Minbar Libya

بقلم عمر سمير خلف

منذ بدء الصراع الممتد بين الشرق والغرب الليبي في منتصف عام 2014، دخلت الأطراف في عدة مسارات للتفاوض، تارة برعاية أممية وتارات أخرى بمبادرات من قوى دولية في موسكو وباليرمو وبرلين وتارة في ظل مبادرة دول الجوار ومساعي الاتحاد الإفريقي، كما دخلت الأطراف الدولية في عدة مسارات بشأن الأزمة الليبية.

ومنذ أعلن الطرفان وقف إطلاق نار مفاجئ في 21 من أغسطس/آب الماضي اتجهت المفاوضات لمسارات مكثفة متوازية بناء على مؤتمر برلين الذي انعقد في يناير من العام الحاليّ، ويضع الكثير من الليبيين والمراقبين الدوليين آمالًا عريضة على المسارات الثلاث المتوازية في جنيف وبوزنيقة واجتماعات اللجنة العسكرية 5+5 التي عقدت اجتماعها التمهيدي في الغردقة أواخر سبتمبر/أيلول الماضي.

المسار السياسي والمحاصصة المناطقية والسياسية

بعد إعلان فائز السراج في الـ17 من سبتمبر/أيلول نيته ترك منصبه وتسليم السلطة إلى سلطة تنفيذية جديدة بحلول نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول، الذي لاقى ترحيبًا من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا؛ ينتظر أن يستأنف الحوار السياسي الليبي الذي تسيره الأمم المتحدة خلال الشهر نفسه بطريقة مكثفة.

ويهدف الحوار السياسي إلى تشكيل حكومة انتقالية جديدة ورسم خريطة الطريق إلى الانتخابات الوطنية التي سبق أن أوضح السراج والأطراف الليبية في الغرب أنها جزء من المسار السياسي للحل وأنها يفترض أن يتم إجراؤها في مارس/آذار 2021 لإنهاء المراحل الانتقالية الممتدة والبدء في الدخول بمرحلة الاستقرار وإعادة الإعمار.

تكثفت الاجتماعات بين الأطراف الليبية في المغرب وجنيف والأردن خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول، وكانت اجتماعات بوزنيقة في المغرب بجولتها الأولى من 6 الى10 سبتمبر/أيلول، توصف بالإيجابية وبإحرازها تقدمًا وتفاهمات غير مسبوقة منذ اتفاق الصخيرات (الأساس الأممي للمسار السياسي في كل الاجتماعات اللاحقة له).

وفي إطار مفاوضات بوزنيقة تم التوصل إلى بعض التفاهمات والاتفاقات التي وصفت بالمهمة بين أعضاء مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، بشأن معايير وآليات التعيين في المناصب السيادية وفقًا للاتفاق السياسي الليبي الموقع بالصخيرات في ديسمبر/كانون الأول 2015.

ووصفت مخرجات هذا الحوار بأنها اتفاق شامل بشأن المعايير والآليات الشفافة والموضوعية لتولي المناصب السيادية، لكنها توزيعة مناطقية للمناصب السيادية، فممثلو الطرفين توافقوا على منح المنطقة الشرقية منصبي رئيسي البنك المركزي والرقابة الإدارية، كما تقرر منح مناصب رئاسة مفوضية الانتخابات ومكتب النائب العام وديوان المحاسبة للمنطقة الغربية، فيما منحت المنطقة الجنوبية منصبي رئيس المحكمة العليا وهيئة مكافحة الفساد.

وتكثفت اجتماعات المسار السياسي في جنيف بالتوازي مع اجتماعات بوزنيقة، فعلى هامش الاجتماعات السنوية الدورية للجمعية العامة للأمم المتحدة عقدت بعض الجلسات الخاصة بالوضع في ليبيا بين دول مسار برلين، مع استمرار الاهتمام الأمريكي بهذا المسار الأممي للمفاوضات.

فوفقًا لوزارة الخارجية الأمريكية، شارك وكيل وزارة الخارجية لشؤون السياسية ديفيد هيل في الاجتماع الوزاري بشأن ليبيا في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس ووزير الخارجية الألماني هيكو ماس، بالإضافة إلى أعضاء آخرين في عملية برلين ووزراء خارجية دول جوار ليبيا.

وشدد وكيل الوزارة على دعم الولايات المتحدة للعملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة، ودعا جميع أعضاء عملية برلين إلى الوفاء بالتزاماتهم من خلال احترام حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة ودعم وقف إطلاق النار الذي تقوده الأطراف في ليبيا والاتفاق السياسي واتخاذ كل التدابير اللازمة لتحقيق ذلك وخفض التوتر في ليبيا.

كما انعقدت جولة أخرى للحوار في بوزنيقة بالمغرب ولا تزال فعالياتها مستمرة، ورغم التفاهم الذي بدا غير مسبوق بين وفد المجلس الأعلى للدولة ووفد برلمان طبرق بشأن توزيع المناصب السيادية وبعض النقاط الأخرى، هناك استياء في الغرب الليبي بخصوص ما يثار عن نقل الحكومة الموحدة مؤقتًا إلى سرت وتخوفات من فقدان طرابلس ومصراته للأهمية السياسية والثقل الاقتصادي.

وهناك استياء أيضًا بين أعضاء برلمان طرابلس الذي يشكل أغلبية وتم تجاهله في هذه المفاوضات وكذلك بين العسكريين في كلا الطرفين، فحفتر يرى في المسار السياسي مسارًا لإقصائه عن أي مناصب في الترتيبات الجديدة، فيما يبدو غضب العسكريين في الغرب الليبي نابعًا مما يرونه من تنازلات سياسية كبيرة لصالح الشرق خضوعًا لضغوط دولية.

كما أن مثل تلك التوزيعة المناطقية للمناصب السيادية هي توزيعة مفخخة، إذ لا تخدم فكرة استقرار دولة ليبية موحدة كما أن تلك الشخصيات إذا لم تكن بالانتخاب أو التعيين المباشر من منتخبين فيتوقع أن تتصارع القبائل والمدن في كل منطقة لتحصل على أي من تلك المناصب، ما قد يعني اندلاع صراعات عسكرية مناطقية من جديد.

أيضًا فإن التجاذبات الدولية والداخلية جعلت من تعيين ممثل جديد للأمم المتحدة في ليبيا بعد استقالة غسان سلامة التي جاءت إثر حملة ليبية على مواقع التواصل، أمرًا صعبًا ومؤجلًا لأي ترتيبات أممية مستدامة والاكتفاء بالممثلة الخاصة بالإنابة ستيفاني ويليامز التي توصف في الغرب الليبي بأنها تضغط على حكومة الوفاق لمزيد من التنازلات لصالح حفتر وحلفائه.

هل يصل المسار العسكري للتوافق في ظل تعنت حفتر؟

يهدف المسار العسكري المبني على مخرجات مسار برلين وجهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل لاتفاق بشأن وقف إطلاق نار مستدام وصلب من خلال المفاوضات داخل لجنة 5 + 5 لتخفيف التوترات المستمر واتخاذ كل الإجراءات الممكنة بما في ذلك إمكانية فصل القوات العسكرية وتجريد مناطق معينة من السلاح.

وهو المطلب الذي عبرت عنه بعض الفقرات في إعلان وقف إطلاق النار من فائز السراج وعقيلة صالح في أغسطس/آب، ويقتضي توحيد الأجهزة الأمنية وتنسيق مهامها.

رغم الهدوء النسبي للعمليات العسكرية منذ بدء التفشي الواسع لجائحة كورونا في البلاد وبالذات بعد إعلان برلمان طبرق وحكومة السراج وقف إطلاق النار لظروف الجائحة في أواخر أغسطس/آب الماضي، فإن التحشيد العسكري وتدفق الأسلحة على الطرفين رغم الحظر الأممي والعقوبات الأوروبية لم يتوقف قط، وبحسب بعض التحليلات يخشى داعمو حفتر وخاصة مصر والإمارات وفرنسا من أي تسوية سياسية تستبعده ويعتبرونها نصرًا للمحور المضاد الذي تقوده تركيا.

ومن هنا كان التصعيد المصري بتحديد سرت والجفرة خطوطًا حمراء لتقدم قوات حكومة الوفاق، وتفرض روسيا عبر مجموعة فاغنر حصارًا حول المنشآت النفطية وتعزز من وجودها في هذه المنطقة لفرض أمر واقع على أي تسويات سياسية وعسكرية.

لكن هناك تغييرًا مصريًا في السياسة الخارجية وفقًا لخبراء بالشأن الليبي، فمنذ مطلع سبتمبر تكثفت خطوات مصر نحو المساهمة في حل سياسي، فمنذ سبتمبر تساهم القاهرة باتجاه التسوية السلمية، فقد استضافت بعض جلسات الحوار السياسي فيما عرف باجتماعات القاهرة بين 10-13 من سبتمبر/أيلول واستضافت مدينة الغردقة اجتماعات تمهيدية للجنة العسكرية 5+5 في 28-29 من سبتمبر/أيلول فيما يبدو أنه قد يسهم في إحداث بعض التهدئة وانخراط مصر في سياسات الحل في ليبيا.

لكن نجحت استفزازات حفتر وتحشيداته العسكرية سابقًا في تقويض العديد من مسارات الحل وكان دائمًا ما يخوض معارك عسكرية وتصعيدًا إعلاميًا ضد حكومة الوفاق قبيل أي مؤتمر دولي وانسحب في يناير من مؤتمر بموسكو عشية التوقيع على قرار لوقف إطلاق النار.

وتوصف الجهات السياسية في الشرق بأنها ضعيفة مقابل الأطراف العسكرية، ومن ثم لا يمكن التعويل على أي مسارات من دون إيجاد اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية ودمج المليشيات المسلحة في الجيش وتصفية أي وجود للسلاح خارج المؤسسات الأمنية والعسكرية التي يتفق الأطراف على تشكيلها، وقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على الضغط على حلفائها للقبول بهذه التسوية.

أيضًا فإن وجود المليشيات الأجنبية بكثافة حول المنشآت النفطية وكذلك تردي الخدمات العامة الخاصة بالكهرباء والمياه والصحة وتوفير السلع الأساسية، وإن شكل ضغطًا على الأطراف السياسية للبحث عن حلول فإنه أثار غضب المجموعات المحلية في هذه المناطق وشهدت البلاد احتجاجات في الشرق والغرب على تلك الأوضاع.

أخيرًا فإنه وإن بدا الظرف الدولي والمحلي الليبي أكثر قابلية للتوصل لحلول للأزمة الممتدة منذ سنوات والتوصل لاتفاقات لتسويتها تحت ضغوط انتشار فيروس كورونا وضرورة عودة استئناف تصدير النفط، فإن تناقضات محلية وإقليمية قد تفشل مثل تلك المفاوضات والمسارات في أي لحظة، وبالذات مع عدم قدرة الأطراف السياسية على السيطرة على المليشيات والقوات النظامية التابعة لها وإقناعها بإمكانية وضرورة وأهمية الحل السياسي.

***

عمر سمير خلف ـ ماجستير في العلوم السياسية

____________