Minbar Libya

في الخطوط الأمامية لحروب القرن الحادي والعشرين التي شهدها الشرق الأوسط، ظهر مقاتلون أجانب يحاربون بالوكالة، وهو أمر يستمر بفرض نفسه في صراعات عديدة ويشير إليه محللون كثر باعتباره جرس إنذار لإمكانية تحكم هؤلاء في المنطقة على مدار السنوات المقبلة.

انقسم المقاتلون الأجانب إلى نوعين:

النوع الأول “جهاديون” اجتذبتهم منظمات وجماعات دينية وعرقية إلى حروب المنطقة، من خلال دوافع أيديولوجية ونفسية، فسيطروا على أجزاء من العراق وسوريا وغيرها من مناطق الشرق الأوسط.

أما النوع الثاني فأُطلق عليهم تصنيف الـ”متعاقدين أجانب“، وهؤلاء مرتزقة تم تجنيدهم من قبل دول فعالة من خلال إغراءات مالية لأداء مهام قتالية ولوجستية وخدمية، وقد نجحوا مثلاً في السيطرة على مفاصل بعض دول المنطقة مثل التحكم في آبار النفط في ليبيا.

وبينما جرى تصنيف “الجهاديين” كإرهابيين وتشكلت تحالفات دولية هزمتهم في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من بلدان المنطقة، لا يزال المتعاقدون – وإن كانت تخرج تقارير تنتقد دورهم – بعيدين عن الملاحقة القانونية الجدية، لأن توظيفهم يجري من قبل دول بعضها أعضاء دائمين في مجلس الأمن. 

و”المتعاقدون” نوعان:

.النوع الأول يشارك في حروب خارجية من خلال دول وشركات وسيطة

النوع الثاني يشارك ضمن القوى الأمنية للدول ويظهر بشكل أساسي في منطقة الخليج.

مرتزقة وجنود

باتت تركيا نموذجاً في تجنيد المقاتلين في حروبها بالوكالة، سواء في الصراع الليبي أو الأذربيجاني الأرميني، إذ نقلت مئات المقاتلين من سوريا إلى ليبيا لمساعدة حكومة الوفاق المعترف بها دولياً في طرابلس في التصدي لهجوم الجنرال خليفة حفتر.

وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن مجموعة من المقاتلين السوريين من محافظة إدلب، تم تجنيدهم في الأسابيع الأخيرة للعمل لدى شركة أمنية تركية خاصة تعمل في أذربيجان.

وتنفي أنقرة هذه المزاعم، متهمة أرمينيا بالاستعانة بمسلحين أكراد للمساعدة في تدريب المقاتلين الأرمن في منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها.

لكن أنقرة ليست وحدها في هذه الظاهرة. نشرت شركة “فاغنر”، وهي شركة أمنية خاصة مرتبطة بالكرملين، مرتزقة في ساحات القتال في العالم، بداية من شرق أوكرانيا إلى سوريا وليبيا وأفريقيا الوسطى وأوغندا. وبتمويل من دولة الإمارات، عمل آلاف المقاتلين السودانيين كقوات برية في الحروب الأهلية في اليمن وليبيا.

كذلك أرسلت إيران آلاف المقاتلين من عدة دول، وخصوصاً أفغانستان، من أجل القتال بجوار القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد.

لجأت دول الخليج التي تعاني من قلة عدد مواطنيها الذين يمكن تجنيدهم في قواتها المسلحة إلى توظيف “جنود متعاقدين” من دول عربية وإفريقية وآسيوية.

في حالات نادرة بعد فترة طويلة من الخدمة، قد تتجاوز 15 عاماً، يمكن لـ”المتميزين” من هؤلاء المرتزقة أن يصبحوا مواطنين، خصوصاً في البحرين التي منحت الجنسية لعدد من هؤلاء.

ويضم الجيش الكويتي لواءاً كاملاً من مرتزقة بنغلاديشيين لشغل وظائف الدعم، منها نصب الخيام وحمل المياه وغسيل الأطباق وإعداد الطعام وغيرها من خدمات التي لم يعتد أبناء البلاد العمل فيها.

في العام 2016، كان عدد الجنود المتعاقدين يمثلون ما بين 25% و50% من القوات المسلحة النظامية في الكويت، لكن بعض الخبراء يرون أن نسبة الأجانب بين عموم الجنود أقرب إلى 80 في المئة، بحسب تقرير لـ”كارنيغي”.

وأشارت بعض التقارير الحقوقية إلى أن 64% من الموظفين في وكالة الأمن القومي البحرينية في عام 2009 كانوا من غير البحرينيين. وقال عبد الهادي خلف، وهو معارض بحريني يعيش في الخارج، إن “عموم الجنود في الجيش والشرطة وقوات الأمن في البحرين تكاد تتكون بالكامل من مجندين أجانب”.

وقالت تقارير باكستانية إن 10 آلاف مواطن باكستاني يعملون في الجهاز البحريني الإلزامي، ويشكل الموظفون الباكستانيون 18% من القوات الجوية البحرينية، كما أفادت تقارير حقوقية أن النظام قد نشر هؤلاء المرتزقة في مواجهة المحتجين.

أما سلطنة عُمان فتُعد من أقل دول الخليج التي توظف الأجانب المتعاقدين لأسباب اقتصادية، كما أن العُمانيين يرغبون في أداء الخدمة العسكرية في قوات المسلحة لأنهم يرون أنها مرموقة ومربحة نسبياً بل كانوا يعملون في خدمة جيوش أخرى مثل الجيش الإماراتي. ومع ذلك قاموا بتجنيد عدد من المقاتلين من أصول العمانية القديمة، وخصوصاً من شرق إفريقيا.

وتتكون القوات المسلحة القطرية من أغلبية ساحقة (بنسبة 85%) من المرتزقة الذين تم تجنيدهم من باكستان والسودان، ومؤخراً من كولومبيا. وجندت الدوحة ستة آلاف صومالي عام 2016 وما لا يقل عن 360 فرداً سودانياً في قواتها الأمنية.

ويؤكد أحد الخبراء أن القوات البرية السعودية في اليمن تتكون بكاملها تقريباً من جنود متعاقدين، بمن فيهم يمنيون تم تعيينهم محلياً، وكانوا في السابق يوظفون عشرات الآلاف من الباكستانيين ولقنوهم تعاليم وهابية متشددة.

وينحدر ما لا يقل عن 70 في المئة من المجندين في الإمارات من عُمان واليمن. وفي الآونة الأخيرة، أبدت الإمارات رغبة قوية في تجنيد الكولومبيين الذين يتمتعون بعقود من الخبرة في قتال حرب العصابات.

وأبرم مئات من الكولومبيين عقوداً مع الإمارات، لأن رواتبهم أعلى عدة مرات من دخلهم في وطنهم، كما تم التعاقد مع مئات السودانيين وأرسلوهم للقتال إلى اليمن.

وكشفت تقارير أن الإمارات تتعاقد مع شركات أمريكية مثل شركة “Reflex Responses” التي أسسها ويديرها إريك برنس الذي ارتبط اسمه بشركة “Blackwater” في العراق.

وحصلت هذه الشركة على عقد بقيمة 529 مليون دولار لتعزيز الجيش الإماراتي بمقاتلين من تشاد وتشيلي وكولومبيا وليبيا وبنما والنيجر والصومال والسلفادور والسودان وأوغندا، وجنسيات أخرى.

وظهر أيضاً أن دولاً تقوم بهذه المهمة مثل السودان التي أرسلت آلاف الجنود من قواتها الرسمية إلى اليمن للقيام بمهام عسكرية نيابة عن القوات السعودية في مقابل إغراءات مالية ومساعدات اقتصادية للخرطوم.

كما ذكرت تقارير بريطانية أن لندن أرسلت جنوداً رسميين إلى السعودية للعمل ضمن القوات المسلحة السعودية برواتب تدفعها المملكة.

لماذا يذهب المرتزقة للقتال؟

يجمع هؤلاء المرتزقة الذين جرى تجنيدهم سواء من سوريا أو من أوكرانيا أو أفغانستان أو كولومبيا أنهم جاؤوا للقتال في مقابل رواتب شهرية كبيرة. وعلى سبيل المثال، قال محاربون سوريون إن تركيا صرفت لهم ألفي دولار وهو مبلغ ضخم بمقارنة بالعملة السورية المنهارة أو الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بلادهم.

في ليبيا، وعد حفتر شركة “فاغنر” بمنحها “النفط وبناء السكك الحديدية والطرق السريعة، وأي شيء تريده روسيا”، مقابل القوات والأسلحة ودعمه في الأمم المتحدة.

وقال الباحث في العلاقات الدولية إياد المجالي لرصيف22 إن تراجع تأثير حراك الجماهير الشعبية في أغلب دول الربيع العربي دفع بالعديد من أبنائها إلى البحث عن ملاذات جديدة في أعقاب عدم توفر الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لفئات واسعة منهم، لتحقيق أهدافهم في المشهد السياسي القائم.

وبرأيه، فإن دخول المرتزقة في معادلات القتال، عبر أجندات ومشاريع أنظمة سياسية وإقليمية خارجية، أصبح منفذاً لتلك الفئة ومصدراً للرزق ومُسوّغاً للاندماج في مشاريع التوسع والهيمنة والنفوذ وأهداف تلك السلطات في مساراتها العسكرية والسياسية.

من الناحية الأخرى، كان الهدف من توظيف المرتزقة في الخليج هو القيام بمهام لا يقوم بها أبناء البلد أو لا يرضون القيام بها برواتب متدنية، كمهام النظافة وإعداد الطعام، كما جرى استغلال المرتزقة في كبح الاحتجاجات الداخلية، مثلما حدث في البحرين، وأخيراً تم إرسالهم إلى ساحات القتال باسم بعض الدول كالقوات السعودية والإماراتية في اليمن أو لمساعدة أطراف حليفة أخرى كليبيا.

وتشير تقارير إلى أن دول الخليج ترى أن تكلفة المرتزقة أقل مالياً من تجنيد أبنائها، كما لا تؤدي إلى غضب داخلي في حال قُتلوا في العمليات العسكرية، سواء كانت المحلية أو في الخارج.

من جانبه، رأى المجالي أن تجنيد المرتزقة في الحروب يشكل وسيلة عسكرية غاية في الأهمية تستثمر فيها الأنظمة ذات الأهداف التوسعية والمصالح الاستعمارية لتجنب المواجهة المباشرة وخوض معارك حاسمة لجر الخصم الى حرب استنزاف بالوسائل العسكرية التقليدية.

وأضاف المجالي إن مهام المرتزقة تشتمل على عمليات عسكرية مباشرة ومناوشات متقطعة وتعطيل الإمدادات، ما يضغط ويضعف من إمكانيات الخصم، وهي استراتيجية تسعى لتحقيق أهداف جيوسياسية على حساب أزمات الدول وأنظمتها السياسية، وعلى أراضيها.

ولفت إلى أن تفكك دول المنطقة خلال ثورات الربيع العربي وحدوث فراغ سياسي بفعل تدخل هذه القوى، مكّن أطراف داخلية وخارجية من توظيف المرتزقة كاستراتيجية عسكرية تستنزف قوة الأنظمة السياسية وإمكانياتها وطاقاتها في مواجهة هذه الجموع من المرتزقة والجماعات، تحت شعارات هي بالمجمل دينية مؤدلجة.

وقال المحلل الأمني سيد زيد زمان حميد إن سمة الحروب هذه الأيام أنه يتم خوضها من خلال المرتزقة، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة كانت أول من استخدم هؤلاء تحت مسمى “متعاقدين عسكريين خاصين” في أفغانستان وأماكن أخرى.

وقال المحلل الأمني لرصيف22 إن ثمة حاجة لهؤلاء المتعاقدين العسكريين أو المرتزقة لأن تكلفة الحرب تكون منخفضة من حيث الخسائر البشرية والتكاليف المالية والدعاية السلبية في الداخل، ما يسمح للسياسيين بالاحتفاظ بأصواتهم دون دعاية سلبية أو أصوات مقاومة للحروب التي يخوضونها.

وأضاف المحلل الأمني: “من الأرخص والأكثر منطقية أن تدفع الدول لشخص آخر ليموت من أجلها بدلاً من إرسال أبنائها للموت… ويمكن للمقاولين العسكريين الإفلات من جرائم الحرب التي يصعب على الجيوش النظامية إدارتها”.

وقال حميد إن المرتزقة ليسوا طرفاً في أي من اتفاقيات الأمم المتحدة أو اتفاقيات جنيف، لذا يستخدمون الوحشية في ساحة المعركة ولا يخضعون للمساءلة بموجب قوانين الأمم المتحدة أو الدول المستأجرة.

بالعودة إلى كلام المجالي فهو حذّر أيضاً من خطر تكاثر من يعملون كـ”جنود ظل” للأنظمة السياسية التوسعية ذات الاستراتيجيات العدوانية والاستعمارية، وذات المصالح والأهداف قصيرة المدى.

وقال المجالي: “تنسجم الإجابة على هذا التساؤل مع فرضية أن المشهد السياسي في المنطقة يفتح الباب مشرعاً أمام العديد من التنظيمات الإرهابية من المرتزقة لتحقيق أهداف أوسع وأشمل على الساحة الإقليمية، ولكنها ربما لن تصل لمرحلة حكم المرتزقة للمنطقة فيبقون مجرد أدوات تقبض ثمن عملياتها”.

___________