Minbar Libya

بقلم فوزية بريون

من المؤسف أنه وبعد قرابة عقد من الزمان على انتفاضة فبراير نجد أن بلادنا قد صارت على شفا الإنهيار الكلي، بعد سلسلة من الإنهيارات الجزئية على الصعيد السياسي والإقتصادي والإداري والإجتماعي، بل والإخلاقي، أدت تداعياتها المعقدة إلى هذا التحارب والإشتجار بين جناحي الوطن.

الجزء الرابع

رابعا: غياب النخبة

تمتلئ المجتمعات بأنواع من النّخب مختلفة، فهناك النّخبة السياسية، والإجتماعية والعلمية والإقتصادية، أو نّخبة رجال الأعمال، كما تسمى، وهناك أيضا النّخب الفنّية والرياضية، وغيرها كثير في هذا العالم الذي تنكمش فيه الجغرافيا وتزدحم فيه الفضاءات.

لكن النّخبة التي تهمّنا في هذا السياق هي نخبة المثقفين والمهتمين بالشأن العام، تلك التي تكتسب نخبويتها من فعلها وفعاليتها، ومن القضايا التي تطرحها والمبادئ التي تنطلق منها والقيم التي تجسدها.

ويشترط في هذه النخبة جانبان: أحدهما نظري، والآخر عملي:

أما الأول فيتمثل في مستوى من الثقافة والمعرفة، والإلمام ببعض المفاتيح العامة لعدد من المعارف التي لا يكون المثقف مثقفا إلا بتحصيلها، بالإضافة إلى التمكّن من فرع معيّن من العلوم، أو أكثر.

أما الجانب العملي فيمثل درجة من التفاعل مع الأحداث الدائرة في بيئته، والإلمام بما يجري في المحيط المحلي والعربي والإسلامي، بل والعالمي.

وأن يكون له مبدأ وموقف من القضايا يعبّر عن حيثياته شفويا أو كتابيا، مدفوعا بدرجة من الفاعلية والشعور بالمسؤولية والإلتزام، وأن يكون نشاطه منبثقا من إيمانه بأن القيام بالواجب يسبق المطالبة بالحقوق، بل وتجاوزها.

وإذا نظرنا إلى النّخبة الليبية في ظل الظروف العويصة والمتشابكة التي أوجدها الوضع السياسي، الذي ألمحنا إلى بعض ظواهره آنفا، نجد أنها كانت تحت مجهر مراقبة رأس النظام نفسه، الذي تفنّن في حصر وتصنيف ومتابعة كل من فكّر، أو لم يفكّر، في الإنتماء . . للتيارات الفكرية والسياسية التي كانت منتشرة بين صفوف الشباب في عقد الستينيات.

وما “ندوة الفكر الثوري” التي عقدت بطرابلس في مايو 1970، إلا إداة مبكرة لرصد أكبر مجموعة ممكنة من المثقفين والكتّاب والأساتذة الجامعيين، وكل من هو مهتم بالشأن العام. حيث كانت عصبة صغار الملازمين من “الحكام الجدد” تصطف فوق المسرح، لثلاثة أيام متتالية، تلقي بتساؤلاتها وأطروحاتها، مستدرجة كل من تدفعه طيبته وعفويته وحماسه إلى إلقاء بحث أو ارتجال مداخلة أو توجه سؤال.

كانت الندوة تُبثّ على القناة الليبية اليتيمة آنذاك، وكان قلم الرقيب ورجال المخابرات يسجلون ملاحظاتهم، ويوزّعون على خرائط التصنيف الحزبي والأيديولوجي كل متكلم. وكان من نتيجة هذه الندوة أن ألقي القبض على العشرات ممن حضرها وتحدث فيها، فامتلأت بعدها السجون بمئات المثقفين الذين اعتقلوا، ووجهت إليهم مختلف التهم التي نسبت إليهم، مثل الإنتماء الحزبي، ومعاداة الثورة، ومحاربة المد القومي .. وغيره.

وبهذا تمّت “التصفية” المعنوية للنّخب الليبية في وقت مبكر جدا، ليتّعظ من بقى خارج القضبان، فلا يتهوّر في قول أو فعل أو اعتقاد. ثم ما لبثت أن أُممت الصحافة، فأُغمدت الأقلام الشريفة وانسدّت آفاق الحراك الثقافي والإجتماعي، حتى إذا شق “الإتحاد العام لطلاب ليبيا” عصا الطاعة وخرج عن طوق الطغاة، تشكّلت أحداث السابع من أبريل، وواجهت فئة الطلاب هجمة النظام الشرسة، فعُلّق بعضهم فوق أعواد المشانق، في الميادين العامة وساحات الجامعة، بل وخلال شهر رمضان الحرام، حتى صار السابع من أبريل عيدا دمويا، يدّق فيه الطاغية طبول حربه النفسية والجسدية في أرجاء البلاد، متلذذا بساديته.

هذه الأحداث وغيرها أجهضت كيان النخب الليبية، خاصة وقد تزامن معها تجفيف مصادر العلم والثقافة والإبداع، وآتت “الثورة الثقافية” أكلها، فتوارى المخلصون وتركوا الساحة لأدعياء الثقافة ومزوري الكلمة، وروّاد المثابات الثورية والمركز العالمي للكتاب الأخضر.

وبقيت قلة قليلة تسير على حدّ السيف، ولم ينجو من طوفان العفن إلا من رحم الله …ثم لم تلبث أن خرجت بعد ذلك نخب أخرى، صُنعت على عين المستبد وبإشرافه، فانخرطت في جوقة السلطان تفيده وتستفيد منه، تدخل تحت عباءته وتتبنى شعاراته ونظرياته، بل وتسخّر أقلامها وجهدها لتمجيده وتكريس ممارساته، حتى أصبحت جزءاً منه وصار دفاعها عنه دفاعا عن نفسها، ووجودها وامتيازاتها.

وإلى جانب هذه النّخب المقيمة وُجدت نخب أخرى مهاجرة أُجبرت على البقاء خارج الوطن، منذ أن صارت العودة إليه من باب رمي النفس إلى التهلكة. ومثل كثير غيرهم من المثقفين العرب، وجد هؤلاء أنفسهم يتمتعون بكرامتهم الإنسانية، وحريّتهم الشخصية والدينية، وتساويهم قانونيا في الحقوق والواجبات مع سكان البلد الأصليين، الأمر الذي لم يكن ممكنا في عالم العرب والمسلمين.

هنا تكرّر لهؤلاء ما حدث لهم داخل الوطن، ولكن بشكل آخر، فقد طغى السياسي في حياتهم على الثقافي، وتأجلت المشاريع الفكرية والأكاديمية، وتخلّت الطموحات العلمية عن أولوياتها عند الكثيرين، إذ أصبحت غير ملائمة لتلك المرحلة، التي كانت تستدعي تحويل الممارسة الثقافية ـ التي بدت وكأنها نوع من التّرف ـ لحساب الهمّ السياسي ..

لكن الفعاليّة السياسيّة، البديلة للثقافيّة والمتداخلة معها، ظلت بالنسبة للنّخب المهاجرة محكومة بغياب التجربة التنظيمية في الوطن الأم، ومحكومة أيضا بضخامة الأنا المتوارثة، بما تحمله من نزعة التحكّم والوصاية ورفض الإختلاف.

ومع العجز عن حلّ التناقضات، وعن معالجة عيوب جوهرية في الفكر والممارسة، ساد بين هؤلاء التفاؤل الساذج بالعودة “القريبة” للوطن، في رومانسية حالما أعطت لبعض هؤلاء المثقفين رضاء معنويا، لعله كان مجرد علامة على السذاجة السياسية، فلقد ازداد النظام تجبرا عن السنين، بينما طالت الغربة، وكلّت الجهود، وبعدت الشّقّة، وتسلل للنفوس كثير من اليأس.

وعليه أخذ دور هذه النّخب المهاجرة في التقلّص والإنحسار، من العام إلى الخاص، ومن العمل الحثيث من أجل التأثير في واقع الوطن البعيد، إلى العمل المضني من أجل عدم التأثر بالواقع المعيشي. أو بعبارة أخرى محاولة الاستفادة من إيجابيات هذا الأخير والتحصّن ضد سلبياته، ولذلك حدث تحوّل من شجب الأوضاع التي آل إليها الوطن مع تركه والعيش بعيدا عنه، إلى الاستماتة في محاولة ربط جيل الأبناء الذين نشأوا في المنفى بذلك الوطن الذي لم يعرفوه!.

تلتقي النّخب المقيمة والمهاجرة في خطوط قليلة، وتتقاطع في أخرى كثيرة. إذ قد تميز المثقف المقيم بأنه موجود في قلب الأحداث، وهو ما يمنحه ـ نظريا على الأقل ـ فرصة للتفاعل والفعل والتأثير.

لكنّ هذه الفرصة قلّما تصمد أمام المعاناة اليومية التي تسبّبها قبضة الإستبداد ، وهو ما يحول بين هذا المثقف وبين مجرّد التفكير على الرؤية من خارج الدائرة المحكمة التي يرسمها النظام السياسي، وذلك بحصاره ومنعه حتى من المشاركة في النقاشات الفكرية والسياسية التي ظلت تملأ الإعلام الفضائي في التسعينيات، وهي سجالات ظلت مؤرّقة للمستبد.

هذا بالإضافة إلى خنق أي محاولة لإنشاء أنشطة جماعية من شأنها التأسيس للمجتمع المدني الذي استُبدل بالقبيلة مبكّراً. ويتميّز المثقف المهاجر بقدرته على رؤية القضايا خارج حدودها الضيقة، فهو يقرأ بحرية ويرصد ويحلّل، يتبنّى رأيا ثم يعدّله أو يعدِل عنه، حسب المعطيات الفكرية والواقعية .. وهو متنوّع المصادر الثقافية وأكثر حرية في التعبير واتخاذ المواقف.

لكن ذلك كله لن يتم فوق أرضية مغيارة، وفي ميدان غير الميدان الذي تتشكل فيه القضايا وتدور فيه المعارك الحقيقية، ولذلك ظلّ هذا المثقف محدود التأثير في مجتمعه الأصلي البعيد ومقتلع الجذور من تربته الحقيقية.

المثقفون “العضويون” الأكثر تأثيرا ـ ربما ـ هم القلة الذين مكنتهم ظروف خاصة وقدرة عالية، وربما مظلاّت سياسية أو قبلية، من أن يكونوا داخل الوطن وخارجه متى أرادوا. ينظرون إلى المشاكل الداخلية في ضوء المعطيات الخارجية، ويستوعبون التحوّلات الكونية من منطلقات وطنية وقومية. وهم على قلّتهم وعلى ما يتميزون به من مرونة وحركة وقدرة على الإتصال، لا شكّ كانوا مؤهلين لتكوين حلقة وصل بين مثقفي الداخل والخارج في فترة ما، وهي الحلقة التي طالما احتاجت إلى تأسيس وتوسيع.

لكن هذه النّخب للأسف لم تنتبه يوماً إلى قيمة شبكة العلاقات الثقافية والإجتماعية التي يحتاجها أي مشروع فكري أو برنامج نهضوي يستهدف إحداث تغيير. وهكذا تظهر الخطوط العريضة لمأزق النّخب الليبية وفشلها في تكوين تيار قائم على التراكم والفعالية والمقاومة.

ويتبيّن رضوخها لواقعها الضاغط في داخل البلاد وخارجها. ولذلك كله لم تجد انتفاضة فبراير النّخبة القوية والمؤهلة التي تصطف لتقود الشباب الحائر المتحمس، المفتقد للرؤية، والمفتقر لأدوات التفكير النقدي والتمحيص الفكري. ولذلك ظلت ساحتنا السياسية فاقدة للشخصية الكارزماتية التي قد تنتظم حولها الرؤى، ويستقيم بها النظر والتقييم والعمل المنهجي الواضح.

وللأسف .. فإن أغلب النّخب المقيمة قد ضمرت أدواتها، وشاخت أفكارها، ومضغتها أضراص الحياة القاسية التي شحذها الإستبداد. وكثير منهم يشعرون فعلا أن القطار قد فاتهم وأن لا شئ يعوضهم شبابهم الذي داسته أحذية العسكر. قلة منهم استعادت عنفوانها وسنت أقلامها ولكنها عمليا لا تستطيع أن تكون في الميدان، تتصل بالشباب وتتواصل مع الناس وتستنهض الهمم. ذلك أنه تنقصهم صفات القيادة الإجتماعية، والمبادرات المتجددة والحماس الفكري.

طبقة أخرى جديدة من الشباب ما زالت في طور التكوين، بعد أن نجحت أسرهم في العمل على ألا يجرف أبناءها تيار التجهيل والتدجين والمسخ. والبعض الآخر ممن هو في منتصف العمل يتصدر الآن مواقع ثقافية وأكاديمية وحقوقية وإعلامية هامة، لكن ما زالت تنقصه الإيجابية ومقومات القيادة والقدرة على التخطيط والإنجاز. وليس غريبا أن تجد كثيرا من هؤلاء مكبلا بالأفكار القبلية التى تحصره في حدودها الضيقة.

النخب المهاجرة عادت إلى واقع مغاير لم تعاصر تحولاته إلا نظريا وسماعا، ولذلك تحوّل حلمها في العودة إلى الوطن والعيش فيه وخدمته فيما تبقى من العمر، إلى ما يشبه الكابوس .. فالإنحدار الذي حدث في السلوك ومظاهر الحياة المختلفة في ليبيا كان صادما، وكذلك كان رد فعل المجتمع الذي لم يستطع أن ينتصر على جلاده فيمحي من وجدانه تلك العبارة الآثمة التي نحتها الطاغية ليصف بها الأحرار مما جاهروا بمعارضته ومقارعته، إلا وهي عبارة “الكلاب الضالة”، وإن كان الناس قد هذبوها قليلا لتصير “دبل شفرة”، في إشارة إلى الجنسية المزدوجة التي يحملها معظم أولئك.

أنكر الكثيرون على النخبة المهاجرة أن تعود لتنخرط في خدمة بلادها، بل وتم رفضهم قولا، وفعلا أحيانا! وحوربوا في كثير من المواقع، ومورس ضدهم التشكيك والتهميش .. وفي هذا السياق لربما أُخذ هؤلاء بجريرة القلّة ممن لهث منهم وراء المناصب وحصل عليها، وعمل على المنافسة من أجل السلطة حتى تقلّدها، وربما ارتكب تجاوزات قانونية، على المدّعين تقديم البيّنة عليها.

لكن في هذا الزمن المشوّش والظرف الإستثنائي وسيادة العناصر السلبية في ممارستنا الثقافية والإجتماعية، أصبح من الثابت أن النّخبة أو الصفوة، المقيمة والمهاجرة على السواء، إنما يعكسون الثقافة التي نشأوا عليها، والأفكار التي أسهم الإستبداد والقبليّة وضياع الهوية وضبابية المستقبل في صياغتها، والتي لم يفلح العيش في الغرب الديمقراطي المتحضّر في محوها. وهو ما يثبت أن أصل أزمتنا في هذا المنعطف الخطير من تاريخنا، إنما هي ثقافية بالدرجة الأولى، وأنها متصلة بالجهاز المفاهيمي، والتركيبة الذهنية، وبالأخلاق والقيم والممارسات اليومية.

لذلك .. فإن أي مشروع نهضوي تنموي للدولة المدنية التي نتطلع إلى تأسيسها فوق أرض الوطن لن تتحقّق دون تغيير وتجديد وإعادة صيانة البنى التحتية في المجتمع .. تلك البنى التي تتشابك عروقها وينتسج نسيجها بخيوط موروثاتنا الثقافية، والتي نحتاج فيها إلى خطط مدروسة لإصلاح التعليم، ونشر التوعية، وفتح نوافذ العلم والمعرفة والإبتكار، مع الإهتمام بإعادة صياغة الشخصية الوطنية، في إطار مرجعية دينية وحضارية منفتحة على العلم والتقنية، وعلى الرقيّ الخُلقي والسمو الروحي.

وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

***

د. فوزية بريون ـ شاعرة وأديبة وناقدة ليبية. كانت لها عدة كتابات في عدد من الصحف اليومية في الستينيات، مثل جريدة طرابلس الغرب، والرائد، والبلاغ، والمرأة، وليبيا الحديثة، بالإضافة لكتبها عن مالك بن نبي، ولها أبحاث أكاديمية منشورة في دوريات محكمة.

_______________

المصدر: الفصول الأربعة ـ العدد 126 ـ صيف 2020