Minbar Libya

“يبدو أن وباء كورونا في ليبيا يخرج عن نطاق السيطرة، وقد ازداد عدد الحالات المؤكدة بأكثر من الضعف في الأسبوعين الماضيين”.

بهذه الكلمات دقت المبعوثة الأممية إلى ليبيا ستيفاني وليامز، ناقوس الخطر، أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، بعد تضاعف انتشار الوباء في غفلة من انشغال الليبيين بالأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

أربع أضعاف الإصابات بتونس

ليبيا التي لم تسجل أي إصابة بكورونا، إلا في 26 مارس/ آذار الماضي، بالعاصمة طرابلس، أحصت الخميس، 16 ألف و445 إصابة و262 وفاة.

وهذه الأرقام تعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف الوفيات والإصابات في الجارة الغربية تونس (84 وفاة ونحو 4400 إصابة)، والتي سجلت أول إصابة في 6 مارس.

تجدر الإشارة إلى أن عدد سكان تونس المقدر بنحو 12 مليون نسمة، يزيد عن سكان ليبيا بنحو 5 ملايين.

لكن البعثة الأممية تتوقع أن الأرقام المسجلة في ليبيا أكبر بكثير مما هو معلن، لأن “النقص المستمر في قدارت الاختبار، ومرافق الرعاية الصحية الكافية، وتتبع المخالطين، يعني أن النطاق الحقيقي للوباء في ليبيا من المرجح أن يكون أعلى بكثير”.

مليشيات حفتر فاقمت الوباء

وفي الوقت الذي كان كورونا يحصد آلاف الأرواح يوميا في العالم، قامت مليشيات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، بقصف مستشفيات طرابلس بشكل جنوني وغير مسؤول وخاصة مستشفى الخضراء ومستشفى طرابلس العام، الذين يعالجان مرضى كورونا، خاصة في أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيين.

فالقطاع الصحي في ليبيا إجمالا هش، حتى قبل ثورة 17 فبراير/شباط 2011، وأرهقته الحروب المتتالية بشكل مأساوي.

ويوشك كورونا أن يوصل قطاع الصحة إلى حالة الانهيار إن لم يتم تدارك الأمر داخليا ودوليا، لمنع البلاد من أن تجثو على ركبتيها أمام الوباء.

وفي هذا السياق، حذرت وليامز، من أن “نظام الرعاية الصحية، الذي كان على حافة الانهيار التام بعد أكثر من تسع سنوات من النزاع، غير قادر على الاستجابة للعبء الإضافي الذي يلقيه عليه مرضى كورونا”.

ولا تكاد تخلو أي مدينة ليبية من إصابات بكورونا، بما فيها المناطق الخاضعة لمليشيا حفتر، بل وسُجلت إصابات ووفيات في صفوف عناصر من المليشيا ومن مرتزقة شركة “فاغنر” الروسية، رغم حالات التكتم.

والإثنين الماضي، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، إصابة موظف في حقل الشرارة النفطي (جنوب غرب)، بكورونا، نتيجة مخالطته لعناصر من مليشيات حفتر، بعد أن اقتحم 20 عنصرا مسلحا منهم الحقل، السبت، متجاهلين الإجراءات الاحترازية للوقاية من الوباء.

ومطلع يونيو/حزيران الماضي، أعلن الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية، وفاة اثنين من المرتزقة الروس التابعين لمليشيا حفتر، بمدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، جرّاء إصابتهما بالفيروس، بالإضافة إلى إصابتين أُخريين، استنادا إلى مصادر طبية موثوقة داخل سرت.

الوباء يعم الأقاليم الثلاثة

وتمثل طرابلس، مقر الحكومة المعترف بها دوليا، مركز وباء كورونا في ليبيا، حيث لعبت الحرب التي شنها حفتر طيلة 14 شهرا للسيطرة عليها، دورا في انتشاره.

وكشفت إحصاءات المركز الوطني لمكافحة الأمراض، الجمعة، أن طرابلس سجلت الخميس، أكبر حصيلة بين المدن الليبية بلغت 282 حالة.

لكن الوباء سرعان من انتشر من مدن إقليم طرابلس في الغرب، إلى مدينة سبها، مركز إقليم فزان في الجنوب، الخاضعة لسيطرة مليشيات حفتر والمرتزقة الأجانب، وكان الضرر واضحا على سبها بسبب هشاشة منظومتها الصحية، مقارنة بطرابلس أو مدينة بنغازي.

ورغم نداءات الاستغاثة والمساعدات المحدودة التي تمكنت حكومة الشرعية من إيصالها إلى الجنوب، إلا أن الوضع في سبها ما زال صعبا رغم تسجيل تراجع عدد الإصابات إلى 4، الخميس، لكن ذلك لا يعكس حقيقة الوضع الصحي، في ظل ضعف الإمكانيات البشرية للفحص والمعاينة.

وفي هذا الصدد، أشارت رئيسة البعثة الأممية، إلى أن “الزيادات المطردة تتخذ منحى مقلقا مع الإبلاغ عن انتقال العدوى في أوساط المجتمعات المحلية في بعض المدن الرئيسية في ليبيا، بما في ذلك طرابلس وسبها”.

أما في إقليم برقة، معقل حفتر في الشرق، فقد فشلت محاولات التستر عن حجم الكارثة ولو بالضغط على الأطباء والاعتداء عليهم بالضرب أو الاعتقال أحيانا حتى لا يتم الكشف عن حجم المعاناة.

وهو ما أشارت إليه رئيسة اللجنة الطبية الاستشارية ببنغازي الدكتورة فتيحة العريبي، الخميس، في تصريح لـ”قناة فبراير” (خاصة) التي اتهمت مليشيات حفتر بضرب وشتم الأطباء والممرضين في مراكز عزل المصابين بكورونا.

ومع ذلك شكلت مليشيا حفتر، لجنة لمكافحة كورونا، يترأسها قائد أركان مليشيا حفتر، عبد الرزاق الناظوري، بدل مسؤولين أو مختصين في الصحة.

وسجلت بنغازي، مركز برقة، ثاني أكبر حصيلة بعد طرابلس بـ41 حالة، لكن مدينة طبرق، القريبة من الحدود المصرية، والتي تحتضن مقر مجلس نواب طبرق، فأحصت نصف عدد وفيات كورونا ليوم الخميس في كامل ليبيا.

وبحسب إحصائيات المركز الوطني لمكافحة الأمراض، سجلت طبرق وفاة 4 أشخاص في يوم واحد من إجمالي 8 وفيات بكورونا.

وبثت قناة فبراير، فيديو لطبيب من طبرق، لم تكشف عن اسمه، تحدث عن وضع مأساوي للإصابات في المدينة، وعدم جدوى العلاجات التي يقدمونها للمرضى، وأنهم فقدوا 25 شخصا بمعدل وفاة كل يوم.

فالمنظومة الصحية في الأقاليم الثلاثة لليبيا عاجزة عن مواجهة كورونا، وتحتاج إلى توحيد، وتسهيل وصول الإعانات الطبية والبشرية في المناطق النائية، وتوعية الناس بخطورة وجدية الوباء، خاصة استعمال الكمامات والتعقيم والتباعد، مع تثبيت وقف إطلاق النار، والتركيز على مجابهة العدو الذي قد يفتك بالجميع دون تفرقة.

**********

مستشفيات ليبيا غير جاهزة لمواجهة كورونا

أطلق الإطار الطبي والعاملون في قطاع الصحة بليبيا، صيحة فزع، لعدم جاهزية السلطات لمواجهة فيروس كورونا في البلاد، وتقصيرها في الحفاظ على الصحة العامة، وتحدثوا عن المصاعب التي تعترضهم في التعامل مع حالات الإصابة بالنظر إلى النقص في التجهيزات والمعدات الطبية اللازمة.

وقال الطبيب إدريس القايد من العاصمة طرابلس، إن كل ما يقال عن شراء تجهيزات قادرة على تشخيص الإصابة بفيروس كورونا ومعدات طبية لحماية الأطباء واستقبال المرضى هو مجرد كلام لا يعبر عن الواقع الحالي الرديء لقطاع الصحة في ليبيا.

وانتقد القايد تخلي حكومة الوفاق عن واجباتها في مواجهة انتشار فيروس “كورونا” وفي الحفاظ على الصحة العامة قائلا “المسؤولون فرطوا في المواطنين”، مشيرا إلى أن عدد الأجهزة التي تستخدم في تحليل حالات الإصابة بالفيروس قليلة جدا بينما لا تتوفر المعدات الخاصة بالفحص، مؤكدا أن هذا الأمر مخيف جدا.

ولمّح المتحدث نفسه في مقطع فيديو نشره في صفحته على موقع “فيسبوك”، إلى شبهة فساد مالي في صفقة شراء تجهيزات ومستلزمات طبيّة، موضحا أن المعدات تم اقتناؤها أضعافا مضاعفة عن سعرها الأصلي، متسائلا “هل نتعامل مع دولة أم عصابة”؟

وأشار القايد إلى أن الحرب الدائرة ترفع درجة خطورة الإصابة بكورونا في البلاد إلى 60-70 بالمئة، فضلا عن الكثافة السكانية بأغلب المدن الليبية، خاصة العاصمة طرابلس والتقارب الكبير بين الناس والعائلات خاصة النازحين الذين يعيشون في ملاجئ مزدحمة، قائلا “كورونا في ليبيا ستوّحدنا أو ستقتلنا”، داعيا إلى ضرورة وقف الصراع وتخصيص الجهود لمكافحة “كورونا”.

وعلى الرغم من قبول طرفي الصراع بـ”هدنة كورونا” إلا أن دوي الاشتباكات لا يزال مستمرا في محاور طرابلس وجنوب مصراتة وغرب سرت، أين تدور معارك طاحنة وعنيفة بين قوات الجيش الليبي وقوات الوفاق، تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي والمسيّر.

والأحد، حذّرت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في بيان، من خطورة الوضع الحالي في ليبيا، وقالت إن نظام الرعاية الصحية في البلاد الذي تضرر من النزاعات المسلحة منذ عام 2011، لن يكون قادرا على مواجهة فيروس “كورونا” إذا انتشر في البلاد وعلى التعامل مع أعداد كبيرة من المرضى.

وسجلت ليبيا حتى الثلاثاء، 10 إصابات مؤكدة بفيروس كورونا، من بينها 6 في مدينة مصراتة الواقعة غرب ليبيا، فيما لم تعلن عن أيّ حالات شفاء أو وفاة.

و وفقا لـ “مؤشر الأمن الصحي العالمي” لعام 2019، تعتبر ليبيا من بين الدول الأقل استعدادا لمنع الأزمات الصحية أو الكشف عنها أو الاستجابة لها، وفي تقرير مارس 2020، وضع المؤشر ليبيا بين 27 دولة ” الأكثر تعرّضا لتفشي الأمراض الناشئة” من أصل 195.

وكانت السلطات الليبية في الشرق والغرب، أعلنت عن حزمة من الإجراءات لمكافحة التفشي المحتمل لفيروس كورونا، من بينها غلق الحدود البريّة وتعليق الطيران وكذلك فرض حظر التجوال.

وفي هذا السياق، أوضح سعدالدين المسماري، طبيب بمركز بنغازي الطبي، في تصريح للعربية.نت، أن الحكومة المؤقتة بالشرق الليبي، اتخذت قبل ظهور الفيروس في البلاد عدة إجراءات وقائية، من بينها تجهيز عدة مواقع للحجر الصحي ومواقع لعزل الحالات المشابهة إضافة إلى توفير مستشفيين ببنغازي وتشغيل سعة إضافية للعناية والتنفس الصناعي، مشيرا إلى شح الموارد وضعف الإمكانيات، مؤكدا أن ذلك راجع إلى أن موارد البلاد والمصرف المركزي تحت تصرّف حكومة الوفاق بطرابلس.

____________