Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

التضليل والتزييف هو من أبغض الآفات التي نواجهها في أزمتنا الحادة في ليبيا، ذلك لأنه يأتي في مقدمة الأسباب التي أججت النزاع وجرتنا إلى حلبة الصراع نتقاتل بوحشية فلا يرقب أحدنا في الآخر إلاً ولا ذمة.

وسدنة التضليل عندنا في الغالب من قليلي البضاعة في الفكر والمعرفة ومن الموتورين، غير أن تجربتنا كشفت عن تورط من يعدون ضمن قوائم النخب المثقفة والحكماء ومن في مستواهم، وهنا الطامة الكبرى.
ويمكنك عزيزي القارئ أن ترجع معي إلى بداية الانشقاق بعد ثورة فبراير وستجد أن التزييف والتضليل كان العمدة في تفجير الوضع والشعلة لقيادة الجمهور إلى المواقف المتشنجة والتسليم بغرض الساسة والعسكريين من أصحاب المطامع لإيقاد نار الفتنة وشن الحروب.

والتزييف بضاعة يتاجر بها أصحاب المصالح في الشرق والغرب، ومن أنصار كافة التوجهات، إلا أن المتابعة تكشف أنها استراتيجية ضمن جبهة الكرامة وكانت فاعلة في التمهيد لكل ما أقدم عليه حفتر من كوارث. وقد تناولت الموضوع عدة مرات خلال الأعوام الماضية، لما له من أثر في نقل الأزمة من مستوى إلى آخر أخطر.

ذئاب تحولوا إلى حمائم

ما دعاني للعودة إلى هذا الموضوع هي المواقف والتصريحات “الحمائمية” والمفردات الرقيقة التي يلوكها رموز ونشطاء ضمن جبهة الكرامة مؤخرا والتي تنبذ الحروب وتدعو إلى السلام والوئام وإنهاء الخلافات بالحوار السلمي والانتخابات بدل الاقتتال وإراقة الدماء.

فحفتر الذي هيّج الجموع بخطاباته المبررة للحرب والقتل والفتك والدمار، والذي اعتبر المجلس الرئاسي ومصراتة رأس الشر وسبب الداء يوقع اتفاقا مع أحد المسؤولين المبرزين من المدينة، وعضو في المجلس الرئاسي الذي خطط حفتر لإسقاطه بالقوة ومحاكمة أعضائه وربما إعدامهم لأنهم إرهابيون وسراق.

التحول 180 درجة في مواقف حفتر كان له صدى لدى المروجين والمسوقين، فبعد أن أطلقوا حناجرهم للعن مصراتة وعملية بركان الغضب والدعوة إلى سحقها، ها هم اليوم يمدون الأيادي لها للسلام.

أحد أبرز الأصوات المضللة لم يترك من خصال الشر إلا ووضعها في مصراتة واعتبرها أكثر ضررا من الصهاينة وغيرهم، واستمتع ومتع متابعيه بمشاهد القذائف وهي تسقط على سكان المدينة في عرض مرئي يندى له الجبين، ها هو اليوم يقفز من ضفة إلى أخرى في مواقف مناقضة للأولى تماما لكن صنوها في التزييف والتضليل، فمثل هؤلاء لا قيم لهم ولا أخلاق، ويميلون مع الأمواج أينما تميل.

إذ لم يخبرنا حفتر ولا المروجون له من “إعلاميين” ما الذي تغير حتى ينقبلوا هذا الانقلاب الجذري في موقفهم من الإرهابيين والسراق والعملاء والخونة ومصاصي الدماء والانكشاريين…الخ، وقائمة السِباب والشتم طويلة وقاموس هؤلاء لا حد له في هذه المرادفات، لم يخبرونا ما الذي تغير حتى يتخلوا عن خطاب الكراهية والعنف، ويستبدلون به حديث السلام والوئام؟!

ضحك على الذقون

إنها السياسة والمصالح.. بعد هزيمتهم في طرابلس، فليس لدى هؤلاء مبادئ ولا قيم تحترم، ولو كان لديهم مثقال ذرة منها لما تجرأوا أن يقفوا الموقفين المتناقضين أمام أنصارهم قبل مخالفيهم.

لو حسب هؤلاء حسابا للرأي العام لما أقدموا على هذه التبدلات والتقلبات المشينة، فقد كلف عبثهم هذا الليبيين الكثير من الأرواح والأموال.

لم يقدر هؤلاء الدماء التي أريقت والأرامل والأيتام الذين فقدوا أحبتهم ومعيليهم، ولم يراعوا الذين هبوا استجابة لتضليلهم ظنا منهم أن الحرب عادلة والموت فيها تضحية في سبيل الوطن، فإذا بالحقائق التي جاءت على ألسنة المهيجين والمحرضين على القتل والقتال تكشف أنها حرب مصالح شخصية وليست من أجل الوطن، وأن من تم استباحة دمائهم وأموالهم عبر خضاب التزييف والتضليل هم ليبيون وليسوا مرتزقة ولا غزاة ولا انكشاريين ولا إرهابيين….الخ، حسب قولهم، وأنهم سيتقاسمون معهم الأموال، وهنا تصدق المقولة المحزنة “إللي مات مات على روحه”.

لم أرد بكلامي هذا معارضة التسوية السياسية أو الوقوف ضد السلام والوئام، وإنما غايتي هي التنبيه إلى خطر التزييف والتضليل، وكشف وضاعة المحرضين والمهيجين على القتل والقتال والمروجين لخطاب الكراهية حتى يدرك الناس حقيقتهم فلا يقعوا في شباك مصائدهم مرة أخرى.

*********

أزمة النخبة الليبية .. مسلسل التضليل والتزييف مستمر

الحروب، خاصة في حال تحولها إلى مواجهات مدعومة إقليميا ودوليا، تخلف آثارا خطيرة حتى بعد انتهائها بتسوية أو هزيمة أحد الأطراف، ويتحمل المسؤولية من أوقدوا نارها.

ومن أبرز الآثار الخطيرة لما يمكن أن تسميه حروب الوكالة تعاظم نفوذ وسلطة الأطراف الإقليمية والدولية في تقرير مصير البلد، وما ينجم عنه من استقطاب بين الفرقاء الليبيين ومحركيهم من الفاعلين الإقليمين والدوليين، ويتحمل المسؤولية في ذلك من أسسوا مشروعهم على الدعم الخارجي وتقووا عسكريا بالارتماء في أحضان الدول ذات التاريخ الاستعماري الإجرامي والفظائع التي يندى لها الجبين.

عدوان عواقبه معلومة

شرع حفتر في هجومه على العاصمة وانساق قطاع واسع من النخبة في تبريره والتعبئة له، فانتهى العدوان إلى خسران، ورفع حفتر الراية البيضاء من القاهرة، بعد أن أوهم أنصاره أن لا رجعة عن دخول طرابلس بالقوة، وبدل أن يراجع من تورطوا في العدوان على طرابلس وبرروا الاستعانة بكل طامع من الملل والنحل الشرقية والغربية مواقفهم من العدوان وما خلفه من كوارث.

وعوضا عن أن تتجه سهامهم للمخادعين الذي أوهمهم بأن حربهم لأجل الوطن وأنهم ماضون فيها إلى أن يحرروا العاصمة، وأن النصر قريب جدا جدا جدا، وأن لا تفاوض مع الإرهابيين، نراهم اليوم يتقدمون الصفوف للتعمية عن النتائج الكارثية للحرب والتغطية على خداع وتضليل عرابيها، ليغرقوا الوطن والمواطن في أوحال تزييفهم.

التضليل والتزييف مستمر

ونشهد اليوم جولة جديدة من التضليل، فالمهزوم يحتاج أن يستوعب الهزيمة ويسوق لأنصاره مبررات الفشل ليخفف عنهم وطئته ويحفزهم للاستمرار في الدعم ومواجهة تداعيات الانكسار.

آلة إعلام “الكرامة” تعمل بتوجيه وتخطيط خارجي لتحويل الانظار عن الهزيمة بتصوير استعانة حكومة الوفاق بأنقرة لمساعدتها في وقف العدوان المدعوم من روسيا وفرنسا ومصر والإمارات والسعودية والأردن على أنه خيانة وأن دخول تركيا على خط الصراع غزو.

تناقضات مكشوفة لشريحة واسعة من النشطاء وعدد غير قليل من “القامات” السياسية والثقافية والاجتماعية، والذين صمتوا عن التدخلات الخارجية دهرا، بل هاجوا لها طربا، ذلك أنها كانت لصالح حزبهم وشيعتهم، ثم انبعث فيهم الحس الوطني المرهف ضد التدخل الاجنبي فسخَّروا حناجرهم وأقلامهم لمقاومة الغزو “العثماني البغيض“.

تناقضات مفضوحة

نقد هؤلاء وتجريحهم لا يمكن أن يستسيغه عاقل، إذ لا تساوق أو تماسك منطقي ورائه، فهم يٌسَرَّون وتسمع لحبورهم ضجيج في كل مكان لاتصال الرئيس ترمب بحفتر ليبارك عدوانه على طرابلس في أبريل 2019م، وأضحت الولايات المتحدة بعد ذلك الاتصال القوة الخيرة، لكنها تحولت في نظرهم إلى شيطان أكبر بعد أن تخلت عن “قائدهم” ومالت إلى الوفاق.

قد يقول قائل أن صاحب الحق يفرح بالنصرة ويتألم للخذلان، وهو قول له وجاهة، لكن هؤلاء الحق منهم بعيد، فمبررات العدوان على طرابلس واهية، ودوافعه مزيفة، وقد اتضحت لكثيرين ممن ساندوا حفتر وكانوا من أقرب المقربين له، فانقلبوا عليه وعارضوا مشروعه.

رمتني بدائها وانسلت

ترتكب الفظائع من قبل جيش حفتر والعناصر المساندة له، تدمير بيوت، قتل نساء وأطفال، تعذيب وتصفية معتقلون وأسرى، نبش قبور وتمثيل بالجثث وعرضها في مواكب مخزية ومروعة، مقابر جماعية، ألغام تحصد أرواح المدنيين، فلا تتحرك للنخبة شعره ولا ينبسون بكلمة إدانة أو استنكار، أما إذا تورطت القوة المساندة للوفاق في انتهاكات، نعترف نحن بوقوعها وندينها، تقوم عندهم الدنيا ولا تقعد وتتحرك فيهم الإنسانية والأدمية فيتألمون لما وقع ويتفنون في توصيفه بأبشع النعوت!!

عليَّ وعلى أعدائي

خطاب المهزوم وصراخ المنكسر لا سقف له، فكما كانوا مندفعين في دعم العدوان دون حساب لنتائجه وتقدير لأثاره من دمار في الإنسان والعمران وتمزيق للوحدة التراب والاجتماع وتبرير للتدخل الخارجي، ها هم اليوم يندفعون بنفس القوة لتمزيق بقايا الوطن المنقسم على نفسه.

وقد كنا نرجو أن يحاسبوا أنفسهم ويعترفوا بخطأهم في تأييد العدوان، لكنه الإنكار الذي يفاقم الوضع، والعناد الذي يكرس القطيعة، والهوى الذي يورد أصحابه المهالك، وتكون عواقب كل ذلك خطيرة على البلاد.

اتقوا الله في ليبيا والليبيين، فقد أنهكتها الحروب، ومزقتها الصراعات، ووالله الذي لا إله غيره لو كان في قلوبكم ذرة حب للبلاد وأهلها ما بررتم العدوان ولا أيدتم الحرب، ولجنحتم للسلم، فلو لم يكن في السلم خير إلا وقف حمام الدم ومنع الدمار الذي لحق ممتلكات الناس وأرزاقهم لكفى.

__________