بقلم آمال سليمان العبيدي

كان للثورة الليبية التي انطلقت في فبراير عام2011 خصوصية ميّزتها عن بقيّة التجارب العربية الأخرى خاصة في كل من مصر وتونس، تمثلت هذه الخصوصية في العوامل التي أثّرت لاحقا على طبيعة هذه الثورة ومساراتها المختلفة.

الجزء الثاني

ثانيا: القبيلة والمرحلة الإنتقالية .. تقييم للدور والأداء

أثر الصراع الذي في فبراير عام 2011 بين نظام القذافي ومنظومة ثورة فبراير التي انتهى بتدخل دولي نتج عنه القضاء على نظام القذافي بمقتله في أكتوبر عام 2011.

كل ذلك أسهم في تقسيم المنظومة القبلية خلال هذه المرحلة، إلى قبائل موالية للنظام وقبائل غير موالية، حيث أعلنت انشقاقها لتنظم إلى الثورة.

وفي هذا السياق يلاحظ أن معظم قبائل إقليم برقة قامت بدعم الثورة منذ الأيام الأولى، خاصة بعد انشقاق كثير من عناصر نظام القذافي الذين ينتمون إليها وانضمامهم للثورة، خاصة بعض القيادات العسكرية، وبعض الوزراء والمسؤولين الذين تعود أصولهم إلى ما عرف خلال فترة القذافي بـ “المنطقة الشرقية”.

أما في إقليم طرابلس فقد برزت انقسامات حادة بين قبائل ومدن كانت موالية لنظام القذافي وانخرط كثير من أفرادها في القتال مع النظام، وأخرى دعمت الثورة وأسهمت في القتال ضد النظام.

تلك الانقسامات الأولى ساعدت على تأجيج حدة التوتر بين بعض المناطق والمدن والقبائل، نتج عنها ترتيبات مرحلة ما بعد الثورة، من خلال تهجير سكان مدينة تاورغاء في عقوبة جماعية أخليت على غرارها المدينة من كل قاطنيها ونزوحهم في مناطق مختلفة في ليبيا، كذلك استخدم المؤتمر الوطني العام لإصدار قرار رقم 7 لسنة 2012 بالهجوم على مدينة بني وليد منطقة قبائل ورفلة التي اتهمت بموالاتها لنظام القذافي.

ولا يختلف الحال أيضا في إقليم فزان، حيث ازدادت حدة الصراعات القبلية التي ارتكز معظمها على نزاعات تاريخية تم إعادتها مما أسهمت في غياب الاستقرار خاصة مع غياب مؤسسات الدولة كالجيش والشرطة التي يمكنها أن تُسهم في تأمين الحدود، وتحقيق الأمن والاستقرار.

ولقد ظهرت الصراعات بشكل واضح بين مختلف قبائل ومدن ليبيا بعد عام 2014، ومن أبرزها الصراع بين مدينتي بنغازي ومصراتة، حيث برزت تلك الخلافات بعد انطلاق عملية الكرامة التي يقودها الجيش الوطني في مدينة بنغازي، وعملية فجر ليبيا التي قادتها كتائب موالية لمدينتي مصراتة وطرابلس.

أما مدينة سرت، مسقط رأس القذافي وهي المدينة التي يقطنها بشكل رئيسي أفراد قبيلة القذاذفة، تم تهميشها بعد سقوط نظام القذافي. وقد عانى معظم أهلها من هذه العزلة المفروضة عليهم، ونتيجة لذلك فقد انظم كثير من شباب هذه المدينة إلى داعش التي سيطرت على المدينة في عام 2015، قبل هزيمتها في عام 2017 علي يد كتائب البنيان المرصوص.

على الرغم من صعوبة رصد الدور الذي تقوم به القبيلة خلال المرحلة الانتقالية بفتراتها المختلفة، إلا أنه يمكن إبراز بعض الأنشطة الإيجابية لها، فعلى سبيل المثال:

قامت بدور مهم في محاولات فض النزاعات بين مناطق مختلفة خاصة في المراحل الأولى لثورة فبراير، وذلك من خلال تبني ملف المصالحة الوطنية في محاولات متعددة رغم فشل بعضها، منها عمليات الوساطة بين مصراتة وتاورغاء، ومصراتة وبني وليد، إضافة إلى مناطق أخرى.

كما أسهمت القبيلة في تعزيز وحدة الهدف من خلال ضبط النفس الذي تحلت به قبيلة “اللواء عبدالفتاح يونس العبيدي” رئيس أركان ما عُرف بجيش التحرير، الذي أغتيل ورفيقيه من الضباط في يوليو 2011 على يد جماعات متشددة،

وتأكيد هذه القبيلة على ضرورة اللجوء للقضاء رغم معرفتهم بمرتكبي هذه الجريمة. حيث اتضح هذا الموقف فيما بعرف بـ “وثيقة العبيدات” بخصوص اغتيال رئيس أركان الجيش الوطني ورفيقيه في عام 2011، حيث اعتبرت هذه الوثيقة في تلك الفترة نموذجا لضبط النفس، والإنحياز لدولة القانون، وعدم استيفاء الحق بالذات، حيث أقرت الوثيقة أهمية مؤسسات الدولة، فما فيها النظام القضائي وتحقيق العدالة من خلال الإجراءات القضائية.

وشهدت هذه الفترة ظهور بعض المؤسسات التي اعتمدت على التكوينات القبلية منذ بداية ثورة فبراير، منها مجالس الحكماء والشورى، ومجالس الأعيان والحكماء، إضافة إلى المجالس المختلفة على مستوى كل منطقة، منها على سبيل المثال لا الحصر، “المجلس الاجتماعي لقبيلة ورفلة” و “المجلس الاجتماعي لقبائل ورشفانة”, و “مجلس أعيان تاورغاء”.

ومن خلال التركيز على بنية هذه المؤسسات، تبدو أنها موازية للبنية القبلية التقليدية من ناحية، وتخضع لأسس تكوين مؤسسات المجتمع المدني من ناحية أخرى، رغم تناقض ذلك مع أدبيات المجتمع المدني المتعارف عليها، والتي لا تضع المؤسسات الرقابية كجز من مكوناتها، حيث يتم تسجيل إجراءات الإشهار والإذن بالعمل في وزارة الثقافة والمجتمع المدني.

وفي هذا السياق تسعى هذه المؤسسات للقيام بدور اجتماعي يتعلق بمحاولات فض النزاعات، وعمليات المصالحة، على الرغم من صعوبة هذه العمليات نتيجة لتردي الأوضاع الأمنية، وتعدد القوى المسلحة على الأرض التي اختلفت أيديولوجياتها ومصالحها، إضافة إلى تنوع أدوات السيطرة بالنسبة لها.

كذلك يمكن رصد دورها الذي تقوم به أحيانا في مسألة الوساطة لتبادل الأسرى والمختطفين في إطار التسويات السلمية بين المناطق والمدن والقبائل المختلفة.

ثالثا: التحديات التي تواجه القبيلة خلال المرحلة الإنتقالية

على الرغم من الدور الذي تقوم به القبيلة من الناحية الاجتماعية، إلا أن الأوضاع الراهنة للمرحلة الانتقالية في ليبيا أثرت على هذا الدور خاصة ما يتعلق بمسائل الحوار المجتمعي والجوانب المتعلقة بالمصالحة، ناهيك عن بروز مسألة “عسكرة القبيلة”، حيث شهدت هذه المرحلة تعدد المليشيات المسلحة التي تأسست بعد الثورة، كمؤسسة موازية للجيش وللمؤسسة الأمنية، حيث تشكل بعضها على أساس قبلي وجهوي ومناطقي.

كما يمكن رصد تأثر القبيلة بالتجاذبات الأيديولوجية والسياسية، حيث برزت قبائل أخرى مؤيدة لبعض التيارات الدينية منها السلفية، وكذلك أصبحت القبيلة تمثل جزء من الانقسامات الحادة خاصة بعد عام 2014، وبدء الحرب الأهلية التي انطلقت في مناطق مختلفة من ليبيا.

وفي هذا الإطار، فإن طبيعة المرحلة الانتقالية وما اكتنفها من صراعات، خاصة بعض ظهور عمليتي الكرامة وفجر ليبيا، أسهم ذلك في خلق حالة من الانقسام الحاد على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى القبلي، حيث برزت ظاهرة التأييد لكل من العمليتين من خلال بعض القبائل والمناطق، ناهيك عن تدخل القبيلة في العملية السياسية باعتبارها مصدر للتجنيد للمناصب السياسية وللمحاصصة المناطقية والجهوية.

وفي هذا السياق، يمكن ذكر بعض التحديات التي تواجه القبيلة كمؤسسة اجتماعية، والتي قد تؤثر على مستقبل القبيلة والقبلية في ليبيا ومنها ما يلي:

أولا: اختراق النسيج القبلي والاجتماعي من قبل بعض التنظيمات المتطرفة، خاصة تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق مختلفة، وذلك باستهداف الشباب وتجنيدهم مما سبب في حالة انقسام حاد بين أعضاء القبيلة الواحدة. كما يمكن رصد ظاهرة رفع الغطاء الاجتماعي من قبل بعض القبائل عن أفرادها المتورطين في هذه التنظيمات من ناحية أخرى.

ثانيا: دخول القبيلة في التجاذبات والصراعات السياسية التي برزت في ليبيا منذ عام 2011، مما نتج عنه غياب حياد القبيلة وانحسار دورها الاجتماعي في بعض المناطق.

ثالثا: لغياب الأمن وسوء الأوضاع الأمنية، استُخدِم بعض شيوخ وأفراد القبائل من خلال عمليات اختطافهم للضغط على قبائلهم ومناطقهم من أجل الحصول على مكاسب مادية أو مكاسب سياسية.

رابعا: تحول بعض القبائل إلى مليشيات مسلحة، مما أسهم في تعطيل بناء مؤسسات الدولة كالجيش والشرطة.

خامسا: استباحة ممتلكات الدولة من قبل بعض القبائل، سواء كانت أراضي أو مباني ومرافق عامة بحجة أنها ملكية قبلية وينبغي أن تعود إلى مالكيها.

سادسا: تحول القبيلة نتيجة لغياب المؤسسة القضائية، وعدم الالتزام بمبدأ “سيادة القانون”، وسهولة اللجوء إلى الحلول السريعة للمشاكل التي يفرضها “العرف القبلي” إلى مصدر تهديد للمنظومة القانونية في ليبيا.

ففي هذا السياق تؤكد نتائج استطلاع أراء الليبيين حول الحوار الوطني (2015)، إلى أن القبيلة والعائلة هي من المؤسسات التي يلجأ إليها الفرد عندما يواجه مشكلة اجتماعية، في حين تراجع اللجوء إلى الشرطة وهي من المؤسسات الرسمية للدولة.

سابعا: أصبحت القبيلة تشكل مصدرا من مصادر الهوية المحليةالتي تتصارع مع الهوية الوطنية، وتأكد ذلك من خلال نتائج المسح العالمي للقيم (2014). حيث أن ما يتعلق بالهوية الوطنية فقد أكد 57.3% من مبحوثين استطلاع أراء الليبيين حول الحوار الوطني، أن التعدد القبلي من العناصر ذات التأثير الإيجابي في توحيد الليبيين.

على الرغم من التحديات التي تواجه القبيلة كمؤسسة اجتماعية في ليبيا، إلا أنها ما تزال أحد أهم عناصر الثقافة السياسية في ليبيا المعاصرة، إضافة إلى أنها أحد أبرز مصادر الهوية فيها.

كما أنه لا يمكن تجاهل دورها في المصالحات المحلية المختلفة منذ عام 2011، وعليه، قد يكون لها دورا مهما كأحد أدوات السلم الاجتماعي.

القبيلة هي إرث تاريخي، لها دورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وستضعف شوكتها ببناء دولة قوية بمؤسساتها المختلفة، وستضعف الولاءات القبلية بتعزيز قيم المواطنة وسيادة القانون.

***

آمال العبيدي ـ استاذ العلوم السياسية بقسم العلوم السياسية، بكلية الاقتصاد، بجامعة بنغازي، واستاذ زائر بجامعة بايرويث بألمانيا، وهي عضو مؤسس لمنتدى الخبراء الليبيين ومن مؤلفاتها باللغة الانجليزية: الثقافة السياسية في ليبيا، والنخب السياسية في ليبيا، والسياسات الأمنيةفي ليبيا، والمصالحات المحلية منذ عام 2011. من اهتماماتها قضايا السياسات العامة، وقضايا النوع الاجتماعي، وقضايا الهجرة والأمن، وقضايا تسوية الصراعات.

___________

المصدر: مجلة “الفصول الأربعة” ـ العدد 125 ـ خريف 2019