Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

منذ ثورة فبراير/شباط 2011، لم تعرف ليبيا إلى حد الآن طريقًا نحو تسوية سياسية سلمية تقطع مع حالة الفوضى وانعدام الاستقرار والأمن.

الجزء الأول

المواطنون في ليبيا يعيشون على وقع النزاع المسلح الذي أثر على جميع مناحي الحياة وخلق وضعًا جديدًا يتمثل في تشابك الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية بشقيها الجسدي والنفسي.

ويُعد الأطفال في ليبيا الفئة الأكثر تضررًا من الحرب نظرًا لاستهدافها من المليشيات والجماعات المسلحة بالقتل والاختطاف أو بتوظيفها في دائرة الصراع من خلال عمليات التجنيد.

مع غياب مؤسسات الدولة في ليبيا بفعل الصراع الذي عرف أشده بين حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس وقوات الشرق بقيادة اللواء المتقاعد منذ أبريل/نيسان 2019، يعيش الأطفال الليبيون في أتون جحيم مستعر لوقوعهم في دائرة الاشتباكات أو استهدافهم مباشرة بالقذائف وصواريخ الطائرات دون طيار.

هذه الحقيقة أكدتها أرقام الضحايا التي أوردتها تقارير البعثة الأممية والمنظمات الإنسانية العاملة على الأرض.

ضحايا الحرب

قلما خلت قوائم الموتى في ليبيا التي تعرضها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية بصفة دورية من أسماء لأطفال سقطوا نتيجة الاشتباكات المتبادلة والقصف العشوائي على الأحياء والتجمعات السكنية، فيما كان نصيب الآخرين إصابات بليغة وصلت حد بتر الأطراف تسببت فيها شظايا أخطأت مساراتها فلم تفرق بين بيوت آهلة ومدارس كانت في وقت سابق آمنة.

الحرب الأخيرة التي شنها اللواء المتقاعد من أجل إسقاط الشرعية في ليبيا المتمثلة في حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، زادت المشهد الليبي تعقيدًا والأزمة اتساعًا خاصة مع دخول جهات أجنبية إلى ساحة القتال بعتادها وفرق مستشاريها العسكريين كفرنسا والإمارات، والأخيرة اتهم طيرانها المسير الداعم للمتمرد حفتر في وقت سابق، باستهداف مدنيين بينهم أطفال (حادثة منطقة أم الأرانب).

قوات الشرق المدعومة أيضًا بعناصر من مرتزقة شركة فاغنر الروس وجنجويد السودان، تسببت في واحدة من المآسي الإنسانية التي تعرض لها المدنيون في طرابلس، بعد أن استهدفت قذائفهم العشوائية منزلًا بضاحية الفرناج القريب من العاصمة وقتلت 3 أطفال فيما تسببت الشظايا في بتر ساق الطفل الرابع.

هذا الأمر دفع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) للتحذير مجددًا من أن استمرار الاقتتال في العاصمة “يمثل خطورة بالغة على عشرات الآلاف من الأطفال”، مطالبة بتجنيبهم ويلات الحرب والعمل على دمجهم سريعًا في العملية التعليمية.

من جهتها كشفت المبعوثة الخاصة بالإنابة إلى ليبيا ستيفاني ويليامز في كلمتها أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف أن عدد النازحين في ليبيا جراء الصراع المسلح نحو 430 ألفًا، مشيرة إلى أن أعداد القتلى والجرحى غير محددة.

بعثة الأمم المتحدة أوضحت في وقت سابق أن مع انسحاب قوات حفتر والجماعات التابعة لها من طرابلس، تركوا وراءهم أفخاخًا وألغامًا وعبوات ناسفة مرتجلة في أعقابها، ما تسبب في مزيد من القتلى والجرحى بين المدنيين وتعريض أفراد الأمن المكلفين بإزالة هذه العبوات القاتلة للخطر.

منظمة “يونيسف” أشارت إلى أن 60 ألفًا من الأطفال اللاجئين والمهاجرين الموجودين حاليًّا في المناطق الحضرية، هم أيضًا في غاية الهشاشة خاصة الأطفال غير المصحوبين أو المحتجزين، والبالغ عددهم 15 ألف طفل، مشيرة إلى أن هؤلاء الأطفال تعسر عليهم الوصول لخدمات الحماية والمعيشة ما يعني أن النزاع المتصاعد زاد من المخاطر التي يواجهونها.

وأوضحت المنظمة أن تدهور الأوضاع أجبر أكثر من 150 ألف شخص بينهم 90 ألفًا من الأطفال، على الفرار من منازلهم ليصبحوا الآن في عداد النازحين.

وسبق لذات المنظمة التحذير من مخاطر الحرب على الأطفال في ليبيا، ودعت العالم أجمع ألا يقبل بهذا الوضع، قبل أن تشير إلى أنها تلقت تقارير عن تعرض الأطفال إلى الإصابة بجراح أو القتل، بالإضافة إلى تجنيد الأطفال في القتال.

تجنيد الأطفال

يبدو أن اللواء المتقاعد استنجد بكل ما يتاح لديه من أجل إنجاح حملته العسكرية التي أطلقها منذ 2014 (عملية الكرامة)، فإضافة إلى الشركات الأمنية فاغنر الروسية ومرتزقة الجنجويد وبعض المقاتلين الروس، ألحق حفتر الأطفال في صفوف مليشياته معتمدًا على الإغراءات المالية التي يُقدمها بسخاء والظروف الاقتصادية التي تمر بها بعض الأسر في الشرق والجنوب.

بعد النكسات الأخيرة التي تعرض لها حفتر على أسوار طرابلس والهزائم التي مني بها في غريان وترهونة وغيرها من المدن التي كانت تحت سيطرته، كشفت وسائل الإعلام المحلية عن العثور على مقبرة جماعية بمنطقة الساعدية جنوبي العاصمة، تضم رفات 18 قتيلًا من بينهم أطفال، ما يشير إلى مشاركتهم ضمن مقاتلين وجدت رفاتهم في المقبرة نفسها، الأمر الذي يُعزز صحة الفرضيات ويجعلها ترقى إلى مستوى الحقائق الثابتة على استخدام حفتر الأطفال في حروبه على مدار السنوات الماضية.

منظمة التضامن لحقوق الإنسان (أهلية ليبية) أثبتت هي الأخرى أن جريمة تجنيد الأطفال ليست جديدة في حروب حفتر، فخلال عام 2015 نشرت المنظمة عددًا من الصور ومقاطع الفيديو التي تؤكد استخدام حفتر الأطفال في حروبه، ومن بينها مقطع فيديو لطفل لا يتجاوز عمره 15 عامًا يتدرب في بنغازي على إطلاق الرصاص.

كما نشرت الفرقة الأولى التابعة لمديرية أمن مدينة الزاوية (غرب طرابلس)، صورًا ومقاطع فيديو لأسرى من قوات حفتر من بينهم أطفال لا يتجاوز عمرهم 17 سنة.

كانت منظمة “يونيسف” قد حذرت في وقت سابق من مغبة استخدام الأطفال كوقود للحرب، مؤكدة أن نحو نصف مليون طفل في العاصمة طرابلس، بالإضافة إلى عشرات آلاف الأطفال الآخرين في المناطق الغربية، يتعرضون للخطر المباشر نتيجة اشتداد القتال.

في ذات الإطار، فإن عمليات اجتذاب الأطفال في سن المراهقة للانخراط في صفوف المليشيات المسلحة يعود بالأساس إلى العوامل التالية:

  • تأثير الحرب على نفسية هذه الفئة.
  • انتقال السلاح من لعبة إلى أداة لإثبات الذات.
  • انتقام الطفل لذويه ومقتل أحد أفراد الأسرة (الأب أو الأخ).
  • انخراطه في التنظيمات المسلحة يضمن له راتب قار و(غنائم) يجنباه أزمات السيولة.

مافيا الحرب

إضافة إلى أشكال العنف المعهودة التي تستهدف الأطفال الليبيين في ظل النزاع المسلح المتواصل كالقتل بالرصاص أو عن طريق القذائف أو تبعات التهجير (أطفال تورغاء) واليتم، أصبحت هذه الفئة معرضة للخطف الذي يصنف بدوره ضمن التجاوزات الخطيرة والمؤذية.

هذه الظاهرة تطورت خلال السنوات الأخيرة في البلد الذي طغى عليه الانفلات الأمني وغياب الاستقرار مما جعل حياتهم أشبه بجحيم.

ظاهرة اختطاف الأطفال جريمة يُعاني منها أغلب البلدان في العالم نظرًا لتزايدها من جهة وتعدد أسبابها وكذلك لاختلاف أنماطها وطرقها من جهة أخرى.

لكن تحولها من جريمة بسيطة إلى شبكة معقدة تنشط فيها مافيا دولية عابرة للحدود، يُشكل إشكالًا حقيقيًا لحكومة الوفاق وهاجسًا يؤرق العائلات الليبية في الشرق كما في الغرب

فالاختطاف يعد خرقًا واضحًا لحقوق الطفل الأساسية المتعارف عليها كحقه في الحياة والكرامة، غير أنه في ليبيا يُعد أسلوب حرب تنتهجه المليشيات المسلحة (قوات حفتر) لأغراض متعددة منها ترهيب الأهالي وتركيعهم والضغط عليهم مقابل تنازلات إما سياسية وإما لغرض المال من خلال طلب فدية لإطلاق سراح أبنائهم كما حصل في درنة وغيرها من المناطق.

البقية في الجزء الثاني

***

أنيس العرقوبي ـ محرر في نون بوست

__________