Minbar Libya

بقلم يوسف لطفي

تهدف هذه الورقة لاستعراض الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي على امتداد مراحله السابقة منذ اندلاع الثورة الليبية في فبراير2011 وحتى هجوم 4 إبريل 2019 الذي شنته قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس وما تبع ذلك من آثار على المشهد السياسي والأمني.

الجزء الثاني

ثانيا: الاحتجاجات الشعبية ضد القذافي

بدأت الاحتجاجات على سياسات القذافي ونظرياته منذ السنوات الأولى، واتخذت أشكالا متعددة على مراحل. فاتسمت الاحتجاجات الشعبية واحتجاجات المعارضة بالسلمية حتى 1980، واقتصرت مظاهر العنف في فترة السبعينات على ممارسات النظام مع المعارضين بأطيافه، حيث قام القذافي منذ السنة الأولى بمحاربة الحركة الطلابية وشن حملة على الإسلاميين بأطيافهم بدأها بتسليم عناصر من جماعة الإخوان لنظام عبد الناصر بعد انقلابه مباشرة وبلغت ذروتها إثر إعلان “الثورة” الثقافية في 1973.

،لم يستثنِ القذافي من هذه الحملة أي طيف من أطياف المعارضة فاعتقل قادة الحركة الطلابية وأساتذة الجامعات وأعضاء الجماعات والتجمعات الإسلامية، كما تم القبض على أغلب الشخصيات المستقلة المحسوبة على التيار الإسلامي، وبهذا تمددت حالة القمع تدريجيًّا لتشمل شريحة كبيرة من المجتمع، وفي ظل هذا المناخ بدأت حقبة جديدة من المواجهة مع النظام تصدرها الإسلاميون أفرادا وجماعات.

تخلل الاحتجاج السلمي للمعارضة احتجاجات “عنيفة” من داخل النظام تمثلت في محاولات انقلاب فاشلة على القذافي بدأت بمحاولة وزير الدفاع المقدم آدم الحواز ووزير الداخلية موسى اللحاسي في 1969 والتي أعدم القذافي على إثرها عشرات الضباط، ثم تلتها محاولة انقلاب فاشلة أخرى خطط لها عبد الله عابد السنوسي ابن عم الملك السابق في 1970 واعتُقِل على إثرها المئات من أبناء عمومته في سبها.

كما فشلت محاولة أعضاء مجلس قيادة الثورة بقيادة عمر محيشي في 1975 -الذي ذُبح حرفيا- بعد تسليمه من قبل دولة المغرب مقابل 200 مليون دولار ومليون برميل نفط ومليون طن قمح –حسب شهادة عضو مجلس قيادة الثورة عبد المنعم الهوني وشهادة عبد الرحمن شلقم مندوب ليبيا في الأمم المتحدة.

كما فشلت محاولة رئيس الأركان السابق الأطيوش في 1980، تبعها فشل انقلاب إدريس الشهيبي -مسؤول أمن القذافي في طبرق في 1980. ويقدر عدد محاولات الانقلاب على القذافي من داخل النظام ست محاولات آخرها محاولة تمرد -مجهولة التفاصيل- في مصراتة خلال عام 1994 .

كانت هذه المحاولات مؤشرا على احتجاج مبكر لمعظم العسكريين المشاركين في انقلاب 1969 على استفراد القذافي بالسلطة ونظرياته الشاذة وممارساته القمعية التي بدأت منذ السنة الأولى بعد الانقلاب بتوجيهات من عبد الناصر وهيكل –حسب شهادة اثنين من رفاقه عبد المنعم الهوني وعوض حمزة – إلا أنها محاولات انقلاب لم تحظَ بزخم شعبي ربما لكونها من داخل النظام أو لطبيعة العمل الأمني.

وبحلول بداية الثمانينات تحولت معظم المعارضة بأطيافها إلى العمل العسكري والأمني باستثناء بعض الحركات غير الفعالة وجماعة الإخوان المسلمين التي آثرت الاستمرار في نهج المعارضة السلمي وتكثيف النشاط الدعوي السري والأعمال الخيرية.

ومن أبرز كيانات المعارضة آنذاك “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” وهي حركة المعارضة الأكبر والوحيدة التي حظيَت برعاية دولية وإقليمية حيث رعتها وساعدتها دول إقليمية وعربية مثل السودان وتشاد والمغرب والجزائر والعراق كما أنها حظيت بدعم وتشجيع دولي من الولايات المتحدة وبريطانيا وكان لها عمليتان استهدفتا اغتيال القذافي : عملية باب العزيزية 1984 وعملية 1993 التي شارك فيها عسكريون من النظام -جرى إعدامهم – وباءت المحاولتان بالفشل بسبب وشايات وتسرب معلومات.

أما النصيب الأكبر من المواجهة مع النظام ومحاولات اغتيال القذافي كان من نصيب الإسلاميين، حيث شهدت فترة الثمانينات والتسعينات عدة محاولات لاغتيال القذافي وعمليات استهدفت رؤوس النظام ومراكزه الأمنية.

وكان للجماعة الإسلامية المقاتلة الحظ الأوفر منها حيث نفذت عمليات بارزة في أعوام 1986 و1987 و 1989 تعرضت على إثرها لحملات قتل واعتقال واسعة، ففي عام 1989 شهدت البلاد أكبر حملة اعتقالات في تاريخها قبض فيها النظام على أكثر من خمسة آلاف من الإسلاميين.

عادت الجماعة للمشهد من جديد بعد ست سنوات بعملية استهدفت اغتيال القذافي في سرت 1995 وأخرى استهدفته في براك الشاطئ في عام 1996 وأخرى استهدفته في الجبل الأخضر في عام 1998. فبلغت محاولات اغتيال القذافي على يد الجماعة ثلاث محاولات، كما كانت هناك عمليات أخرى على يد كتائب الشهداء وأفراد من الإسلاميين لا ينتسبون لجماعات معينة كعملية اغتيال أحمد مصباح الورفلي -الذي كان يعتبر ذراع النظام اليمنى- في بنغازي 1986.

و يمكن القول إن الإسلاميين وعلى رأسهم “الجماعة الإسلامية المقاتلة” حققوا أطول وأخطر تصادم مسلح مع النظام حيث استمرت عملياتهم طوال فترة الثمانينات والتسعينات على امتداد ليبيا، وأظهرت فيها هذه المجموعات القدرة على الاستمرار والانبعاث بعد تلقي ضربات موجعة من النظام تمثلت في حملات الاعتقال الواسعة – التي طالت حتى الأهالي -وعمليات الحصار التي استخدم فيها النظام الطائرات والمدرعات والأسلحة الثقيلة والغاز السام -كما في حصار درنة 1996 – وعمليات الإبادة الجماعية كما حدث في مجزرة أبوسليم (1996).

ثالثا: العلاقات الخارجية في حقبة القذافي

على صعيد الشأن الخارجي اتسمت علاقة القذافي بالدول المحيطة وغير المحيطة بالعدائية والتذبذب. ولم تكن لليبيا علاقات مستقرة مع أي دولة سوى إيران. فقد قطع القذافي العلاقات مع أكثر من 35 دولة، وفشلت كل تجارب الوحدة العربية التي أطلقها في صيغها الرباعية والثلاثية والثنائية مع مصر والسودان وسوريا وتونس والمغرب مما أدى لتوتر العلاقات وقطعها مع هذه الدول.

بل وصل الأمر لخوض نزاعات مفتوحة مع بعضها، فقد دعم محاولات الانقلاب على النميري ودعم جون قرنق والجيش الشعبي لتحرير السودان ثم لعب دورا مزدوجا في أزمة دارفور تارة بدعم الأطراف المناوئة لنظام البشير وتارة بالتوسط لإحلال السلام، وتورط في الحرب الليبية-التشادية، ودعم الحركات الانفصالية في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية لزعزعة نظم الحكم، ودخل في نزاع مع نظام صدام حسين فزود الإيرانيين بصواريخ بعيدة المدى خلال حربهم ضده، ولعب دورا في الحرب الأهلية اللبنانية.

كما تورط القذافي في محاولات اغتيال فاشلة منها محاولة اغتيال الملك السعودي السابق عبدالله بن عبدالعزيز، وملك المغرب الحسن الثاني، ومحاولات لإسقاط رئيس الوزراء التونسي الأسبق الهادي نويرة.

ولم تقتصر مغامرات القذافي على مناوئة نظم الحكم والرؤساء بل تجاوزتها لتنفيذ تفجيرات وعمليات اغتيال استهدفت المدنيين، فقام بتفجير مقهى في برلين عام 1986 وتفجير طائرة بانام 103 في حادثة اللوكربي الشهيرة في عام 1988، وتفجير طائرة فرنسية في أجواء النيجر عام 1980، كما كانت له يد في حادثة خطف وزراء النفط في فيينا 1975.

استمر نظام القذافي في عزلته الخارجية حتى نهاية التسعينات عندما بدأ بالسعي لتحسين العلاقات مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عبر تسويات مالية وتنازلات سياسية في ملفات كثيرة أهمها ملف النفط والسلاح.

فوافق على دفع تعويضات ضحايا حادثة لوكيربي، وسلم المتهمين بارتكاب الحادثة للمحاكمة الدولية كما دفع تعويضات عن تفجير الطائرة الفرنسية وتفجير المقهى في برلين وقتل شرطية بريطانية وسعى للتعاون مع الولايات المتحدة في ملف محاربة الإرهاب، وفتح البلاد للشركات الغربية، وفكك برنامجه النووي، وسلم الأسلحة الكيماوية، ووجه صفقات التسليح نحو الغرب، كما عزز من التعاون المخابراتي مع بريطانيا، ودعم ساركوزي وبيرلسكوني في حملاتهما الانتخابية، وهو ما مثل تحولا جذريا في موقف النظام المعلن من هذه القضايا.

رابعا: حقبة الإصلاحات على يد سيف القذافي

صاحب تغيرات السياسة الخارجية للنظام ظهور دور سيف القذافي في المشهد السياسي، وبروز بصمته بوضوح على سياسات النظام الداخلية، والتي تمثلت في :

  1. إنشاء صحيفتين ناقدتين لأوضاع البلاد والترخيص للكتّاب أن يعملوا فيهما.
  2. التصالح مع «الإخوان المسلمين» والإفراج عنهم من المعتقلات.
  3. الإفراج عن عدد من سجناء الجماعة الإسلامية المقاتلة واستصدار مراجعات فقهية من قيادات الجماعة.
  4. تعويض المواطنين المصادرة أملاكهم وأرزاقهم بقرار من القذافي في 1978.
  5. تعويض المعتقلين الذين اعتقلوا في السجن لسنوات دون إدانة.
  6. تعويض أهالي قتلى مجزرة أبوسليم.
  7. تعويض أهالي الأطفال المحقونين بدماء ملوثة بفيروس الإيدز.
  8. فتح المجال للتظاهر والمطالبة بالحقوق.
  9. فتح الباب للمعارضة في الخارج للعودة وإدماجها في مشروع ليبيا الغد.

تمكن النظام بهذه الأساليب وغيرها من تحييد شريحة واسعة من المعارضة، ومن التخفيف من حالة الاحتقان الشعبي التي لم تلبث حتى تفجرت في 17 فبراير 2006 في شكل مظاهرات عنيفة بمدينة بنغازي استمرت عدة أيام راح ضحيتها 11 قتيلا ومئات الجرحى.

وقد عمل النظام إثرها على احتواء المتظاهرين بتعويض أهالي القتلى ومعالجة بعض الجرحى في الخارج، فعزل أمين الأمن العام “نصر مبروك” ووزير الداخلية العميد “صالح رجب المسماري” وفتح تحقيق معهما.

هذه الخطوات (احتواء الغضب الشعبي عبر محاسبة المسؤولين،التعويض المادي، التغاضي عن الهتافات المطالبة بإسقاط القذافي -وهو ما كان يُعد سابقا جريمة تصل عقوبتها للتصفية أو المؤبد-)، عُدت تعبيرا عن التغير الذي طرأ على سياسات نظام القذافي في التعامل مع حالات الاحتجاج مع بداية الألفية الجديدة وبروز نجله سيف الإسلام في المشهد السياسي وظهور بصمته على سياسات النظام.

خامسا: الثورة الليبية والأيام الأولى

لم تنجح “إصلاحات” النظام في معالجة المشاكل الجذرية التي خلفتها تراكمات أربعة عقود من المظالم والفساد والفوضى، وبدأت إرهاصات الثورة الليبية منذ أواخر شهر يناير حيث ظهرت نداءات على مواقع التواصل تدعو للنزول للشارع والتظاهر، وسرعان ما توجت بمظاهرات سلمية شارك فيها عدد من الحقوقيين والمحامين يوم 14 فبراير 2011 إلا أنها تطورت لمواجهة غير متكافئة بين المتظاهرين وكتائب القذافي الأمنية بعد قيام الأخيرة باعتقال وضرب عدد من النشطاء والمحامين الموكلين بقضية مذبحة أبوسليم.

وبالرغم من بدء الاحتجاجات يوم 14 وسقوط أول أعداد من القتلى يوم 15 إلا أن الحملات الإلكترونية الداعية للانتفاضة والثورة كانت قد حددت تاريخ 17 فبراير يوما للثورة للإشارة إلى ذكرى آخر مواجهة عنيفة خاضها أهل بنغازي مع قوات الأمن في 17 فبراير2006، حيث شكلت رمزية تلك الأحداث التي ظلت عالقة في ذاكرة الشارع الليبي نقطة انطلاق وتجمع للحشد للثورة.

ارتكبت كتائب القذافي مجزرة بشعة أمام أسوار كتيبة الفضيل بوعمر -أهم وأكبر معاقل النظام الأمنية في بنغازي- حيث استهدفت المتظاهرين برشاشات مضادة للطيران من عيار 12.5 و14.5 و23 مم كما أنها استهدفت الجنائز والمتظاهرين في مناطق أخرى بالرصاص الحي مما تسبب في سقوط أكثر من 150 قتيلا خلال الأيام الأولى من الثورة .

وتطورت الأحداث وتركزت تجمعات المتظاهرين أمام مقر الكتيبة، وتمكّن الثوار من اقتحام مكتب اللواء عبد الفتاح يونس -وزير الداخلية وآمر قوات الصاعقة- وطالبوه بإعلان انشقاقه مما سبب حالة ربكة للقوى الأمنية والعسكرية في بنغازي. وتمكن الثوار بالتوازي مع ذلك من اقتحام معسكر الكتيبة يوم 20 فبراير2011 مما كان بمثابة إعلان تحرير المنطقة الشرقية.

شكَّل سقوط الكتيبة يوم 20 فبراير علامة فارقة في مسيرة الثورة، فخرج عبد الفتاح يونس في اليوم التالي ليعلن انشقاقه عن النظام مما دفع مسؤولين آخرين على امتداد مراحل الثورة الأولى للانشقاق كعبد الرحمن شلقم -مندوب ليبيا في الأمم المتحدة- وعبد الرحمن العبار –النائب العام- وسليمان محمود آمر المنطقة العسكرية بطبرق وغيرهم من المسؤولين داخل البلاد وخارجها.

كما أعلنت قوات الصاعقة عن انحيازها لمطالب الشارع وسعت لإخلاء معسكر كتيبة الفضيل أبوعمر ومسؤولي النظام بداخله دون اقتتال، ونجحت في إخراجهم من المدينة عبر المطار.

وفي ظل انهيار منظومة القذافي في الشرق بين هارب ومنشق تحولت دُشَم ومخازن التسليح الضخمة بداخل الكتائب والمعسكرات لمصادر تسليح للثوار وهو ما شكل بداية المرحلة الثانية من الثورة.

تزامنا مع الانتفاضة في الشرق الليبي تحركت مدن المنطقة الغربية كمصراتة والزاوية والزنتان ومدن الجبل الغربي وطرابلس منذ الأيام الاولى، إلا أن قبضة النظام في الغرب كانت أقوى، ونجح في إخماد الاحتجاجات في معظم هذه المدن خلال الأيام الأولى، واستمرت معارك الكر والفر حتى سقطت أغلب هذه المدن بالحصار والقصف تباعا مما ألقى بعبء المعركة الأكبر على مدينة مصراتة التي لم تشهد المواجهات فيها انقطاعا منذ بداية الأحداث.

البقية في الأجزاء التالية

____________