Minbar Libya

بقلم عبدالحكيم عامر الطويل

تنبيه ضروري لغير المتعمقين في تاريخ ليبيا القديم، الذين يتصورون أن ليبيا ما سكنها غير العرب، وما عرفت لغة غير العربية:

إذا كنت تعتبر أن الليبيين من أصل عثماني مجرد أحفاد آغوات أجانب من بقايا جيش أجنبي احتل ليبيا منذ 1551م، فبذات المعايير العلمية العسكرية والجغرافية عليك اعتبار الليبيين من أصل عربي هم كذلك أجانب من بقايا جيش أجنبي دخل ليبيا سنة 641م، حينما كان يسكنها خليط من أحفاد القبائل الليبية القديمة من تحمو وليبو ومشواش ومكاي وجرمانت… إلخ وأحفاد أمازيغ وفينيقيين ويونان ورومان ووندال وأفارقة.

هذه حقيقة تاريخية معروفة لدى المؤرخين واتفقت عليها كل المصادر المحايدة وغير المحايدة، (وبالمناسبة أنا لا أنتمي إلى أي من هذه الأصول!)

أما إذا تحجّج الليبي من أصل عربي بأن جدوده جاؤوا لليبيا لنشر الإسلام فيها وضمها للخلافة الإسلامية، فبذات المعايير تماما سيقول لك الليبيون من أصل عثماني (مش تركي!) بأنهم جاؤوا لليبيا لإعادة الإسلام إليها في 1551م بعد تحريرها من احتلال منظمة صليبية متطرفة هي فرسان القدّيس يوحنا، وإعادة ضمها للدولة الإسلامية التي كانت تظم آنذالك أغلب الدول العربية المستقلة حاليا.

كما سيقولون لك ـ وستؤيدهم في ذلك المصادر التاريخية المنشورة المتفق عليها ـ أن الجيش العثماني جاء إلى ليبيا استجابة لمطلب وفد ليبي رفيع المستوى من كبار أعيان البلاد، زار العاصمة العثمانية وألح في طلب مساعدة الجيش العثماني لتحرير بلادهم ليبيا من حكم هؤلاء الفرسان الصليبيين المتطرفين!

تركي أم عثماني؟

قبل أن استرسل أريد التوقف هنا لتحليل عقدة فكرية كثيرا ما أراها تثير الكثير من سوء الظن واللغط بين الكثير من الليبيين، فهناك فروقات بين العثماني والتركي.

نعم التركي هو الذي ينتمي إلى الجنس التركي، مثل العربي الذي ينتمي إلى الجنس العربي والصيني الذي ينتمي إلى الجنس الصيني وهكذا، أما العثماني فهو مواطن ينتمي إلى السلطنة العثمانية، التي شملت عدة شعوب أوروبية وأسيوية وأفريقية.

فهناك العثماني الجورجي، والعثماني الشركسي، والعثماني اليوناني، والعثماني البوسني، والعثماني الألباني، والعثماني السوري، والعثمان المصري، والعثمان الليبي كذلك. هؤلاء كلهم كانت أراضيهم جزء من أرض السلطنة العثمانية، وكانوا بالتالي مواطنين داخل السلطنة العثمانية، فحقّ عليهم حمل الجنسية العثمانية.

العثمانية إذن جنسية لا أصل، بينما التركية أصل، بالتالي فكل تركي عثماني.

نعم، لكن ليس كل عثماني تركي، مع ملاحظة أن قانون الجنسية العثماني كان قد صدر يوم 19 يناير 1869م وصار بالتالي أجداد الليبيين الحاليين بداية من هذا التاريخ “عثمانيين” (أو “ترك” إذا شئت!).

ليبيون أوروبيو الأصل؟

هناك كذلك الكثير من الليبيين من أصل أوروبي قديم.

نعم، لكن ما لا يعرفه الكثير من العنصريين هو أن أغلب أجداد هؤلاء لم يأتوا بلادنا برغبتهم ولا اختاروها بمحض إرادتهم لسكنها! إنهم فقط أحفاد “أسرى” البحرية الليبية الذين كانوا بالصدفة على متن بعض السفن التي أسرتها البحرية الليبية أيام حربها مع الأساطيل الأوروبية بعد سقوط الأندلس.

أغلب هؤلاء كانوا نساء وأطفال وتجار مدنيين أبرياء لا علاقة لهم بالحرب الدائرة، لكن يشاء حظهم أن تعجز عائلاتهم على دفع فديتهم، فأمضوا ما بقي من أعمارهم داخل سجون طرابلس، ثم ما بقي من شيخوختهم في زقاقاتها بعد إطلاق سراحهم لشيخوختهم أو لدخولهم الإسلام، في فقر مقدع، هؤلاء الذين يعتبرهم بعض الليبيين أجانب وجب طردهم يجب على الليبيين أن يعتذروا رسميا لهم ويعوضونهم عن كل سنوات السجن والفقر التي أمضوها في بلادنا بلا أي ذنب ارتكبوه.

كما وجب تقديرهم بشكل خاص لأنهم ارتضوا بليبيا وطن نهائي لهم، وبالجنسية الليبية جنسية لهم رغم الظلم والفقر والتهميش الذي أصابهم، حتى أنهم لم يرفعوا لا هم ولا أي من أبنائهم وأحفادهم أي دعوى ضرر وتعويض على أي من الحكومات الليبية السابقة!.

حتى الأمازيغ أجانب؟

نعم إلى حد كبير!

فالتحليل المورّثي (الجيني) قد أثبت أن أجداد الأمازيع قادمين إلى ليبيا من شرقها! وحينما وصولها لم يجدوا ليبيا خالية من السكان وإنما وجدوا أحفاد التحمو والليبو والمشواش والمكاي والجرمانت وغيرهم منتشرين في أنحاء ليبيا!

فعاشو بينهم واختلطوا بهم، حيث من الثابت الآن أثريا وتاريخيا وجينيا إن التحمو والليبو والمشواش والمكاي والجرمانت وغيرهم هم أول من سكن ليبيا. إن التحليل الجيني ذاته أثبت أن أصلهم قادم من عمق أفريقيا قبل وصول أجداد الأمازيع إلى ليبيا، (من كينيا تحديدا!).

هذا يعني أنه لو كان هناك “ليبيين صحاح” فهم هؤلاء! (إذا استعملنا هذا المصطلح المتداول رغم إنني أتحاشى عنصريته!)، مع ضرورة التنبيه إلى أن التحاليل الجينية أثبتت أن أحفاد هؤلاء ما زالوا موجودين بيننا تحت أسماء عائلات أمازيغية وعربية (وربما حتى عثمانية!)، كان الكثير منهم يجهل حقيقة أصله هذا.

لكل هذا كم يؤلمني أن دعاة العنصرية بيننا يجدون المتعة في التنقيب عن أصول مكونات الشعب الليبي التي ذابت ونسبت منذ آلاف السنين “بلا أي منهج علمي”، ولا معرفة بتعريفات الأصل والجنسية وحقوق المواطنة والفروق بينها، لذا أجد نفسي أكرر دائما هذه البديهة العلمية ـ القانونية ـ المزدوجية:

أولا: الأصل هو حق جيني إلهي لا نملك تغييره

فلم يختر أحد من ليبيي اليوم ليبيا كموطن له، إذ لم يستشرهم أجدادهم في ذلك! (ربما لو استشاروهم لاختاروا الميلاد والإقامة في دولة أخرى!) لذا بدل الالتهاء بتنمية بلادنا المنهارة في كل شئ .. يشتغل البعض بمحاسبة مواطن على خيارات أجداد أجداده!! خيارات غيره نفذها غيره منذ مئات السنين .. قبل حتى نشوء الدولة الليبية اليوم وصدور قانون جنسيتها في 1954!

ثانيا: إما الجنسية فهي حق قانوني

حق نمتلك اختياره وتغييره، حيث نكتسبه إذا قابلت وضعيتنا القانونية شروط قانون الجنسية الليبي، سواء الأول الصادر في 1954 أو جديده الصادر في 2010 والذي لا تختلف مادته الثانية (التي تحدد من هو الليبي) عن أولى مواد القانون الأول حرفيا.

المادة تشترط في الليبي أن يكون مقيما في ليبيا إقامة عادية قبل صدور الدستور الليبي في 7 اكتوبر 1951، ولم تكن له جنسيات أخرى أو رعوية أجنبية، شرط أن يكون مولود هو أو أحد والديه في ليبيا، أو أٌقام إقامة عادية متواصلة لا تقلّ عن عشر سنوات متتالية فيها قبل يوم صدور الدستور، إلى غير ذلك من الشروط الأخرى.

فابحث الآن عن مدى انطباق هذه الشروط على المواطن الليبي الذي أجداده الأمازيع ولدوا في ليبيا وأقاموا فيها بشكل مستمر قبل وصول الجيش العربي في 641م (أي قبل 1310 سنة على الأقل من صدور الدستور، لا مجرد الـ 10 سنوات التي يشترطها قانون الجنسية!).

إبحث في مدى انطباق هذه الشروط على المواطن الليبي الذي أجداده أبناء موظفين عثمانيين ولدوا في ليبيا وأقاموا فيها باستمرار منذ سنة 1551، أو أوروبيين أسرتهم البحرية الليبية منذ ذات السنة ولم تطلق سراحهم لعجز عائلاتهم عن دفع ديتهم، فأمضوا ما بقى من أعمارهم في ليبيا هم وأبناءهم وأحفادهم من بعدهم بعد أن تزوجوا وعملوا فيها، أي قبل صدور الدستور بـ 400 سنة لا مجرد الـ 10 سنوات التي يشترطها قانون الجنسية!

إبحث كذلك عن مدى انطباق هذه الشروط على المواطن الليبي الذي جاء أجداده في 1711 مع بداية العهد القرمانلي كموظفين ورجال أعمال (أي قبل 240 سنة من صدور الدستور لا تلك الـ 10 سنوات التي يشترطها قانون الجنسية!)، حيث انتقلوا إلينا ببراءة وبشكل قانوني من أرض عثمانية إلى أرض عثمانية أخرى من ذات البلاد، مثلما ينتقل اليوم موظف من بنغازي إلى سبها ألى طرابلس للعمل والإقامة فيها، (أو مثلما انتقل تبو أوزو إلينا في ثمانينيات القرن الماضي!!)، فليبيا آنذاك كانت مجرد محافظة كبيرة من محافظات الدولة العثمانية تُعرف باسم “باشاوية طرابلس الغرب“.

إبحث كذلك عن مدى انطباق شروط قانون الجنسية الليبي على المواطن الليبي الذي جاء أجداده مع العهد العثماني الثاني كموظفين عثمانيين آخرين بعد انتهاء حكم الدولة القرمانلية في 1835، حيث حكمنا العثمانيون مباشرة حتى السنة التي انتقل فيها مصيرنا إلى الإحتلال الإيطالي في 1911، (أي أنه مقيم قبل 116 سنة من صدور الدستور لا مجرد الـ 10 كما يشترط قانون الجنسية!).

إبحث كذلك عن مدى انطباق هذه الشروط على المواطن الليبي الذي كان أجداده يونان مسلمين ولدوا في شرق ليبيا وأقاموا فيها باستمرار منذ طَردَهم اليونانيون المسيحيون سنة 1898 ضمن حرب استقلالهم عن السلطنة العثمانية (أي قبل 53 سنة من صدور الدستور، لا منذ 10 سنوات فقط كما يشترط قانون الجنسية!).

مأساة حقا أننا بعد كل هذه القرون من الإقامة وبعد أكثر من 60 سنة من صدور قانون الجنسية الليبي ما زال كثيرون منا يلوكون أساطير الأصل، جاهلين تماما بمعاني الأصل والجنسية والوطنية والفروقات ما بينها، في الوقت الذي تجاوزت فيه الأمم المتحضرة هذا الملف، وصارت تعطي الجنسية لم يقيم إقامة حسنة فيها لـ 5 سنوات فقط!!!

هذه الأمم تجاوزت ملف الجنسية منذ عقود، لانشغالها ببناء أوطانها وتطويرها بالاعتماد على الخبرات والكفاءآت بغض النظر عن أصلها، حتى أنها تجاوزت أهدافها الأرضية إلى هدف عالي سامي هو استعمار القمر والمريخ! حيث تستعد الآن أكثر من دولة متطورة لإنشاء محطات فضائية مستقرة فوق القمر وأخرى على المريخ، غير أنني حقا لا أعرف الجنسية التي سيهبها الليبيون لمن سيولد من أبنائهم على هذين الكوكبين!.

***

عبدالحكيم عامر الطويل ـ كاتب وباحث ليبي ومهندس نووي، ورئيس تجمع ضحايا القانون 88 لسنة 1975. كاتب في التاريخ الليبي وفي النقد الإجتماعي والآثار الليبية، والثقافة والشؤون النووية العلمية . عبدالحكيم خريج جامعة طرابلس ـ قسم الهندسة النووية، ويعتبر من رائد أدب الخيال العلمي الليبي، حيث يعتبر أول من كتب قصص الخيال العلمي للكبار في ليبيا. السيد الطويل هو عضو في العديد من الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني ومنها إتحاد الصحفيين العرب، الرابطة العام للصحفيين الليبيين، والجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي والجمعية الليبية للوقاية من الإشعاع.

_____________

المصدر: مجلة الفصول الأربعة ـ العدد رقم 124 (يناير 2020)