Minbar Libya

بقلم باسل درويش

نشر موقع “ميدل إيست آي” تحقيقا، أعده دانيال هيلتون، تحت عنوان “حقول الموت في ترهونة الليبية”، حيث كشف فيه عن جرائم الحرب التي ارتكبها مقاتلو قوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.

وتاليا بقية نص التحقيق كاملا كما ورد في “ميدل إيست آي”:

الجزء الثاني

ما كانت لتنتهي الأمور على خير

بحلول الثالث عشر من نوفمبر / تشرين الثاني 2019 لم تكن الأمور على ما يرام بالنسبة لحفتر وآل الكاني.

فقد مات محسن، واستعادت حكومة الوفاق الوطني غريان التي كانت تشكل خط التموين الثاني للجيش الوطني الليبي في جبهة طرابلس، وأدى هجوم جريء شُن على حي الداوون في ترهونة خلال الشهر السابق إلى انكشاف آل الكاني.

كانت عمليات الاختفاء في تصاعد، ولذلك عندما تلقى أحمد سعيد عبد الحافظ مكالمة مقلقة من شقيقه مساء ذلك اليوم راح يضرب أخماسا بأسداس.

“كانت المكاملة قصيرة، وكل ما تمكن من قوله هو لقد أوقفت في سيارتي، ثم انقطعت المكالمة. مباشرة أدركت أن آل الكاني أمسكوا به، وعرفت أن الأمر لن ينتهي على خير.”

كانت لعبد الحافظ، الذي يبلغ من العمر تسعة وثلاثين عاما، تجارب سابقة مع آل الكاني. فقبل عامين تعرض للابتزاز من قبلهم حين أجبروه على شراء جمل بسعر باهظ. ولكنه كان دوما يجيد التعامل مع ما يطلبونه. ولهذا افترض أن المال هذه المرة سوف يمكنه من حل الإشكال تارة أخرى.

“في الثانية عشرة ليلا تقريبا توجهت إلى منزل عائلتي، حيث وجدت بقية أشقائي وطلبت منهم جمع كل ما بإمكانهم من مال لدفع الفدية.”

ومن هناك عاد إلى منزله، وأطفأ جميع الأنوار واستلقى هو وزوجته، متظاهرا بعدم وجود أحد في البيت. بعد ليلة لم يجد فيها طعم النوم، وصلته أخبار أكثر رعبا، فقد اختطف بقية أشقائه.

علم عبد الحافظ أن عليه أن يخرج، وبمساعدة صديق له، ما لبث أن ألقي القبض عليه لمساعدته، تمكن من التسلل خارج ترهونة وسار على قدميه مسافة ثمانين كيلومترا شمالا نحو بلدة تاجوراء.

يقول عبد الحافظ وهو جالس في غرفة الاستقبال بمنزل العائلة وقد شحبت الذكريات وجهه: “كل شيء فعلوه لم يكن له مبرر. لا يمكنك حتى قياس سلوكهم الإجرامي، فلم يكن هناك ما يردعهم. لقد فقدت خمسة أشقاء على أيدي آل الكاني، وفقدت صديقا كان لي أكثر من أخ. لم يكن هناك سبب واضح لإلقاء القبض عليهم، فنحن رجال أعمال، لا ننتمي لا إلى القاعدة ولا إلى الإخوان المسلمين.”

ومثله مثل كثير من أهل ترهونة الآخرين الذين أجبروا على الجلاء، سارع عبد الحافظ بالعودة إلى بلدته في اليوم الذي غادر فيه آل الكاني.

يقول عبد الحافظ عن ذلك: “عندما عبرت من خلال باب منزل العائلة وقعت والدتي مغشيا عليها، وكلما أفاقت، وقعت ثانية مغشيا عليها. صحت: أين أشقائي، أين أشقائي؟ أدركت حينها أن شيئا فظيعا قد وقع.”
فتحت أبواب السجون، ولكن لم يعثر على أحد من أشقائه.

“آل الكاني ليسوا بشرا، بل همج. سمعنا أقاويل تزعم بأن بعض الناس ربما أطعموهم للأسود.”

سجون التعذيب في ترهونة

قبل أسابيع من مغادرة آل الكاني لترهونة انتشرت – وهم على علم بذلك – إشاعات بأنهم أقاموا سجنا للتعذيب في مقر مركز الأبحاث الزراعية في البلدة.

وفي ديسمبر / كانون الأول أقاموا مصاطب ترابية لحماية المكان من جانبين خشية التعرض لهجمات انتقامية من قبل عائلات المعتقلين هناك.

وعندما استولت قوات حكومة الوفاق الوطني أخيرا على المجمع وجدوا داخله سبع حجرات حجم الواحدة منها متر مربع واحد تكفي الحجرة لجلوس رجل واحد فيها القرفصاء. وعلى الحاجز المقام فوقها وجدوا أكواما من الرماد، هي بقايا النيران التي كان آل الكاني يوقدونها لتحويل الزنازين الصغيرة إلى أفران.

يقول قشير: “عندما اكتشفنا هذا المكان وجدنا رجلا واحدا مازال يجلس القرفصاء داخل أحد الأفران – كان على قيد الحياة ولكن في حالة مزرية. رفض في البداية الخروج ظنا منه أننا من آل الكاني وأننا نسعى لخداعه.”

معظم المرفق الآن موشح بالسواد بعد أن أضرم فيه أهل ترهونة النيران حينما أدركوا عدم إمكانية العثور على أقاربهم. إلا أن الألواح الخشبية التي كانت تستخدم للنوم وبصمات الأصابع التي تلطخ جدران الزنازين ظلت شاهدة على ما كان المكان مسخرا له.

احتجز علي أسيد أبو زويد في واحدة من تلك الزنازين لخمسة وأربعين يوما، لم يوجه خلالها كلمة واحدة لأي من المعتقلين عن يساره وعن يمينه. يقول عن ذلك: “بقينا صامتين تماما تقريبا طوال فترة احتجازنا هناك لأننا ظننا أنه من غير الآمن التحدث مع بعضنا البعض.”

ليس واضحا بالضبط لماذا احتجز وظل محبوسا هناك، مع أن أبو زويد يظن أن ذلك ربما كان بسبب أنه قاتل إلى جانب المصراتيين المؤيدين لحكومة الوفاق الوطني ضد مجموعة الدولة الإسلامية في سرت في عام 2015، ولكنه رفض حمل السلاح ضدهم في طرابلس.

فقد من وزنه ثلاثين كيلوغراما خلال شهر ونصف. ويقول بينما هو واقف أمام الزنزانة التي كان محتجزا فيها: “كانوا عندما يأخذون شخصا للتحقيق تسمع بعد ذلك طلقات نارية. في بعض الأوقات كان السجناء يعودون وفي بعض الأوقات يقتلون. وفي بعض المناسبات كانوا يشعلون النار فوق الأفران – كان ذلك يتوقف على مزاج حراس السجن.”

كما كان آل الكاني يستخدمون داخل البلدة مقرا سابقا لفرع أمني تابع لوزارة الداخلية كمركز للاعتقال، حيث كانوا يحتجزون الغالبية العظمى من السجناء. كان العشرات يحتجزون هنا في وقت من الأوقات، يزج بهم في بضعة حجرات مكتظة تنتشر داخلها العبوات البلاستيكية التي كانت تستخدم كمراحيض.

تشاهد في إحدى الزنازين أحذية أطفال ملونة لامعة مبعثرة على الأرض.

وكما هو الحال في المركز الزراعي، معظم الناس الذين كانوا محتجزين هنا مازالوا مفقودين، وكل ما تركه آل الكاني خلفهم هو أداة الفلقة التي كانت تستخدم لضرب المعتقلين على أقدامهم وصورة لمحسن الكاني وهو يرمق ببصره الساحة الخارجية رافعا إبهامه.

حُفرت على الأبواب المعدنية للزنازين التي حبس فيها المعتقلون أسماء بعض الناس وبعض الأماكن مع بعض التواريخ. يعتقد المسؤولون الذين يحققون في قضايا الاختفاء أن هذه الأسماء والتواريخ تشير إلى الأيام التي وقعت فيها الحوادث بما في ذلك عمليات التطهير. بعض التواريخ توجد إلى جانبها علامات، ربما في إشارة إلى عدد الناس الذين تعرضوا للقتل في ذلك الوقت.

تكلفة آل الكاني

مازال أهل ترهونة يحسبون التكاليف التي تكبدها النسيج الاجتماعي لبلدتهم. فقد حرض آل الكاني الناس بعضهم على بعض وأثار ابن العم على ابن عمه. يقول الذين تمكنوا من النجاة بأنفسهم وفروا من البلدة أنهم تعرضوا لإشاعات بشعة.

ولكن بالنسبة للنساء من مثل غزالة علي أونيس، التي رأت آل الكاني يخطفون سبعة من أبنائها، بات مجرد توفير لقمة العيش لمن تركوهم من خلفهم من الأبناء أمرا شاقا، إذ أنها تقوم الآن على أربعين من الأحفاد.

تقول وهي تخلل بأصابعها الشعر الأسود لفتى يقف بجانبها: “هذا هو أكبر الرجال الذين بقوا لدينا. له من العمر ثلاثة عشر عاما.”

تنظر أونيس إلى السماء وهي محاطة بالأطفال من كل مكان وترفع ذراعيها وتقول في بؤس شديد وصوت متقطع: “لا أريد المال ولا الطعام، فقط أريد أبنائي، أعد إلى أبنائي.”

بدون جثة، يكاد يكون من المحال المضي قدما ذهنيا وعاطفيا، بل وحتى اقتصاديا. بموجب التقاليد الإسلامية الصارمة لا يمكن للمرأة أن تتزوج من جديد إلى أن تتأكد وفاة زوجها. ونظرا لوجود العديد من المفقودين، والعديد من الجثث التي تنتظر التعرف على هوية أصحابها، فإن العديد من نساء ترهونة لا يمكنهن طي الصفحة أو ضمان الحصول على سند من زوج جديد يوفر لها قوت يومها.

تقول أونيس: “علي الآن القيام بكل شيء بنفسي، وتوفير كل شيء لأحفادي ولأمهاتهن.”

على الرغم من مرور أسابيع منذ أن توقف آل الكاني عن العبث بحياة الناس في هذه الشوارع إلا أن الأعصاب مازالت منهكة.

أخبر السكان موقع ميدل إيست آي أنهم يتجنبون الإبلاغ عن أقارب وأصدقاء لهم اختفوا لأن الناس الذين شاهدوهم يتواطأون مع حكم آل الكاني مازالوا يرونهم يحومون حول مكتب البلدية.

حتى مشهد الرجال وهم يحملون السلاح بات فوق طاقة الأطفال من عائلة جاب الله، الذين ينفجرون بالبكاء ويختبئون كلما مرت دوريات قوات الأمن من أمام بيتهم.

وكان طارق علي الجاب الله قد قتل رميا بالرصاص أمام ابنه الصغير في شهر ديسمبر / كانون الأول. وفي اليوم التالي اعتقل آل الكاني عشرة رجال آخرين من أفراد العائلة. وينقل الناس أنهم سمعوا صبري الغرب، أحد الموالين السابقين للقذافي والذي كان يتزعم الغارة، يقول: “لا تتركوا رجلا واحدا.”

تقول رابعة الجاب الله وهي تغالب دموعها: “لقد فقدت زوجي وأربعة أشقاء وأحد أعمامي وأربعة من أبناء عمي. وما زلت مرعوبة.”

وتقول فتاة جالسة خلفها: “لقد قتلوا شقيقي رميا بالرصاص.”

وتضيف أخرى: “أبي مازال مفقودا. كم أشتاق إليه. لدي أحلام، كنت أريد أن أصبح طبيبة، ولكني لا أقوى على تحقيق ذلك بدونه.”

أعمال انتقامية في ترهونة

كانت الأيام التي تلت استيلاء قوات حكومة الوفاق الوطني على ترهونة أيام هرج وفوضى، انتشر فيها السلب والنهب وإضرام الحرائق والاعتقالات حسبما ورد في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لعدد من المقاتلين المظفرين.

أطلقت النيران على الأسود التي كان يحتفظ بها محسن في بيته المهجور، وهي الأسود التي أشيع أنه كان يغذيها بضحاياه.

قالت مصادر داخل البلدة في تصريح لموقع ميدل إيست آي حينذاك أن عمليات قتل خارج القانون وقعت، بينما يصر قشير أن شخصين اثنين فقط قتلا بسبب نزاع عائلي، مع أن مصادر في غرب ليبيا أقرت ضمنا بأن عمليات القتل الانتقامية قد تكون بالعشرات.

استغلت وسائل إعلام حفتر هذه السردية متجاهلة القبور الجماعية أو ناسبة إياها للمرتزقة السوريين وفي نفس الوقت سعت للنأي بالجيش الوطني الليبي عن آل الكاني.

ومع ذلك، مازال آل الكاني والمليشيات التابعة لهم وعائلاتهم – والذين يقدر عددهم بالمجمل بما يقرب من خمسة عشر ألفا – ضيوفا عند حفتر في شرق ليبيا. وهناك تزوج عبد الرحمن الكاني من امرأة تنتسب إلى إحدى العشائر القبلية المعروفة في مدينة أجدابيا في الشرق الليبي، والتي شارك مقاتلوها في معركة طرابلس إلى جانب آل الكاني، بل ويقال إنه سافر إلى ألمانيا لتلقي العلاج الطبي.

إلا أن وجود آل الكاني في الشرق غير مرحب به من قبل الجميع. يقال إن محمود الورفلي، القائد العسكري في الجيش الوطني الليبي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب، رفض السماح لآل الكاني بالاستقرار في بنغازي، عاصمة حفتر.

يقول المحلل السياسي الحرشاوي: “ليسوا مقبولين هنا، إذ ينظر إليهم على أنهم ضارون. إذا ما ذهبتم إلى الحرب معا، ثم تمخضت الحرب عن نتائج كارثية على كل مستوى، فسوف يبغض بعضكم بعضا.”

بالرغم من كل ذلك، كان حفتر ومساندوه، بما في ذلك وسائل الإعلام الإماراتية، يعلون شأن آل الكاني ويؤكدون على مشروعيتهم كجزء من الجيش الوطني الليبي. وفي إحدى المراحل تم ضم ميليشيات آل الكاني إلى وحدة المخضرمين في الجيش التابعة للواء الثاني والعشرين لتشكيل اللواء التاسع، بما عزز مكانة آل الكاني في صفوف حفتر من ناحية شكلية وعملية في نفس الوقت.

يقول الحرشاوي: “أنا متأكد من أن حفتر لم يكن يتلقى رسالة نصية كلما كان فتى يُقتل، طبعا لا، ولكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية ومن التواطؤ. بإمكانك أن تعتبرها مسؤولية غير مباشرة، بإمكانك أن تسميها مبهمة، إذا أردت ذلك. ولكنها تظل تواطؤا مع جهة يعلم الجميع أنها هي التي ارتكبت كل تلك الفظائع.”

تقول فاتو بنسوده، مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، إن اكتشاف الرجال والنساء والأطفال المدفونين في قبور ترهونة الجماعية “يشكل دليلا على ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.”

وفي تصريح لموقع ميدل إيست آي، قال مكتب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية إنهم يقومون “بمتابعة هذا الأمر بشكل خاص مع السلطات الليبية المعنية، وذلك بموجب مبدأ التكاملية، لضمان التحقيق في أمر هذه القبور الجماعية.”

في الوقت ذاته، وصف الجيش الوطني الليبي تلك القبور الجماعية بأنها “جرائم ضد الإنسانية”.

وقال الناطق باسم الجيش الوطني الليبي الجنرال أحمد المسماري في تصريح لموقع ميدل إيست آي: “لقد ارتكبت هذه الجرائم قبل أن يتوجه الجيش إلى طرابلس عندما كانت مليشيات آل الكاني تنتسب إلى قوات حكومة الوفاق الوطني.”

إلا أن المسماري لم يلتزم بإرسال أي أشخاص مطلوبين ممن يتواجدون داخل مناطق الجيش الوطني الليبي إلى لاهاي فيما لو طلبتهم المحكمة الجنائية الدولية، ولم يجب على أسئلة حول ما إذا كانت قوات حفتر تتحمل المسؤولية عن جرائم الحرب التي ارتكبتها مليشيات تقاتل تحت رايتها.

ثمة إدراك متزايد داخل ترهونة أن بقايا الأشخاص المفقودين لن يتسنى العثور عليها إلا إذا كشف آل الكاني عن مكان وجودها. يقول قشير: “يعلم أولئك الذين في الشرق أين تم دفن تلك الجثث.”

وبالنسبة للناجين في ترهونة من مثل رابعة الجاب الله، على حفتر أن يعترف بالجرائم التي ارتكبت تحت سمعه وبصره وأن يتوقف عن منح ملاذ آمن للمسؤولين عنها.

تقول رابعة: “نريد من الأمم المتحدة أن تضغط على حفتر. كل ما نريده هو أن يتم جلب المجرمين الذين هربوا إلى الشرق ليمثلوا أمام العدالة. وإلا فإنهم سوف يفعلون في الشرق ما فعلوه هنا.”

_____________