Minbar Libya

“الوطنية أشبه بالخيط الواهي، وربما هذا ما يعطي البعض شعوراً بالحاجة الملحة لحمايتها”.

في روايته التي نشرت عام 2006، ,ونشرت مترجمة “في بلد الرجال” عام 2016، يتحدث الروائي الليبي هشام مطر عن تلاعب الأنظمة الشمولية بمصائر الناس من خلال تقييدهم بتعاريف البطولة والخيانة والإيمان، وكأن الحاكم قدر من الله لا مفر منه، وهو ما تناولته المختصة بدراسات الهوية العربية، نيفين أبراهام ضمن ندوة لجمعية دراسات الشرق الأوسط لخريف عام 2020.

“في بلد الرجال” هي الرواية الأولى للكاتب هشام مطر، وقد نُشرت لأول مرة في عام 2006، ليتم ترشيحها لجائزة مان بوكر في نفس العام، وجائزة الغارديان الأولى للكتاب.

وبرغم ترجمة الكتاب حتى الآن إلى 22 لغة وحصوله على جائزة الجمعية الملكية للآداب في عام 2007، بالإضافة إلى مجموعة من الجوائز الأدبية الدولية، كجائزة الكتاب العربي الأمريكي في عام 2007، غير أن ترجمته العربية تأخرت حتى العام 2016.

من خلال السرد الذاتي للشخصية المحورية، سليمان الطفل ذو الـ9 سنوات، والذي نشأ في ظل نظام القذافي في السبعينيات، تعرفنا أبراهام إلى نظام شمولي بعيني طفل يقرأ تبعاته دون أن يوقن كلياً أسبابها المباشرة.

تدور أحداث الرواية حول نشأة سليمان وتطور شخصيته، “أثناء إدراكه للتعريفات السائبة والخاطئة لنظام الحكم والمجتمع للخيانة والبطولة”، تقول أبراهام.

يتعرض سليمان إلى إلغاء مفهوم الفردية، ويتشكل وعيه بالخطر الذي يرافق اسم الفرد الذي شذ عن الجماعة.

يتعرف الراوي، في محطات حياته، إلى مجموعة من التناقضات تحيط بالمنظومة العقائدية التي تتبناها عائلته وأصدقاؤه وجيرانه، كما تشير أبراهام. فهم لطالما نشدوا الخلاص من عند الله لتحقيق العدالة للناس.

ولأنه يشهد كيف يتم التلاعب بالناس في ظل التسلسل الهرمي للسلطة، المقسم بين أفراد مؤيدين ومعارضين للنظام، وأفراد لم يحسموا أمرهم بعد بين المعارضة والولاء، تتكون لديه رغبة بالانتقام من كل رموز هذه السلطة:

“كنت أحلم بالانتقام، وأعيد تصوره مراراً وتكراراً إلى أن تسفر السماء عن تباشير الفجر الرمادي. كم كان يملأني هذا الشعور بالحاجة إلى أن أغدو رجلاً بسرعة كبيرة، ولكن ليس لأقوم بالأشياء المرتبطة بالرجولة وامتيازاتها، بل لأغير الماضي”.

يجري الإطار الزماني والمكاني للأحداث في العاصمة الليبية طرابلس عام 1979. نتعرف إلى محيط سليمان عبر قصة تنسجها مخيلته الجامحة عن ثمار التوت، التي يعتقد أنها “أفضل ثمرة خلقها الله”.

يتخيل الطفل أن الملائكة الصغار تآمروا لزرع شجرة التوت على الأرض حين علموا أن آدم وحواء هبطا إلى هناك معاقبين. وفي حين أن هذا الخيال الفانتازي قد لا يعدو كونه نسجاً لمخيلة طفل، غير أن السياق الزماني والمكاني الذي يحكم حياة سليمان يجعل القصة المتخيلة تبدو وكأنها تجسيد سياسي لقصة المنشقين أو غير الموالين (الملائكة) والمنفيين أو المعارضين (آدم وحواء).

سليمان، الذي يروي القصة، هو نفسه ابن رجل معارض يدعى فرج. تعيش عائلته في شارع مولبيري أو “بستان التوت”، مع عائلة الأستاذ راشد الذي اعتقل قبل بدء الرواية بتهمة الخيانة الوطنية، والأستاذ جعفر الذي يعمل كمسؤول حكومي ويعرف بولائه لأجهزة النظام. وبرغم تسمية الحي تيمناً بأشجار التوت، إلا أن شجرة توت واحدة بقيت صامدة فيه، في حديقة الأستاذ راشد: المعارض المنفي.

الإلَه/القائد

“العقل الفاسد، يحول كل شيء لصالحه” (مقتطف من الرواية)

يكمل سليمان تخيله عن قصة الخليقة باستحضار طرف ثالث لا بد منه، هو الخالق: “لقد علم الله بخطة الملائكة، أليس هو العالم؟ لكن الفكرة راقت له ولذلك ترك الملائكة ينفذونها”.

لا يسمي سليمان شخصية الخالق باسمها الديني في روايته، بل يلقبه بـ”القائد” في كناية لشخصية العقيد القذافي، يتمتع بصفات خالق لا يُرى، لكنه دائم الحضور في حياة الصبي خلال نشأته في عالم ينعدم فيه اليقين.

ولعل أكثر لحظات انعدام اليقين تتجسد لدى سليمان في شخصية والدته نجوى التي تبدأ بأخذ كميات كبيرة من “العقاقير” – يبيعها لها الخباز في أكياس ورقية من تحت المنضدة – كلما غاب زوجها عن المنزل ليزاول عمله في أنشطة معارضة.

وتحت تأثير الكحول تخبر نجوى ابنها بأشياء ما كانت لتبوح بها في ساعات الصحو. تخبره كيف كانت هي نفسها ضحية للسلطة التي اعتقلت الأستاذ راشد سابقاً وتراقب والده الآن. ذاك الجانب المجتمعي من السلطة الذي حكم عليها بالزواج عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها من رجل يبلغ عمره أكثر من ضعف عمرها لأنهم رأوها تمسك بيد فتى في مقهى.

ما قصدته نجوى لم ينبع من عدم الاهتمام بزوجها، بل يشكل ربطها لقصة زواجها والخطر الذي يحدق بزوجها المعارض، حقيقة أن أي نشاط مناهض للعرف الاجتماعي أو للنظام السياسي، ستكون عاقبته وخيمة.

هذا هو الجانب الآخر من حياة الشخص المعارض، الثمن الباهظ الذي تدفعه أسرته، والخوف الذي يحيط به من جميع الجهات.

تجادل أبراهام أن سليمان من خلال هذه المونولوجات الداخلية التي يرويها مستخدماً تشبيهات ضمنية وكنايات ورموز مثل قصة الخليقة، وحكايات ألف ليلة وليلة وسرد شهرزاد واستبداد شهريار، يضع المفاهيم الرئيسية في المجتمع، موضع مساءلة، مفاهيم مثل “الخيانة” و “ماهية الخائن” و “ماهية المخلص”، ليشكك في تعريفاتها.

تنقل هذه الاستعارات شعور التوق إلى اختراق قبضة السلطة والانتقام من هيمنة المعتقدات الدينية والتصور المجتمعي لـ “الخيانة” و “الولاء” و “الإيمان”، تلك الاصطلاحات التي صاغتها السلطة الحاكمة، ويستخدمها معظم الناس يومياً.

لا يكتفي النظام باستخدام أساليب قمعية للتأكد من أن شعبه لا ينشر أفكاراً ديمقراطية أو يثور ضد الحكومة، بل يعمد إلى تسخير عقول فاسدة لتدير أجهزته، وتعزز القلق والبارانويا لدى المنتقدين.

وهذه المنظومة، هي ما يطمح سليمان إلى التمرد عليها.

تعتقد الباحثة أن تشكيك سليمان في إيمانه بقدرة عليا، ورغبته في تجاوز التراتبية الهرمية للسلطة عبر إعادة تعريف البطولة والخيانة، ورفض ثقافة الخضوع للقدرية وللمنظومة المعطلة للإيمان المجتمعي، تظهر أن الفرد لن يتمكن من أن يكون عنصراً فاعلاً إلا عندما يواجه التقاليد الدينية المستسلمة والأعراف المجتمعية الخانعة، والنظم السياسية الشمولية.

ينهي سليمان تخيلاته وسرده بعبارة “في النهاية بدا الجميع سعداء” في إشارة إلى حفاظ المجتمع على ترتيبه وحرصه على أن يظهر بمظهر أنيق وسعيد برغم كل الخراب في داخله.

وكأن رؤية ليبيا من خلال عيون الصبي الصغير، تشبه النظر بالعين المجردة لجبل جليدي ترتفع قمته فوق مستوى سطح البحر: قد لا نعرف حجمه الحقيقي دون معرفة عمق المياه التي يقبع فيها.

__________