Minbar Libya

بقلم محمد رفعت

لوهلة من الزمن استطاعت الإمارات أن تنال إعجاب العالم أجمع باعتبارها الدولة الخليجية الأنجح في التحول لاقتصاد متنوع غير قائم على الموارد النفطية، تحديدا في العقد الأخير لحياة الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان المتوفي في عام 2004،

لكن مع وصول نجله الأكبر خليفة للحكم ثم مرضه المفاجئ وتولي ولي العهد محمد بن زايد زمام الأمور بدى أن تلك الصورة الوردية الحالمة قد تبددت وظهر للجميع واقع مختلف، فلم نعلم إن كان قناع قد سقط أم أن محمد بن زايد استطاع أن يغير وجه الدولة.

على نهج الامبرياليات في القرون الوسطى سارت إمارات محمد بن زايد في العقد الأخير في سعيها لنهب الموارد الاقتصادية ومقدرات شعوب الدول الأفريقية وسرقة ثرواتهم.

ففي تحقيق استغرق إعداده 15 شهراً نشرت وكالة رويترز تقريراً مفصلًا عن تحول الدولة الخليجية لأكبر مستورد غير شرعي للذهب من القارة السمراء، وقدر التقرير حجم عمليات التهريب بمليارات الدولارات سنويا حيث يمثل الذهب المتداول في دبي نحو خُمس الناتج المحلي لدولة الإمارات.

استند التحقيق في تقييمه لحجم عمليات التهريب على مقارنة إجمالي الواردات للإمارات مع الصادرات التي أعلنتها الدول الإفريقية، حيث أظهرت بيانات هيئة الجمارك الإماراتية استيراد 446 طناً من الذهب بدرجات نقاء متباينة وبقيمة 15.1 مليار دولار من 46 دولة إفريقية تمثل نحو 50% من إجمالي واردات الذهب للإمارات.

غير أن بيانات كومتريد “قاعدة بيانات إحصاءات التجارة الدولية للأمم المتحدة”، شهدت تبايناً واضحاً حيث لم تزود 25 دولة من تلك الدول الإفريقية الأمم المتحدة ببياناتها من صادرات الذهب للإمارات، فيما شهدت معظم الدول الـ21 الأخرى تسجيل بيانات صادرات أقل بكثير مما سجلته واردات أبو ظبي وهو ما يعني أن تلك الكميات تم تهريبها للدولة الخليجية.

ضمت قائمة الدول الأكثر تضرراً كل من غانا وبوركينا فاسو، ففيما اكتفى الرئيس الغاني نانا أكوفو في مؤتمر التعدين ببلاده بالتعريض بدولة الإمارات حين تحدث عن عمليات واسعة النطاق لتهريب الذهب تديرها عصابات تخضع لجهات خارجية لم يسمها، صرح وزير المناجم البوركيني عمر إداني أومارو لوكالة رويترز دون التواء بأن الذهب المنتج في بلاده يقدر بـ 9.5 طن سنوياً يهرب أغلبه للإمارات ولا يصل للسلطات الحكومية منه سوى ما بين 200-400 كيلو لا أكثر.

ذهب مخضب بالدماء

أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية فكان الأمر أشد وطأة حيث كشف تقرير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي عن عمليات تهريب ممنهجة تستنزف اقتصاد الدولة الإفريقية التي تعاني منذ عقود من حروب قبلية في شرق البلاد خلفت مئات القتلى وعشرات الآلاف من المشردين.

تحدث التقرير الأممي أنه في غضون عام 2019 فقط تم تهريب 1100 كيلوغرام من الذهب فقط من مقاطعة إيتوري شرقي الكونغو انتهى السواد الأعظم منه في أسواق دبي فيما ذهبت أمواله للقبائل المتحاربة والتي يستعبد بعضها الأطفال والنساء للعمل القسري في المناجم.

سرقة الذهب السوداني

الدول العربية في القارة السمراء لم تسلم أيضاً من سرقات أبو ظبي، حيث نجد على رأس البلدان المنهوبة السودان، الذي يعد ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا وصاحب ثاني أكبر احتياطي بالقارة بنحو 1550 طناً مؤكداً.

حيث كشف تقرير للغارديان البريطانية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حصول إمارة دبي على كميات كبيرة من الذهب السوداني عبر طرق غير شرعية تقودها شركة الجنيد المملوكة لعبدالرحيم دقلو شقيق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المشهور بـ”حميدتي” والذي تسيطر قواته على منجم جبل عامر في دارفور وثلاثة مناجم كبرى في جنوب كردفان، حصل عليها من نظام البشير كمكافأة على دوره في سحق التمرد في دارفور في القتال الذي أسفر عن مقتل 300 ألف سوداني وتشريد نحو مليونين.

باتباع نفس المقاربة التي انتهجتها رويترز في تقريرها، تحدث وزير الصناعة والتجارة السوداني السابق موسي كرامة عن تحديد كمية الذهب المهرب من السودان عبر مقارنة أرقام صادرات الذهب السودانية بسجلات واردات الجمارك الإماراتية.

فقد أعلنت الحكومة السودانية في 2015 أن إنتاج الدولة من الذهب وصل لنحو 70 طناً يتوجه منها 30% للاستهلاك المحلي، أظهرت السجلات الجمركية لمطار دبي فقط وصول 102 طن من الذهب السوداني عبر طيران الإمارات من مطار الخرطوم، وهو ما يؤكد تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة التي قدرت قيمة الذهب المهرب من السودان للإمارات خلال الفترة بين 2010-2014 ما قيمته 4.6 مليار دولار.

هذه الأرقام تضاعفت في الوقت الحالي إذ يؤكّد الخبير الاقتصادي والأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة النيلين الحكومية د.عبدالله الرمادي أنه فيما تدور الأرقام الرسمية حول 100 طن، يبلغ الإنتاج الفعلي للبلاد بحسب العديد من الجيولوجيين نحو 240 طناً مما يعني تهريب 140 طناً للخارج، بقيمة اجمالية للإنتاج الفعلي تتخطي الـ 8 مليارات دولار وهو مبلغ كفيل بانتشال البلاد من أزمتها النقدية الناتجة عن شح السيولة الدولارية، كما أنه قادر على علاج عجز الموازنة والتي قدرها وزير المالية السوداني السابق إبراهيم البدوي بـ 5 مليارات دولار سنوياً.

الذهب الليبي

عربياً أيضاً لم تسلم ليبيا من عمليات الاستنزاف تلك، حيث تشير إحصائيات وزارة التخطيط في حكومة الوفاق الوطني إلى أنه في عام 2011 جرى تهريب ما بين 50 و55 طناً من الذهب إلى الإمارات، أي ما قيمته 3 مليارات دولار.

الذهب المغربي

كشف تقرير رويترز أن النصيب الأكبر من حصة التهريب من الذهب الإفريقي تتم عبر مجموعة كالوتي الإماراتية للمجوهرات التي تملك نحو 50% من سوق تكرير الذهب في دبي، وهي ذات الشركة المدانة في القضية الشهيرة التي قُدمت للقضاء البريطاني في عام 2017 وعُرفت باسم الذهب المغربي.

حين أقدمت الشركة الإماراتية على طلب مراجعة وتدقيق لدى مؤسسة “إيرنست أند يونغ” بهدف مراجعة نظام التعقب الخاص بها لتتمكن من تجديد رخصتها في سوق دبي للسلع المتعددة، إلا أنه أثناء إحدى عمليات المراجعة اكتشف أحد مستشاري الشركة “أمجد ريحان” وجود خمسة أطنان من سبائك الذهب تم تصديرها من المغرب على أنها فضة وتم تسليمها للشركة كذهب.

كذلك شراء الشركة في 2012 لكميات من الذهب نقداً بمبلغ 5.2 مليار دولار خصصت لشراء 57 طناً من السودان -بينما الأرقام الرسمية لمجمل الإنتاج السوداني لهذا العام 46 طناً فقط- وكذلك خصصت حصة لشراء ذهب من المناجم التي يسيطر عليها المتمردون المسلحون في شرق الكونغو، وهو ما أثبته القضاء البريطاني في إبريل الماضي وحكم على مؤسسة “إيرنست أند يونغ” بتعويض قدره 11 مليون دولار بعد أن أجبرت ريحان على الاستقالة كي لا يفضح الأنشطة غير المشروعة للشركة الإماراتية.

جريمة الإمارات لم تقتصر على استنزاف الموارد الاقتصادية لتلك الدول الفقيرة وحرمانها من مورد اقتصادي هام، بل امتدت لتعريض حياة آلاف العمال في تلك المناجم للخطر سواء عبر إجبارهم على العمل قسراً من قبل الجماعات المسلحة أو تعريض صحتهم لمخاطر التعرض لمواد كيميائية سامة مثل الزئبق والسيانيد وحمض النيتريك والتي تستخدم على نطاق واسع في عمليات الاستخراج دون توفر شروط السلامة الصحية المطلوبة.

الأدهى من ذلك أن ذلك الذهب يأتي في الغالب من مناطق الصراعات في القارة كما هو الحال في دارفور وكردفان وشرق الكونغو وشمال وشرق بوركينا فاسو التي شهدت بين عامي 2015-2018 ما لا يقل عن 120 عملية إرهابية من قبل الجماعات المتمردة والتي نجحت في تمويل أنشطتها عبر عمليات تهريب الذهب، وهو ما أكده ويليام ليندر، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حين صرح بأن المتمردين العنيفين في إفريقيا نجحوا في تدعيم وتوسعة مناطق سيطرتهم وعززوا قدرتهم على توليد الدخل من خلال الذهب.

 إدانة دولية وصمت حكومات

في 25 يوليو/تموز الماضي أكد المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط ومقره جنيف أن السلطات السويسرية قامت بفتح تحقيق رسمي في عمليات تهريب ونهب ذهب مناطق الصراعات في إفريقيا وتهريبه لدولة الإمارات ومن ثم إعادة تصديره لدول أخرى قبل أن يصل وجهته النهائية في كبرى الأسواق العالمية.

حيث كشفت السلطات عن تصدير 149 طناً من الذهب في عام 2019 من دبي لدولة ليختنشتاين الصغيرة الواقعة في جبال الألب قبل أن تتم إعادة تصدير تلك الكمية للسوق السويسري.

وفي 11 أغسطس/آب الماضي كشفت وكالة رويترز عن قيام المجموعة الأمريكية المشغلة للبورصات “سي إم إي” بشطب مصفاة الاتحاد للذهب في دبي من قائمة المصافي التي يمكن استخدام سبائكها في تسوية عقود الذهب الآجلة في بورصة نيويورك، بسبب فضائح الإمارات المتعلقة بنهب الذهب وتهريبه من عدة دول.

أما في لندن فقد رفضت جمعية سوق لندن للسبائك اعتماد أي مصفاة من الإمارات للأسباب ذاتها.

تقرير وزارة الخارجية الأمريكية السنوي لعام 2020 والمتعلق بمراقبة غسيل الأموال تحدث عن عمليات غسيل أموال في الإمارات تتم بشكل ممنهج وبرعاية رسمية إذ إنه يتم عبر مصارف وشركات مالية وعقارية كبرى.

فيما أكد التقرير السنوي للجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي أن الإمارات تواصل صدارتها لعمليات التجارة غير المشروعة.

كذلك طرح النائب في البرلمان الفرنسي برونو فكس استجوابات عديدة عن دعم الإمارات للجماعات غير القانونية في منطقة السهل وسط أفريقيا لتقوم بشراء مئات أطنان الذهب المهرب بأسعار رخيصة، وأكد أن محمد بن زايد يسعى لإقامة ميليشيات عسكرية غير شرعية في الدول الإفريقية لنهب وسرقة مواردها النفطية ومناجم الذهب وهو ما قد يفسر الموقف الإماراتي في السودان وليبيا. إلا أن نداءات فكس لم تثمر عن أي رد فعل حقيقي من السلطات الفرنسية أو الأوروبية.

تغلغل أيادي حكام الإمارات في منابع الذهب الإفريقي لم يتوقف عند حاجز نهب ثروات الشعوب الفقيرة فحسب، بل امتد لإشعال الصراعات في البلدان الإفريقية الغنية بالمواد الأولية بخاصة الذهب عبر تزويد الفصائل المتقاتلة ليس فقط بثمن الذهب ولكن أيضاً بالسلاح.

وحيث إن الدولة ليست بين كبار المنتجين العسكريين وتعلم أن الدول الغربية تتبع سياسة منع إعادة بيع أسلحتها لمناطق الصراعات، فقد لجأت أبو ظبي لشراء الأسلحة من دول الكتلة الشرقية التي لا تعبأ كثيراً بقضايا حقوق الإنسان.

لكن الملفت للنظر كان ما كشف عنه موقع “ذا دبلومات” الأسترالي في 3 يونيو/حزيران 2015 أن الخارجية الأمريكية وجهت تحذيراً لسفير الإمارات يوسف العتيبة على إثر شراء أبو ظبي أسلحة من كوريا الشمالية بقيمة تتجاوز 100 مليون دولار عبر شركات خاصة لتجنب العقوبات الأمريكية والأممية تحديداً شركة “المطلق” للتكنولوجيا ومجموعة “الذهب” الدولية، وهي مستورد للأسلحة في دبي ويديرها فاضل سيف الكعبي الصديق المقرب لمحمد بن زايد.

زعم العتيبة أن الصفقة كانت في إطار تسوية لمنع بيونغ يانغ من بيع تكنولوجيا عسكرية متقدمة لإيران وسيتم استخدام تلك الأسلحة في حرب اليمن. إلا أن الصفقات بين الجانبين توالت في ظل صمت دولي، لكن الأغرب كان مرور تلك الأسلحة من أيدي المجلس الانتقالي الجنوبي ذراع الإمارات في اليمن لمناطق القرن الإفريقي حيث تفصل اليمن وجيبوتي 20 ميلاً فقط من المياه.

في مايو/أيار الماضي كشفت شبكة “سي إن إن” و”ميديا بارت” الفرنسية، عن عمليات تهريب ممنهجة ومنتظمة وبكميات ضخمة لأسلحة خفيفة ومتوسطة من مناطق سيطرة المجلس الانتقالي لمناطق النزاعات الغنية بالمواد الأولية الهامة وبخاصة الذهب في أنحاء القارة السمراء حتى تلك التي يسيطر عليها إسلاميون تصفهم الإمارات بالمتشددين كما هو الحال في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وهو ما قد يفسر الانخراط المتنامي للإمارات في الحرب اليمنية المستعرة منذ 6 سنوات بالرغم من تكلفتها الاقتصادية الضخمة، بل وحرصها على السيطرة على جزيرة سقطرى وميناء عدن.

لكنه يطرح عدة أسئلة عن أيديولوجية تلك الدولة التي تأكل على كل الموائد فتنتقد بيونغ يانغ وتشتري منها الأسلحة وتمول الحملة الفرنسية في مالي والنيجر لقتال الإسلاميين فيما تسهل لهم وصول الأسلحة.

والسؤال الأهم هو عن مبررات الصمت الغربي والأمريكي عن تلك الأنشطة المشبوهة لأبو ظبي هل هو تغاض لحفظ العلاقات أم أنها شراكة خفية لتقاسم الأرباح تقوم فيها الإمارات بالدور القذر فيما يتكفل باقي الشركاء بالتستر؟

***

محمد رفعت ـ باحث مصري في العلوم الإنسانية بجامعة لا سابينزا روما

_____________