Minbar Libya

بقلم يوسف لطفي

تهدف هذه الورقة لاستعراض الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي على امتداد مراحله السابقة منذ اندلاع الثورة الليبية في فبراير2011 وحتى هجوم 4 إبريل 2019 الذي شنته قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس وما تبع ذلك من آثار على المشهد السياسي والأمني.

الجزء الرابع

ثامنًا: الإسلاميون ودورهم في المشهد

لطالما كان الإسلاميون محركا قويا للأحداث في البلاد، ومع بداية الثورة برزوا كفاعل مهم على الساحة العسكرية والسياسية منذ الأيام الأولى، ولعب رجاله دورا مهما في العمل العسكري على الجبهتين الشرقية والغربية فبرزت شخصيات عسكرية كـ محمد المدني من الزنتان، ومفتاح الذوادي و عبدالمنعم المدهوني من صبراتة، وعبد الحكيم الحصادي و سالم دربي من درنة، وفوزي بوكتف و عبد الجواد البدين و إسماعيل الصلابي و محمد الغرابي من بنغازي، و عبد الحكيم بالحاج و مهدي الحاراتي و خالد الشريف من طرابلس، وعبد الوهاب القايد وأحمد الحسناوي وجبريل البابا من الجنوب، ومحمد الكيلاني وشعبان هدية من الزاوية، وغيرهم الكثير من مختلف مناطق ليبيا ممن لا يسع المقام لذكرهم.

وكل هؤلاء نشطوا في مقاومة نظام القذافي،أما في المشهد السياسي فكان التمثيل الأبرز لحزب جماعة الإخوان (حزب العدالة والبناء) بعدد 17 مقعدا في المؤتمر الوطني من أصل 80 مقعدا مخصصة للأحزاب و17 مقعدا من أصل 120 خصصت للمستقلين، وحظيت بقية الأحزاب الإسلامية كحزب الوطن وحزب الرسالة وحزب الأصالة وحزب الأمة وحزب الإصلاح والتنمية بإجمالي 27 مقعدا من أصل 200، حيث شكلت مقاعد الزاوية، طرابلس، بنغازي النسبة الأكبر فيها .

ورغم قلة عدد المقاعد( 61 مقعدا من أصل 200) إلا أن الإسلاميين كان لهم الحضور الأقوى سياسيا لأسباب عدة أهمها:

  1. حضورهم القوي في الثورة .
  2. التحالف مع أهم قوى الثورة.
  3. انتماءات أعضائهم لمناطق ومدن ثورية.
  4. تمتعهم بتمثيل عسكري قوي على الأرض .
  5. تخبط الكتلة البرلمانية للخصم السياسي الأبرز ( تحالف القوى الوطنية).

حضور الإسلاميين القوي على الساحتين السياسية والعسكرية لم يقابله حضور ليبرالي بنفس القوة فعلى الصعيد السياسي لم يكن “حزب” تحالف القوى الوطنية” الذي تزعمه الليبرالي محمود جبريل والذي حظي ب64 مقعدا من إجمالي 200 مقعد حزبًا ليبراليًّا بالمفهوم الصحيح فقد كان “الحزب” تحالفا يضم مجموعة من الشخصيات المحلية ذات الشعبية ورجال الأعمال ورجال النظام السابق مثل:

  1. سفير ليبيا السابق بإيطاليا حافظ قدور -الذي ظل مواليا للنظام حتى وقت متأخر من الثورة ووصف نفسه في مكالمة مسربة مع السنوسي بأنه مخلص للنظام.
  2. عبد الرحمن شلقم الذي شغل مناصب عدة في حقبة القذافي انتهاءً بتعيينه مندوبا لليبيا في الأمم المتحدة.
  3. رجل الأعمال عبد المجيد مليقطة من الزنتان الذي كان على علاقة بالنظام قبل أن يؤسس كتيبة القعقاع في الثورة، وكانت له قنوات تواصل مع دولة الإمارات في مرحلة مبكرة.
  4. رجل الأعمال إسماعيل اشتيوي المقيم بدولة الإمارات، والذي زود حفتر لاحقا بمدرعات إماراتية في حرب بنغازي.
  5. رجل الأعمال جمعة الأسطى -عضو سابق في اللجان الثورية- مالك قناة العاصمة كما دعم الحزب رجل الأعمال الشهير حسن طاطناكي صاحب قناة ليبيا أولا -المشهور بعدائه للإسلاميين.

ملخص القول إن التحالف لم يكن حزبا ليبراليا بقدر كونه تكتل يمثل المتضررين من أوضاع ما بعد الثورة، خصوصا بعد إقرار المؤتمر الوطني قانون العزل السياسي الذي يقتضي منع كل من عمل مع النظام عن تقلد أي منصب في أجهزة الدولة – وهو القانون الذي فرضه الثوار بقوة السلاح بمحاصرة البرلمان لمدة 12ساعة– مما أدى لزيادة حدة الصراع لما نتج عنه من استبعاد تام لمعظم أعضاء التحالف وبعض أعضاء المؤتمر الوطني الممثلين لمناطق الجنوب ومناطق أخرى مثل بني وليد.

أما على الصعيد العسكري فلم تكن هناك قوى مناوئة للإسلاميين ذات توجه ليبرالي وإنما بعض القوى المنشقة عن النظام وكتائب تشكلت بعد الثورة تمثل المدن والقبائل “المنهزمة” مثل (بني وليد، ترهونة، سرت، سبها، غدامس، ورشفانه) التي تحالفت مع كتائب الزنتان (القعقاع، الصواعق) –التي تعد الجناح العسكري لتحالف القوى الوطنية – مثل كتيبة الأوفياء في ترهونة وكتيبة 138 مشاة في رقدالين وبقايا كتائب النظام في بني وليد وكتيبة الصاعقة في بنغازي التي يكن لها الإسلاميون العداء – كونها القوة التي اعتمد عليها القذافي بقيادة عبد الفتاح يونس لشن حملة شرسة على الإسلاميين في شرق البلاد في أواخر التسعينات.

هيمن تحالف الثوار والإسلاميين على المشهدين الأمني والعسكري فكانوا على رأس اللجنة الأمنية العليا التي تولت مهام أجهزة الأمن ونجحوا في تشكيل تكتلات وتحالفات عسكرية كبرى حلت محل الجيش، وفي مقدمتها قوات درع ليبيا التي انضوت تحت رئاسة الأركان بقيادة -يوسف المنقوش- وضمت تحتها معظم الكتائب الثورية الكبرى، كما شكلوا المجلس الأعلى لثوار ليبيا بقيادة وسام بن حميد – القائد العسكري لمجلس شورى ثوار بنغازي لاحقا- وغرفة عمليات ثوار ليبيا – التي كان لها الدور الأبرز في فرض قانون العزل السياسي- كما كانوا على رأس معظم المجالس العسكرية، واستطاعوا الهيمنة على وحدات حماية الحدود.

وبالرغم من حضور هذا التحالف القوي إلا أنه لم يحتكر قطاع الأمن والعسكرة فقد كان لتحالف “المهمشين” الذي نجح في استقطاب بعض التشكيلات الثورية حضور بارز في المدن والمواقع المهمة : طرابلس وبنغازي ومنطقة الهلال النفطي وقد انضوت معظم مكونات هذا الحلف تحت وزارة الدفاع بقيادة أسامة الجويلي من الزنتان –آمر المنطقة العسكرية الغربية حاليا-، كما حرصت كتائب الزنتان على السيطرة على منشآت النفط في المنطقة الغربية.

عند الحديث عن الإسلاميين لا يمكن إغفال التيار الجهادي. فبالرغم من أنه يشكل النسبة الأقل ضمن الطيف الإسلامي والثوري لكنه لم يكن أقل أهمية من بقية التيارات في التأثير في سير الأحداث، فكان له دور بارز في القتال ضد النظام قبل وأثناء الثورة كما كان له الدور الأبرز في مواجهة قوات خليفة حفتر وتحالف قوى “الثورة المضادة” في 2014.

وعلى عكس كل مكونات الثورة لم يكن للتيار الاسلامي دور في الصراع على النفوذ السياسي، وظهر على الساحة من خلال نشاطات مدنية : كالأعمال الخيرية وتسيير قوافل الإغاثة -داخل البلاد وخارجها- وتقديم بعض الخدمات الصحية والمالية كتقديم معونات للمحتاجين وتأسيس عيادات مجانية وتأمين مرافق صحية كمستشفى الجلاء في بنغازي كما نشط في المؤتمرات الدعوية وتنظيم المظاهرات وطباعة المناشير والكتب محاولا إيصال رسالته وتحسين صورته عبر هذه الوسائل.

ورغم أن التيار الجهادي الليبي عزل نفسه عن صدامات ما بعد الثورة، ولم يشارك في تشكيل أجهزة الدولة الأمنية وصراعات بسط النفوذ على المؤسسات، إلا أنه كان المتهم الأول –إعلاميا- بعمليات الاغتيال التي استهدفت عسكريين من النظام السابق، وقد أثار انشغال التيار بجمع السلاح وتهريبه عبر الحدود للدول المجاورة وإعداد معسكرات تدريب وتنظيم الدورات العلمية لاستقطاب عناصر جديدة قلقا غربيا انعكس على موقف بعض الأطراف المحلية.

اقتصر التمثيل الرسمي للتيار الجهادي على جماعة أنصار الشريعة التي تأسست في بنغازي منتصف 2012 بعد انشقاق معظم مؤسسيها عن كتيبة راف الله السحاتي –أكبر تشكيل عسكري إسلامي في البلاد، أشرفت الجماعة على معظم النشاطات السابق ذكرها، ولم يكن للتجمعات الجهادية الأخرى خارجها دور كبير.

فالجماعة نجحت في استقطاب كثير من أفراد هذه التجمعات لما أبدته من نظام وقدرة على تنظيم فاعليات كالأعمال الخيرية والندوات العامة والدورات العلمية والأهم من هذا معسكرات التدريب على السلاح.

تنامى القلق المحلي من التيار خصوصا بعد بروز جماعة أنصار الشريعة في عدة مناطق مهمة كبنغازي ودرنة وسرت وصبراتة وقيامها بتأسيس جناح عسكري ونشر منشورات تَسِمُ الديمقراطية بالكفر وتحرم العملية الانتخابية في ظل غياب الشريعة الإسلامية وقيامها بهدم الأضرحة الصوفية وظهور خطاب يعادي الولايات المتحدة الأمريكية وينتقد سياساتها تجاه العالم الإسلامي.

وجاءت أحداث الهجوم على القنصلية الأمريكية ومواقع أخرى تابعة لجهاز المخابرات المركزية الأمريكية يوم 11 سبتمبر 2011 لتفجر القلق الغربي والمحلي المتنامي من التيار الجهادي الليبي.

ورغم إنكار الممثل الرسمي للتيار –جماعة أنصار الشريعة- لمشاركتها بشكل رسمي في الهجوم إلا أن الاتهامات وُجِّهت نحوها، فالتصريح الرسمي للجماعة حمل غموضا كبيرا كما أن خطابها المعادي للولايات المتحدة الأمريكية عزز هذه الاتهامات، وصاحب ذلك ثبوت مشاركة أفراد محسوبين عليها في الهجوم مما أدى لبروز التيار الجهادي الليبي وممثله الرسمي كخطر دولي.

ظلت أنصار الشريعة الممثل الوحيد للتيار الجهادي حتى برز تنظيم الدولة في أواخر عام 2014، ونجح في استقطاب العديد من الشخصيات البارزة المنتسبة لأنصار الشريعة ،وقد ساهم في ذلك عدة عوامل أبرزها:

  1. عدم استعداء تنظيم الدولة لجماعة أنصار الشريعة في المراحل الأولى للحصول على الدعم منها.
  2. الترويج لمفهوم “أخوة المنهج” في أوساط الجماعة مما فتح الباب للتنظيم لترويج آرائه داخل الجماعة بأريحية .
  3. دعوة التنظيم بعض الأتباع لعدم إعلان بيعتهم والالتزام بمواقعهم داخل المجموعات الأخرى. وكان المثال الأبرز هو مسؤول اللجنة الشرعية في أنصار الشريعة أبو عبد الله محمد الترهوني.

نجح التنظيم في تكوين قواعد له في بنغازي ودرنة وسرت وصبراتة واستطاع في وقت لاحق أن يحل محل أنصار الشريعة في سرت لينفرد بإدارة المدينة ولتصبح معقلَه الأكبر بينما فشل في درنة بعد أن استطاع مجلس شورى مجاهدي درنة التغلب عليه في 2016 وظل يحافظ على تواجده في بنغازي حتى انسحب منها إلى سرت في 2017 .

شكل نجاحُ الإسلاميين في الصعود والانتشار –خلال فترة 2011-2014- وتكوين تحالفات عميقة وراسخة مع التيار الثوري مصدرَ قلقٍ لأطرافٍ محلية ودولية وقد ظهر هذا بوضوح في تسريبات مراسلات مبعوث الأمم المتحدة برناردينو ليون لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد والتي سنأتي على ذكرها لاحقا.

وبالرغم من نجاحهم في الهيمنة على المشهدين السياسي والأمني إلا أنهم فشلوا على الصعيد الإعلامي في مواجهة الخطاب الموجه ضدهم، وأخفقوا على الصعيد الاجتماعي في استقطاب المكونات القبلية ومنعها من الانحياز لمعسكر “الثورة المضادة” – وهو ملف معقد لارتباطه بتركة النظام وعلاقة كثير من الشخصيات القبلية به- ورغم الجهود المبذولة من قبل بعض الشخصيات الإسلامية المستقلة في هذا الملف، إلا أن حالة الاستقطاب ودور الإعلام والأطراف الخارجية كان لها الأثر الأكبر على تشكيل خارطة التحالفات.

كما كان لعمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات ساعية في هذا الملف دور مهم في إفشال هذه المساعي ومن أبرزها اغتيال الشيخ “منصور البرعصي” في 16 مايو 2014 على يد مسلحين “مجهولين”في مدينة بنغازي.

تاسعاً: القبلية وتركة النظام

لعب كيان القبيلة دورا مهما في بناء هيكلية الدولة الليبية وصياغة ملامحها، فكان للقبيلة الدور الأهم في صياغة المواقف السياسية من الغزو الإيطالي للبلاد ومثلت وعاء المقاومة في المنطقة الغربية بينما كان للحركة السنوسية الدور الأبرز في صياغة المواقف السياسية وقيادة المقاومة في المنطقة الشرقية.

ثم صارت هذه القبائل جزءًا من النظام السياسي في عهد المملكة بعد نيل الاستقلال، فتم تقاسم السلطة والأدوار على أساس المحاصصة القبلية وقد تم توزيع مقاعد مجلس الشيوخ آنذاك بناءً على هذا الأساس بغض النظر عن الكفاءة والقدرة على ممارسة الدور المنوط بهم.

ولم تعرف تلك الفترة توظيفا سلبيا أو استغلاليا للقبائل إذ كانت الدولة تراعي المطالب القبلية والحساسيات بين المناطق والقبائل، إلا أن هذا تغير بانقلاب 1969.

ففي بداية مسيرته حاول القذافي تهميش دور القبيلة بحكم انحداره من قبيلة ضعيفة (القذاذفة)، لكن هذه السياسة لم تستمر بعد محاولات الانقلاب عليه فحرص على إعادة دور القبيلة للمشهد بتقوية قبيلته وأبناء عمومته عبر عقد تحالفات مع قبائل مثل المقارحة والورفلة وأولاد سليمان واستطاع أن يضم أبناء قبائل عربية من مصر وموريتانيا لقبيلته ووطنهم في مناطقها.

وفي المقابل لعب القذافي على التناقضات والصراعات بين القبائل الأخرى كالمغاربة والزواوات والتبو والزوية وورفلة ومصراتة وغيرها من النزاعات التاريخية، ووظَّف هذه النزاعات لتكون أداة من أدوات الحكم.

وكان خليفة احنيش القذافي هو ضابط الجيش المسؤول عن ملف القبائل ثم تولى إدارة الملف عمر اشكال القذافي.

أحاط القذافي نفسه بحزام من القبائل صُنّفت كقبائل درجة أولى ونالت امتيازات اقتصادية (ميزانيات الدولة، أراضٍ، إدارة طرق تهريب)، ولم تحظ بذلك القبائل الأخرى. وبالتالي تكوَّنَ نظام اجتماعي كانت هذه القبائل على رأسه، وأصبح التقرب للشخصيات النافذة فيها وسيلة لنيل الامتيازات والتقرب من النظام.

لكن هذا لا يعني أن القذافي استبعد القبائل الأخرى عن المناصب المهمة فكان لكل قبيلة -حتى الأقليات – مسؤولون وشخصيات أمنية كبيرة تمثل نافذة القبيلة على النظام فكان من العبيدات عبد الفتاح يونس و سليمان محمود و امبارك عتيق، ومن العواقير السنوسي الوزري و عبد الرحمن العبار، ومن المغاربة امبارك الشامخ، ومن الورفلة عمران بوكراع ومن الزوي أحمد محمود الزوي و عبد الرحمن الصيد وهذا على سبيل الذكر لا الحصر.

وقد حرض القذافي الشعب على المطالبة بحقوقه من خلال القبائل وممثليهم -الذين اختارهم القذافي- في النظام وبهذا ضمن ولاء هذه الشخصيات التي أكسبها نفوذا على القبائل، وضمن خضوع القبيلة لهذه الشخصيات وتقديم الولاء لها مما حول دور القبيلة لدور أمني بالدرجة الأولى.

البقية في الأجزاء التالية

____________