Minbar Libya

بقلم يوسف لطفي

تهدف هذه الورقة لاستعراض الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي على امتداد مراحله السابقة منذ اندلاع الثورة الليبية في فبراير2011 وحتى هجوم 4 إبريل 2019 الذي شنته قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس وما تبع ذلك من آثار على المشهد السياسي والأمني.

الجزء الثالث

سادسا: المواجهة العسكرية والتدخل الدولي

انتقلت الثورة للمرحلة الثانية وحمل ثوار الشرق السلاح، وبدأوا بالحشد والتجهيز في معسكرات النظام للانطلاق نحو أجدابيا والبريقة وراس لانوف (مدن الهلال النفطي). ونجحوا في تحرير هذه المدن لكنهم سرعان ما وقعوا ضحية كمائن عسكرية فأُسر وقُتل عدد كبير منهم وتراجعوا لبنغازي.

واستمرت معارك الكر والفر حتى 16مارس 2011 حيث شنت قوات النظام هجوما عنيفا على عدة جبهات شرقا وغربا، واستمر الهجوم لعدة أيام استعاد فيها النظام السيطرة على عدة مدن مثل أجدابيا والبريقة شرقا ونالوت وككلة غربا، لكن عجز النظام عن السيطرة على مدن كمصراتة والزنتان.

المرحلة الثالثة من الثورة الليبية

مثَّل تاريخ 19 مارس 2011 بداية المرحلة الثالثة من عمر الثورة إذ شهد في نصفه الأول مواجهات عنيفة ودامية مع قوات النظام شرق البلاد وغربها ثم شهد نصفه الثاني بداية من الساعة 6 مساءً انطلاق عملية “فجر الأوديسا” أو “الحامي الموحد” لتحالف الناتو بموجب القرار 1973 لمجلس الأمن والتي تولى تنفيذها بشكل أساسي كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وكانت هذه بداية التدخل الأجنبي الذي قلب الموازين العسكرية لصالح الثوار.

استمرت ضربات التحالف من الطائرات والبوارج الفرنسية والأمريكية والبريطانية، لكن كانت فرنسا الأكثر مشاركة وحماسة ففي حين أحجمت أوروبا والولايات المتحدة عن التدخل العسكري دفعت فرنسا بقوة نحو هذا الخيار، ونجحت في تمرير القرار بدعم بريطاني\أمريكي -لاحقا- كما أنها كانت أول من اعترف بالمجلس الانتقالي كممثل شرعي وحيد لليبيا.

وكانت فرنسا سباقة في إرسال وفودها للبلاد، ولم تتردد -في مرحلة متقدمة من عمر الثورة- في تجاوز حدود تفويض عملية فجر الأوديسا لتنقل المهمة من حماية المدنيين وفرض حظر جوي إلى “إسقاط النظام” عبر تكثيف الضربات الجوية والبحرية على معسكرات قوات القذافي، وإرسال خبراء ومستشارين عسكريين لتقديم الدعم للثوار .

تكبدت قوات القذافي خسائر كبيرة وأُجبرت على التراجع على إثر ضربات التحالف، ورغم تضعضع قوات القذافي وتراجعها، إلا أن ضربات التحالف في الجبهة الشرقية شهدت جمودا لفترة من الزمن، وتبع هذا الجمود ظهور خلافات بين أعضاء التحالف للعلن، فأعلنت الولايات المتحدة عن سحب معظم قواتها من المهمة وواجهت على إثر ذلك انتقادا فرنسيا لاذعا، لتعلن بعدها بأيام أنها لم تنسحب من المهمة بالكامل.

ومن خلال المواقف الدولية التي أحاطت بالأحداث آنذاك يمكن استشفاف أن الدول الرئيسية في التحالف لم تتفق على استراتيجية موحدة لهذه العملية، وفي مرحلة لاحقة بدا واضحا أن “المجتمع الدولي” لم يهدف ابتداءً لإسقاط النظام وإنما لإضعافه عسكريا والضغط عليه عبر العقوبات لإيجاد “حل وسط”.

ويعزز هذه المزاعم أن التدخل العسكري الغربي جاء بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الثورة وسط تردد وعزوف معظم الدول عن العمل العسكري. وقد سبق التدخل العسكري مساع دبلوماسية ومطالبات دولية وإقليمية متكررة للقذافي بالتنحي عن السلطة للوصول لحل وسط، فبعد اجتماع الاتحاد الأفريقي مع مسؤولين بريطانيين يوم 7 مارس 2011 أصدر بيانا يدعو فيه للحل السلمي في 11 مارس 2011، ودعت الجامعة العربية أيضا في اليوم التالي لإيجاد “حل وسط”.

كما أكد على هذا المسار رئيس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في 13 مارس2011 بعد اجتماعه مع الجامعة العربية في القاهرة. وتتابعت الدعوات من أطراف دولية وإقليمية لدعم هذا المسار. ويبدو أن القذافي أوحى للأطراف الدولية عبر قنوات التواصل أن هذا ممكن حيث صرح رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون، الذي أقرّ بأن مبعوثي حكومة القذافي على اتصال بالعديد من أعضاء حلف الأطلسي، أن “حلًا قريبًا بدأ يتبلور”.

وبالنظر لموقف فرنسا الحماسي من التدخل العسكري مقارنة بالدول الأخرى كانت هذه التصريحات تعبيرا واضحا عن غياب إجماع دولي على ضرورة إسقاط النظام.

لم يعارض المجلس الانتقالي –ممثل الثوار السياسي- هذا المسار إلا أنه تكتم على هذه النوايا حتى جاء إعلان مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا عبد الإله الخطيب الذي تحدث فيه عن نية الطرفين في الشرق والغرب البحث عن حل سياسي للأزمة.

كما صرح مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي في وقت لاحق أنه كان يأمل أن يتم التوصل لحل وسط حيث قال في لقاء مع صحيفة المجلة في 21 أكتوبر 2013 : “كنت أعول على أن يكون خطاب سيف متوازنا فلو خرج به على عامة الشعب لكان بإمكانه أن يخلف والده”، كما ذكر في نفس اللقاء أن مبعوث الأمم المتحدة عبد الإله الخطيب عرض عليه المصالحة مع النظام، فاشترط عبد الجليل إيقاف إطلاق النار وإخراج القذافي قواته من طرابلس.

كما صرح أنه كان يعول على مسؤولين من النظام لتولي زمام الأمور في المنطقة الشرقية وضرب مثالا بأبوزيد دوردة رئيس الوزراء الأسبق ومسؤول الأمن الخارجي في النظام وأكد أنه لو تولت هذه الشخصيات زمام الأمور لتمت المصالحة على حد تعبيره.

يؤكد هذا مسار الأحداث على الأرض، حيث شهدت عمليات حلف الناتو جمودا لفترة طويلة مما عطّل تقدمات الثوار في الجبهة الشرقية. وقد ظلت الجبهة الشرقية مجمدة لفترة طويلة لأسباب مجهولة. وتم تعليل هذا الجمود آنذاك بكونه ضمن استراتيجية التدرج التي يتبعها الناتو، كما تم استهداف آليات الثوار حين حاول بعضهم التقدم دون تنسيق مع التحالف، وصنفت هذه الضربات المتكررة كضربات خاطئة لحلف الناتو.

جمود الجبهة الشرقية

جمود الجبهة الشرقية وشدة المعارك في مصراتة وتزايد أعداد القتلى فيها، دفع العديد من المقاتلين من شرق البلاد للتوجه نحو المدينة المحاصرة عبر البحر. ومع انتقال تركيز النظام من الشرق إلى الغرب ونقله قواته من سرت إلى مصراتة لاستعادة السيطرة على المدينة، واستمرار تدفق الثوار عليها وشراسة المقاومة، فُرض واقع جديد أصبحت فيه المعركة على المدينة عامل حسم في نجاح الثورة أو فشلها.

ورغم شدة المعارك منذ الأيام الأولى إلا أن حلف الناتو لم يبدأ بتوجيه ضربات لقوات القذافي المحاصرة للمدينة إلا يوم 12 إبريل 2011، وهو ما قوبل باستهجان من الثوار. وفي المجمل فإن الموقف الدولي من التدخل شهد ترددا وعزوفا كبيرا من معظم الدول –حتى تلك التي شاركت في القصف- كما أن الخلافات الدولية على قيادة العملية وتذبذب الموقف الأمريكي الداخلي سبب ربكة، وربما لولا الإصرار الفرنسي والتماهي البريطاني الأمريكي معه لم نكن لنشهد تدخلا عسكريا البتة.

بداية التمثيل السياسي للثوار

مع سقوط المنطقة الشرقية في يد الثوار برزت الحاجة لتمثيل سياسي يعبر عن مطالبهم. فأُعلن عن تأسيس المجلس الوطني الانتقالي يوم 28 فبراير 2011 بعد اجتماع في مدينة البيضاء يوم 23 فبراير 2011 عقده عسكريون ومسؤولون منشقون عن النظام وقادة قبائل وشخصيات محلية أخرى تفاوتت بين محامين ورجال أعمال ونشطاء.

تشكل المجلس في معظمه من شخصيات منشقة عن النظام، فكان على رأسه مصطفى عبد الجليل –وزير العدل سابقا-، ووزير الداخلية عبدالفتاح يونس الذي أصبح قائدًا عسكريًا -إلى أن اغتيل في 28 يوليو 2011. وتولى إدارة المجلس التنفيذي محمود جبريل –أمين مجلس التخطيط والتطوير الاقتصادي- كما ضم المجلس معارضين مغتربين كعلي الترهوني ومحمود شمام وغيرهم من شخصيات لازالت مجهولة حتى اليوم، فالمجلس بدأ بثلاثين عضوًا وتضخم حتى تجاوز ثمانين عضوا كما أنه أبقى على سرية بعض أعضائه لأسباب أمنية آنذاك.

شاب هذا التمثيل الكثير من الغموض ونتج عن هذا توتر وانعدام ثقة في المجلس من قبل أهالي بعض المناطق ومعظم الثوار المقاتلين، إلا أن ضرورة المرحلة دفعت الجميع للتغاضي عن مخاوفهم المشروعة حتى يتم التحرير. وقد نجح المجلس الانتقالي على الصعيد الخارجي بسبب الدعم الدولي إلا أنه كان فاقدا للشرعية الثورية في الداخل لاكتظاظه بمسؤولين من النظام السابق وشخصيات أخرى صنفت “غير ثورية” في تقييم الشارع الليبي.

وكان هناك فصام واضح منذ الأيام الأولى بين التمثيل السياسي للثورة وقواها العسكرية على الأرض. ومع سقوط نظام القذافي وتحديد منتصف 2012 موعدا للانتخابات، بدأت عمليات الاستقطاب السياسي والمناطقي وآثارها تظهر بوضوح.

سابعا: جذور الأزمة وأقطاب الثورة

خرجت قوى الثورة العسكرية من المعركة مع النظام أكثر قوة بعد استيلائها على ترسانة أسلحة القذافي الضخمة. وكانت كمية السلاح الأكبر من نصيب مدن المنطقة الغربية التي حظيت بالنصيب الأكبر من القتال ضد النظام وخصوصا مصراتة والزنتان. ولعبت الكثافة السكانية وتركز جزء كبير من ترسانة النظام بمناطق محاذية لهذه المدن دورا كبيرا في هذا.

ونظرا لتهلهل المؤسسات العسكرية والأمنية في عهد القذافي تولت هذه الكتائب مهام الأمن والعسكرة فور انتهاء الحرب. وبطبيعة الحال تضخم عدد التشكيلات العسكرية فور انتهاء الحرب وبرزت تشكيلات وشخصيات لم تشارك بشكل فعال أو لم تشارك مطلقا في الحرب التي استمرت 8 أشهر وقُدر عدد “الثوار” المسجلين رسميا بأكثر من 200 ألف بينما لم يتجاوز العدد الحقيقي على امتداد مراحل الثورة 30 ألفَ مقاتلٍ في كل أنحاء البلاد.

شكل هذا التضخم الغطاء المناسب لأزلام النظام السابق والمناطق الموالية لهم لإعادة إنتاج أنفسهم وتسليح مناطقهم وقبائلهم عبر الانضمام لهذه الكتائب وتشكيل تكتلات قوية داخلها.

وقد سهل هذا كون هذه الكتائب مناطقية بالدرجة الأولى نتيجة عوامل عدة كالآتي :

  1. التركيبة الاجتماعية للبلاد، فالهوية القبلية تلعب دورا مهما في المجتمع الليبي.
  2. مسار الأحداث في الثورة، فالتشكيلات العسكرية تأسست على أساس الدفاع عن مدنها ومناطقها.
  3. السياسات المتبعة من قبل النظام السابق في تغذية النزعة المناطقية والقبلية باللعب على وتر الصراعات التاريخية وتناقض المصالح بين القبائل والأقاليم.

أشعلت هذه النزعة بالإضافة للجرائم التي ارتكبتها قبائل موالية للنظام خلال الثورة فتيل الصراعات المحلية بين المناطق، وكان لها بمعية الدعم الخارجي الدور الأهم والأكبر في تشكيل خارطة التحالفات في المراحل القادمة. وبالرغم من أن الاستقطاب الأيديولوجي والمصالح الحزبية لعبت دورا مهما في تشكيل المشهد أيضا إلا أنها كانت ثانوية في المراحل الأولى.

كحال المؤسسة الأمنية والعسكرية كان القضاء مؤسسة ضعيفة وغير موثوقة عند الليبيين مما جعل من عملية أخذ الحقوق بقوة السلاح ورد المظالم حالة سائدة. فتصاعدت أعمال العنف والانتقام التي جاء معظمها على شكل حوادث اغتيال لأعضاء اللجان الثورية وعساكر النظام السابق وضباط الأمن الداخلي وكان أبرزها حادثة اغتيال وزير الداخلية السابق عبد الفتاح يونس العبيدي والتي تبعها حوادث عنف وانتقام كان أبرزها اقتحام مسلحين لمبنى وزارة الداخلية لتحرير أحد المتهمين باغتياله كما تبع ذلك صدام بين تشكيلات من ثوار بنغازي وقبيلة العبيدات التي هددت بإغلاق النفط والطرقات ردا على اغتيال عبدالفتاح العبيدي.

انتشار السلاح في ظل المظالم المتراكمة عبر عقود وغياب مؤسسات الأمن والقضاء أدى إلى إنتاج ظروف غير مستقرة في البلاد، وسرَّع من الصدام بين قوى الثورة والكتائب والشخصيات المنشقة عن النظام خصوصا في شرق البلاد الذي تحرر في مدة وجيزة ولم يحظ بفرصة لغربلة صفوفه لاندماج مكونات المنطقة في وعاء الثورة.

انهالت التوصيات الدولية على المجلس الانتقالي بضرورة جمع السلاح وتفكيك ميلشيات الثوار ودمجها تحت قيادة “الجيش” قبل أن تتوغل في مفاصل الدولة وتدخل خط العمل السياسي محملة بهذا الكم الهائل من السلاح، إلا أن هذا كان مستحيلا لعدة أسباب منها:

  1. غياب ثقة الثوار في تمثيلهم السياسي.
  2. التنافس القبلي والمناطقي على الريادة والمكاسب –والذي تحول لاحقا لنزاعات مسلحة وفرت غطاء لنزاعات أخرى.
  3. التخوف من عودة أزلام النظام السابق بثوب الثورة على رأس الأجهزة الأمنية والعسكرية.
  4. تمسك الثوار بالمكاسب المادية والسياسية التي حققوها حيث كانوا على يقين من ضياعها فور تسليمهم السلاح أو حل كتائبهم.
  5. تمسك الثوار بمطالبهم بتصفية الجيش من الرتب العليا وأزلام النظام.

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالقلق من كل هذه القضايا العالقة (عودة الأزلام، التنافس القبلي المناطقي، غياب الثقة في التمثيل السياسي، تضخم الكتل الثورية) وفي ظل غياب قضاء يضمن الحقوق ويرد المظالم، وغياب مؤسسات عسكرية وأمنية راسخة قادرة على استيعاب كتائب الثوار، وغياب أي تطمينات للقوى على الأرض بدأت معركة استقطاب التحالفات بين القوى العسكرية والسياسية تتبلور وبالأخص بعد انتخابات المؤتمر الوطني التي أجريت في منتصف 2012.

فظهر قطبان في المشهد:

الأول .. قطب التيار الإسلامي والتيار الثوري. وكانت كتائب ثوار مصراتة والزاوية ومعظم ثوار بنغازي الطرف الأبرز في هذا الحلف.

الثاني .. قطب حلف المهمشين –إن صح التعبير- المكون من بعض الليبراليين والعسكريين وبعض القبائل والمدن التي تضررت وفقدت امتيازاتها بسقوط النظام وتغير موازين القوى بعد الثورة. وقد نجح هذا التحالف في استقطاب كتائب ثوار الزنتان وتشكيل كتائب مكونة في معظمها من عناصر من النظام السابق تحت غطاء القبيلة لتكون ممثله على الأرض.

وبدأ الصراع بين الطرفين ومحاولات بسط النفوذ على المرافق الاستراتيجية والمؤسسات السيادية مبكرا خصوصا في المنطقة الغربية حيث يوجد أكبر تجمع للقوى العسكرية، وحيث العاصمة طرابلس التي ضمت المؤسسات والمرافق المهمة.

البقية في الأجزاء التالية

____________