدت القبيلة في تهيئة الأرضية المناسبة لتلك البدونة، وساعدت النظام السياسي في سياسته الحثيثة الهادفة لفرضها وتحويلها إلى نمط عيش.

وصارت القبائل في “الجماهيرية” تدير وتدار عبر “مؤتمر الشعب العام”، وأصبح أبناؤها قيادات “اللجان الثورية”، و “مكاتب الإتصال الخارجي”، وقد قامت بجهودهم الحثيثة الأنشطة المختلفة العامة على تسويق النظام وتثبيته.

وصار الفرد الفاعل داخل تلك الأجهزة لا يعبّر فقط عن هويته الفردية، وإنما عن مرجعيته القبليّة، مبرهنا على ارتباطه بجغرافية القبيلة أكثر من ارتباطه بالوطن.

ولقد أسهم هذا كله في عمليّة تقويض الدولة وتخلّف المجتمع، وعرقلة كل تطوير وتحديث للبلاد، وكل هذا يعود إلى أن “أزمة العقل القبلي أنه لا يمكنه أن يكون قبليا ووطنيا في نفس الوقت”، وهو ما يجعل القبيلة في هذا السياق، عنصرا سلبيا باعتباره يدعو إلى العصبية، ويفاضل بين الناس على أساس الإنتماء القبلي وليس على أساس المقدرة والعمل.

والقبيلة في المنظور المعاصر هي “نقيض الدولة. أي عندما تقوم الدولة المدنية بكامل أركانها ومسؤولياتها (فلن تعود) هناك حاجة للقبيلة وتختفي تدريجيا لينعدم الشعور بها حتى بين أفرادها، وتتراجع لتمارس دورها كمظلة إجتماعية.”

وعلى هذا الأساس يميل البعض إلى الإعتقاد بأن بروز القبيلة في ظروف التشظي السياسي وتعثّر تأسيس دولة القانون، من شأنه أن يساعد في تحقيق الإستقرار العام، وذلك بالنظر إلى قدرتها على وضع حد للتدهور الأخلاقي والممارسات الخاطئة التي يقوم بها أبناؤها وأبناء القبائل الأخرى، اعتمادا على الإعتبارات المتبادلة بينهم.

وبالنظر إلى ما يكتظ به المشهد من تدهور وانحدار سلوكي، فإن أحدا لم يستطع أن يرصد أي مجهود من قبل القبائل لوضع حد لذلك، وهو ما يرجّح، للأسف، وجهة النظر المغايرة التي ترى “أن رجال القبائل ولاؤهم الأول والأخير للقبيلة، وإن تعارض ولاء القبيلة مع أي شئ آخر، وإن كان الإسلام، فيقدمون القبيلة”.

ولذلك، وبالرغم من أن 86% من السكان يقيمون في المدن، فإنهم لا ينطلقون من رؤية جامعة، أو برنامج وطني خالص، وإنما تطغى على معظم هؤلاء النزعة القبليّة، فيتخذون قبائلهم مرجعيّة، فلا يتبنّون إلا برامجها، ولا يسعون إلا وراء منافها، غير مهتميّن بالمصلحة العامة، ولا بمصير الوطن.

ومن الملاحظ في الآونة الأخيرة، أن سطوة القبليّة قد تسللت إلى المؤسسات التي يفترض أن تكون رسمية، أي تابعة لأجهزة الدولة وملتزمة بقواعدها. فلقد لمسنا كيف أصبحت بعض “المجالس البلدية” تتدخل في الشأن السياسي، فبدل التركيز على مهمتها الأساسية في تدبير الشؤون المحلية للمناطق التي انتخبتها، وتقديم الخدمات لسكانها، أصبحت هذه المجالس تقوم بترشيح ممثلي المدن فيها في وزارات الحكومة، التي فرضت القبليّة أصلا توزيعها على أساس المحاصصة.

لا شك أن انتشار القبليّة، وبالذات في هذه الفترة الإنتقالية المفتوحة، التي استحوذت فيها القبائل على السلاح وعسكرت أبناءها، قد صبغت المرحلة بمزيد من الإنقسامات وفرض سياسية المغالبة، فأقحمت نفسها في مجال السياسة الذي تتقاطع فيه عدة عوامل متداخلة ومتشابكة، محليّة وعربيّة وأفريقيّة وإقليميّة وعالميّة، والذي لا يستقيم معه التعامل بأدوات تقليديّة قاصرة غير متكافئة.

البقية في الجزء التالي بدءً بـ “غياب النخبة

***

د. فوزية بريون ـ شاعرة وأديبة وناقدة ليبية. كانت لها عدة كتابات في عدد من الصحف اليومية في الستينيات، مثل جريدة طرابلس الغرب، والرائد، والبلاغ، والمرأة، وليبيا الحديثة، بالإضافة لكتبها عن مالك بن نبي، ولها أبحاث أكاديمية منشورة في دوريات محكمة.

_______________

المصدر: الفصول الأربعة ـ العدد 126 ـ صيف 2020