Minbar Libya

بقلم على عبداللطيف اللافي

رغم كُل خيباته، ورغم الهزائم المتتالية التي تكبدها في معارك الساحل الغربي (مارس–أبريل 2020)، ثم هزائمه المدوية في معارك محاور جنوب العاصمة طرابلس (أبريل 2019- مايو 2020)، ثم الهزائم القاسية في معقله الرئيسي “ترهونة” ومحيطها (مايو 2020)، وصولا إلى سرت ( مايو – سبتمبر 2020)،

فإن عناد الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” قد تطور خلال الأيام والأسابيع الماضية ولم ينخفض أبدا ورغم أن الرجل لم يجنِ أي شيء منذ هجومه على العاصمة في 4 أبريل 2019، والآن وقد تبين له ولمستشاريه ولحلفائه الإقليميين والدوليين، أنه لم يعد يكسب أي أوراق تُذكر ليفاوض بها وخاصة بعد اجباره على فتح حقول النفط، فان السؤال الرئيسي هو:

هل يفعلها “حفتر” ويعاكس طبيعته الشخصية ويغادر مسرح الأحداث أو حتى تراب ليبيا (ليعيش ربما في أجد المنافي الاختيارية سواء في العاصمة الأردنية أو في فنزويلا او يعود ربما لضواحي فرجينيا الامريكية)، وماهي فرضيات خروجه وبقائه في المشهد؟

المشهد الليبي ومتطلبات الحوار وطبيعة شخصية “حفتر”

على عكس ما يعتقد بعض الراصدين للظواهر السياسية في العالم العربي فان ليس هناك أي قراءة موضوعية تقوم على تكديس المعطيات في اتجاه واحد، وهذا ما ينطبق على الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر”.

فرغم أخطائه الكارثية في حق ليبيا والليبيين منذ احتدام الأزمة بين فرقاء الصراع في منتصف 2014 (أساسا جرائم القتل والاعتداء على الأملاك على غرار الهجوم على الكلية العسكرية في طرابلس)، فان الرجل قد استطاع تحقيق مكاسب على الأرض لا يستطيع أي كان تحقيقها – وان كانت قليلة عدديا- على غرار قضائه النهائي على مشروع الفيدراليين في الشرق الليبي.

كما استطاع توحيد المنطقة الشرقية على قلب رجل واحد رغم كل ما يمكن ان يقال حول هذه الجزئية من حيث الحيثيات والتفاصيل، ومضاف الى ما سبق مساهمته ولو غير المباشرة في القضاء على جزء من التيارات الإرهابية ( هنا الامر يختلف من حيث التفصيل، فهو لا يزال نصيرا لعدد من التيارات المتطرفة والمدخلية، كما أنه سهل عمليا وصول جحافل الإرهابيين الى سرت سنة 2015 وساروا مئات الكيلومترات تحت أنظاره بغض النظر عل أن ذلك كان مباشرا من حيث التخطيط والتنفيذ أو بناء على تحالف موضوعي يختلط فيه الداخلي والخارجي)…

عندما سيكتب المؤرخون عن حفتر وتاريخه وتشابك علاقاته مع المصريين والامريكيين والخليجيين والعراقيين والأردنيين، وعن مسيرته المتقلبة والمثيرة، فإن الامر يتطلب كتبا عديدة ودراسات بحثية عدة وايراد اسرار عديدة ومعطيات معقدة الخيوط والتشابكات.

وذلك بدءا من دخوله الكلية العسكرية في بداية الستينات وصولا الى خطواته التكتيكية عشية ثورة 17 فبراير في “بني وليد” و”أوباري” مرورا بتقلباته الدراماتيكية في حقبة القذافي التي امتدت 42 سنة كان فيه قريبا من القذافي وقائدا لجيشه ومعارضا له وعلى تواصل معه ومُنقلبا عليه تخطيطا وتنفيذا، ثم مادا له من معطيات عن رفاقه المعارضين بوساطات وآليات غير مباشرة.

ولكن حفتر يرى نفسه عكس ذلك تماما، والسبب الحقيقي أنه مهووس بالسيطرة على كل ليبيا وحكمها وكما يقول بعض مقربين سابقين منه: أنه لا يستطيع أن يتنفس إلا وسط الحروب والمعارك، فكيف يمكن عمليا أن يفكر في الانسحاب؟…

بغض النظر عن حيثيات وتفاصيل ابداء رئيس المجلس الرئاسي الحالي “فائز السراج” للانسحاب في افق نهاية الحوارات المرتقبة في المغرب وسويسرا وعواصم أخرى، إلا أن الثابت أن الرجل “فتح الطريق إلى الوطن بمساحة واسعة من التنازل”، رغم أنه كان في وقت سابق يؤكد لمقربين منه أنه لن يسلم المهام إلا لسلطة تنفيذية جديدة، الا أنه منذ أيام وكما هو معلوم قد حدد موعدا قريبا لذلك وربطه بالوصول الى نتائج ملموسة للحوار بين الفرقاء.

ولكن هل حفتر يمكن ان يفكر بنفس آليات تفكير السراج، وهل يفعلها وينسحب من حيث المبدأ القائم منذ أشهر وهو انسحاب الشخصيات الجدلية مع أن الوقائع أثبتت أن “حفتر” أكثر جدلية من السراج شعبيا وفي رؤية الأطراف الإقليمية والدولية.

الثابت أن “حفتر” لن يُبادر البتة بمطالبة لجنة الحوار باختيار قائد للجيش غيره، أي أن يفعل ذلك قبل نهاية أكتوبر، ورغم أن “حفتر” قد درس في الكلية العسكرية في العهد الملكي أن “الوطن أكبر من الجميع، وأعظم من الجميع”، إلا أن طباع الرجل وتاريخ فعله السياسي والاجتماعي والعسكري لا يمكن ان تجسد ذلك في شكل تنازلات.

ذلك أن “حفتر” هو مشروع إقليمي كارثي وليس شخصا نرجسيا فقط وهو وفقا للمقربين منه مُتعنت شديد التعنت ولا يرى من كل العالم إلا نفسه وهو لا يأمن حتى ظله، والسؤال هنا: هل فعلا ان الوقائع والمعطيات الجديدة ستدفعه لتقديم التنازلات مثلما فعل السراج ومثلما قدمها هو بنفسه في الأسر سنة 1987 عندما قرر يومها الالتحاق بالمعارضة الليبية لنظام القذافي فالتمس الطلب من الرئيس التشادي يومها “حسين حبري”.

ولعل من المهم طرح سؤال افتراضي وتاريخي وهو، ماذا كان حفتر سيفعل برفاقه السياسيين والعسكريين لو نجح انقلاب و”رفلة” في أكتوبر 1993؟، وهل كان فعلا سيصفي بعضهم بمجرد نجاح الانقلاب أو حتى قبل وصول قيادات جبهة الإنقاذ للعاصمة أو ربما للأمتار الأولى من التراب الليبي؟

يُغيّب البعض العديد من الأسئلة حول “حفتر” وتاريخه وعلاقاته المتشعبة والغامضة في ليبيا وخارجها على غرار أسباب مغادرته لجبهة الإنقاذ بقيادة “محمد يوسف المقريف”؟

ولماذا استقال “محمد البوصير” من موقع الاستشارة له في 2016؟

ولماذا استقال العسكري حجازي وآخرين؟

ولماذا انقلب حفتر على بعض زعامات وقيادات وقبائل أيدته في حربه على رفاق فبراير؟

ولماذا لم يستطع أن يبرم تحالفا تفصيليا مع رجال سبتمبر رغم مناصرتهم له في الأشهر الأولى بعد اطلاق عملية الكرامة وعند هجومه على العاصمة في أبريل2019؟

ولماذا بقيت علاقاته مع “عقيلة صالح” رغم كل الخدمات التي قدمها له، ولماذا بقيت أوتار تلك العلاقة تعدل مصريا واماراتيا وروسيا وليس في الداخل الليبي؟

هل يستوعب العقل السياسي لـ”حفتر” أو لمستشاريه الرئيسيين، أن هناك ثمانية آلاف شاب ليبي ماتوا في حرب غير واجبة، وهي الحرب الطائشة والمجنونة، وهي حرب لا أمل لحفتر الانتصار فيها لأنها حرب عدمية ووظيفية من أجل أطراف غير ليبية ومن أجل طموحاته النرجسية.

وهل يستوعب عقله السياسي أن أبرز المقربين منه على غرار “الناظوري” قد فقدوا ابناءهم واقاربهم من أجل هذه الحرب؟ ومتى ستقف ومن أجل أي شيء تخاض؟

ومعلوم أن هناك أكثر من عشرة آلاف جريح وربع مليون نازح ليبي، وأن أكثر من خمسة عشرة ألف وحدة سكنية هدمت بل واستوت مع الأرض، وهل يعلم حفتر انه في صورة عدم انسحابه يعني ضرورة وفي وقت قريب فتح ملفات لن تكون مقفلة، وأخرى لن تكون برسم الإغلاق، وجرائم لا تسقط أبدا بالسياسة؟

هل سأل حفتر نفسه، وهو العسكري الذي تدرب في الستينات وقام بدورات تكوينية في السبعينات في روسيا وشرق أوروبا، ماذا لو أن الأموال التي أنفقت في الحرب على طرابلس قد صرفت على إعادة إعمار بنغازي؟

وهل نسي أنه كان يقول يوما لرفاقه في جبهة الإنقاذ المعارضة لنظام القذافي في بداية التسعينات “ماذا لو صرف القذافي الأموال في ليبيا وليس في خارجها؟

المؤكد أن “حفتر” يعرف جيّدا أنه لا يفكر أبدا في بناء بلد ديمقراطي، أي بلد يحترم فيه الجميع نتائج الصندوق، ومدة الولاية، وان التداول السلمي ليس فقط أن تأتي بالانتخابات، بل تنصرف بها أيضا، ولا يختلف نزيهان أن “خليفة بلقاسم حفتر” شخص انقلابي سياسيا وعسكريا، وبالتالي هو ليس ضمن المؤمنين أبدا بـ”بناء مؤسسة عسكرية على عقيدة الدفاع عن الوطن، وحماية الدستور، والقيادات تبنى للجيش، لا أن يختلق الجيش للقيادات…”.

بل أنه يريد جيشا يتحكم به في رقاب الليبيين ليحكمهم بمجلس أعلى عسكري فوق كل السلطات، وهو على عكس السراج الذي حاول أن يكون جزء من الحل في غير مرة، لم يحاول “حفتر” أبدا ألا يكون جزء من المشكلة، بل أن ذلك لم يحدث ولو لمرة واحدة؟

ولكن ما فعله حفتر في الجنوب الليبي ثم لاحقا عبر هجومه على العاصمة قد هدم كل أمل في أي حل يكون هو شريك فيه أو ضمنه، وتعقد الأمر خاصة بعد رفضه إمضاء اتفاق موسكو في 12 يناير الماضي.

رغم قناعة أغلب الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين بأن حفتر خسر كل الرهانات، فانه عمليا لا يزال مشكلة وجوهر معادلة الحوارات القادمة، فهو عنيد ونرجسي وجدلي واشكالي.

ولعل إصراره على دخول العاصمة في أكثر من خمس مناسبات سنة 2019 (6 ابريل، 21 ابريل- 20مايو- 18 يونيو- 10 أغسطس)، ولعبه قبل وبعد تلك المواعيد على وتيرة طبيعة الإدارة الامريكية الحالية والحليفة لحلفائه الإقليميين، وركوبه أخيرا وبعيدا عن الأضواء لموجة الاتفاق الاماراتي – الإسرائيلي أي عبر الاستقواء بالإماراتيين، فان أي حل فيه الرجل سترفضه أطراف عدة وخاصة في المنطقة الغربية وعندئذ ستقع العودة الى النقطة صفر.

قد يعمد حفتر للمغامرة مجددا عبر خلط الأوراق، ولعل حكاية التحشيدات المستمرة في “الجفرة” و”سرت” والعودة لجلب المرتزقة السودانيين والتشاديين، ثم ملابسات وتكتيك ما سمي بالاتفاق بين “معيتيق” وأحد المقربين من رجاله المقربين (ومن ورائه نجل خليفة حفتر أي “خالد حفتر”)، هي محاولات أخيرة منه للصمود في الساحة، أي البحث ان يكون موجودا كــ”اسم” في المفاوضات أي عمليا عند نقاش هوية وأسماء من سيتولون المناصب السيادية السبع وهو ما قد يفجر الحوارات عندئذ .

ثبت لكل المتابعين وجود خلافات نظر بين الروس و”حفتر”، وخاصة بعد تأكيدهم في أكثر من مناسبة سواء تلميحا أو تصريحا أنهم أقرب لرجال العقيد الإداريين ولـ”سيف القذافي” أكثر منهم لحفتر، ومن ذلك رواج مقولتهم “نُلاعب حفتر ولكنه ليس لاعبنا…”، وعمليا راجت مُعطيات ومعلومات منذ أسابيع مفادها تأكيد الروس لحفتر انه “ليس رقم في المعادلة القادمة، وان عليه أن يُرتب اقامته في الخارج بطريقته التي يرغب فيها…”.

بينت التطورات الأخيرة على غرار استقالة حكومة “الثني” غير المعترف بها دوليا ومبادرات “حفتر” و”عقيلة” و”السيسي” المترنحة ولقاءاته الأخيرة والمتعددة في القاهرة والأردن والامارات، مضاف الى ذلك قيادة وتفرغ “فرج أبو غالية” للأمور الأمنية والعسكرية، واللقاءات المتكررة التي يعقدها مدير مكتبه أي “عون الفرجاني” في الداخل الليبي (أي الشرق) وفي الخارج.

يبدو أن هناك ترتيبات لسيناريوهات عدة وهو ما وضحتها زياراته الأخيرة لأكثر من عاصمة بعد بدء حوارات جنيف والقاهرة وزنيقة المغربية، كما وضحتها طرق تصدي قواته والموالين له للاحتجاجات الاجتماعية في طبرق وبنغازي وحتى في الرجمة .

سيبقى مصير حفتر العسكري والسياسي غامضا حتى الإعلان عن نتائج لجان الحوار في القاهرة والرباط وجنيف وبرلين وتونس، وستكون ردود افعاله غير منتظرة وقد تكون نهايته ليست ببعيدة عن نهاية كل من “فرح عيديد” في الصومال او “جون قرنق” في جنوب السودان او “عبدالرشيد دستم” في أفغانستان، أو ربما هو يرغب في نهاية أخرى.

والثابت أن حفتر لن ينحسب لا تلقائيا ولا بسهولة او بأي طريقة مرتقبة للبعض من المتابعين، وسيكون ذلك لو تم قد تم الترتيب له في فنزويلا أو في العاصمة الأردنية الا إنه سيبقى حبرا على ورق أو افتراضيا حتى يتم اللجوء لهذا الخيار او ذاك في طرق وآلية الانسحاب والجهة الضاغطة او الدافعة اليه.

من المهم التأكيد أن أطرافا دولية واقليمية قد انتبهت لأهمية شخص مثل “حفتر” في أداء أدوار وظيفية ومرحلية سواء في عقدي الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي أو قبل وبعد الازمة الليبية الحالية المحتدمة منذ منتصف 2014، ولكنها أيضا نفس الأطراف أو بعضها على الأقل التي ترى فيه اليوم، عائقا موضوعيا لتنزيل سياساتها المرحلية.

وبالتالي فان عملية ابعاده عن مسرح الاحداث قد تتم بأشكال شتى سواء كنتاج لفعله وتحركاته ومواقفه كفاعل أو بناء على ضغوط تمارس على حلفائه أو وفقا لمنطق العزل غير المباشر في الداخل الليبي، أو تسهيل انتقاله للمنفى الاختياري أو ربما دفعه للقبول بدور ثانوي وترتيبي في المرحلة الانتقالية بما لا يثير الأطراف التي لا تستسيغ وجوده في المشهد المقبل الي المرحلة الانتقالية الرابعة.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

____________

المغاربي للدراسات والتحاليل