Minbar Libya

بقلم أحمد عمران

غريب أمر هذه النخبة الليبية المتصدرة للمشهد السياسي، والأغرب من ذلك علاقتها براعيتها البعثة التابعة الأمم المتحدة .

المعلوم أن غسان سلامة قام في نوفمبر 2018 بنشر التقرير النهائي للمسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي الذي جمع فيه أراء ما يقارب من 6000 مواطن ليبي شاركو شخصيا في 77 اجتماعا في 43 بلدية وفي بعض مدن المهجر، بالإضافة إلى أكثر من 2000 مواطن ساهموا عبر الإنترنت من خلال 1300 استبيان وما يزيد عن 300 مشاركة مكتوبة عبر البريد الإلكتروني.

بل أن زوار موقع الملتقى الوطني الليبي على النت زاد عددهم عن 1.8 مليون مواطن ليبي حسب ماجاء في ملخص التقرير النهائي للملتقى.

التقرير النهائي وصف الملتقى الوطني بأنه جمع الليبيين من كل الشرائح والأعمار والمستويات التعليمية، من الجامعات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني والإتحادات الطلابية والفاعلين السياسيين والعسكريين والأمنيين بالإضافة إلى الحكماء والشيوخ.

فكيف يتم تجاهل كل تلك الجهود والأراء والمقترحات والتفاهمات؟

وكيف يتم فتح صفحة جديدة يتصدرها شخصيات مغمورة وبعضهم تبث فشلهم خلال السنوات الماضية يتوافدون على فنادق فتحت صالاتها لعقد اجتماعات ولقاءات وتشاورات متناثرة ومتباعدة منهجا وأسلوبا وفهما
إذن لا يمكن الربط بين ما يجري هذه الأيام وما نتج عن اجتماعات ومشاركات وحوارات مشروع الملتقى الوطني المنصوص عليه في خطة العمل الأممية.

ألم يكن من الضروري على الذين شاركوا في لقاءات القاهرة وبوزنيقة ومونترو بسويسرا والغردقة وغيرها من المدن، والذين سيتوافدون على مدينة طبرقة التونسية أن يطلعوا ويستوعبوا ـ على الأقل ـ ما وُصف في ملخص التقرير النهائي للمسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي بـ “النقاط التوافقية” التي توصّل لها المشاركون في كل ربوع ليبيا، ولعل أهمها التالي:

أولا:استرجاع السيادة باعتبارها أولوية وطنية أساسية وشجب كل محاولات التدخل الخارجي، وتكتسي وحدة ليبيا وسلامة أراضيها وحماية حدودها أهمية قصوى.

ثانيا:الحفاظ على المقدّرات الوطنية وديمومة استغلالها من خلال الإنصاف في توزيع الثروة والخدمات والإبتعاد عن كلّ أشكال التمييز بين المناطق والفئات.

ثالثا: وحدة المؤسسات السيادية والمؤسسة العسكرية وحمايتها من كل أشكال التوظيف السياسي والفئوي وتكريس جهودها لخدمة المصالح العليا للشعب الليبي.

رابعا: إنهاء المرحلة الإنتقالية بالاستناد إلى أساس دستوري توافقي يحظى برضا كل شرائح المجتمع الليبي.

خامسا:إجراء الانتخابات في ظروف تتوفر فيها شروط الأمن والشفافية وإزالة كل العراقيل أمام مشاركة الليبيين ترشحا واقتراعا.

كيف يتم استرجاع السيادة في ظل التدخل السافر للمنظومة الأمنية والإستخباراتية للنظام المصري، في حضور شخصيات من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وهيئة صياغة الدستور للمشاركة في ما وُصف بالحوار الليبي الليبي.

الأمر تم برئاسة ورعاية رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، حيث جلس المتحاورن الليبييون في غاية الإنتباه كأنهم تلاميذ نجباء يستمعون لبعض الكتبة والمتثاقفين من أدوات النظام السيساوي يلقنونهم دروسا حول الدستور، والإنتخابات الرئاسية والبرلمانية (من تجارب الصومال ونيبال والعراق !!)

فكيف يمكن الاستفادة من الخبرة المصرية في تطبيق الديمقراطية وهي من قتلت التجربة الديمقراطية المصرية الوليدة في مهدها بعد الإنقلاب على شرعية الإنتخابات التي فاز فيها الرئيس محمد مرسي ، وبعد أن اغتالته جسديا في معتقلات المخابرات المصرية.

هل يجوز لنا كمواطنين أن نتساءل عن مصير مخرجات ملتقيات 2018 التي مثلت في مجموعها وبمخرجاتها “حدثا سياسيا فارقا سمح بحوار ليبي ليبي متميز من حيث شكله ومضمونه” كما ورد في ملخص التقرير النهائي للملتقى؟

وهل لنا أن نفهم كيف يمكن لشخصيات ليبية ليس لها قدرة على التأثير العملي في الأوضاع الراهنة (اقتصاديا وعسكريا وأمنيا وسياسيا واجتماعيا) أن تتولى التفاوض حول قضايا في غاية الحساسية والأهمية دون أي تفويض من سلطة شرعية منتخبة من الشعب الليبي.

فكيف نفهم دور البعثة الأممية وهي تتلاعب بمشاعر الليبيين فتدعوهم لملتقيات موسعة لمدة شهور عام 2018، ثم تضرب بكل ما قالوه وكتبوه وعبروا عنه بعرض الحائط، وتجمع عدد قليل غيرهم بعد عامين للتفاوض والتفاهم حول قضايا محددة ولكنها في غاية الأهمية، دون أن يعيروا أي اهتمام لمخرجات لقاءات ليبية شارك فيها آلاف المواطنين من مختلف المناطق والمدن والفئات والتوجهات.

كيف للبعثة الأممية أن تستمر في ممارسة التضليل والتزييف من خلال اختيار عناصر جديدة في كل مرحلة لتمرر بها أجندة أطراف دولية معينة، وتتجاهل ما قامت بإنجازه خلال عام 2018 بجهود مكثفة شاركت فيها نخب محلية ووطنية متميزة وقادة للرأي العام، كما ورد في تقريرها النهائي للمسار التشاوري .

ثم ماذا فعلت البعثة الأممية بتلك القنوات الإتصالية المباشرة مع “بنات وأبناء الشعب الليبي” التي تمكنت من بنائها داخل القرى والمدن الليبية خلال فترة المسار التشاوري لعام 2018، وكيف تناست جهود البلديات والمؤسسات الحكومية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني التي أشرفت على تنسيق عشرات الاجتماعات لتوسيع دائرة المشاركة الشعبية.

والأهم من ذلك كيف تتجاهل البعثة الأممية شبه إجماع المشاركين في المسار التشاوري للملتقى الوطني الليبي لعام 2018، بأنهم يرفضون اتباع أساليب المحاصصة والمناطقية والجهوية والقبلية في اختيار من لهم حق المشاركة في حوارات اكتوبر 2020.

يبدو أن البعثة الأممية والدول التي تدعمها استسلهت واستمرأت الضحك على الليبيين وجعلت استراتيجية تعدد المراحل الإنتقالية وتعارضها وتفاوتها في العمق والأهمية وسيلتها المحببة لممارسة عمليات الفك والتركيب ثم الفك وإعادة التركيب لمفاصل الأزمة الليبية وبالتالي إطالة مراحلها الإنتقالية المتتالية.

البعثة الأممية جعلت من ليبيا كـ (دولة ومجتمع وشعب) مثل التي تنقض غزلها بعد إبرامه .

_____________