Minbar Libya

بقلم عادل زقاغ و سفيان منصوري

تم إخضاع الأزمة الليبية لعديد الأدوات التحليلية لفهم ديناميكية التصعيد وسبل التهدئة. ولكن عادة ما تركّز الأدبيات ذات الصلة على متغيرات سياسية وأمنية.

الجزء الأول

يحاول هذا البحث استشفاف التبصرات التي يمكن الحصول عليها لدى مقاربة الأزمة الليبية، من منظور الإقتصاد السياسي.

ويستعرض عددا من المتغيرات ذات الطابع الإقتصادي التي تمنح قوة تفسيرية للمفهوم المستمدة من الجشع والحاجة، ما يؤكد أنها لا تقل أهمية عن تلك المستمدة من المظلمة، وأن فهما أفضل للحالة الليبية يوجب إلقاء الضوء على التفسيرات السياسية والإجتماعية والإقتصادية على حد سواء.

وقد ركز الاقتصاد السياسي للتصعيد في ليبيا على علاقة تكاليف عقد الصفقات بتنامي دور القبيلة والولاء القبلي، ودور التجارة غير الشرعية في مساندة العنف، وكذلك تراجع الدخل الفردي وتنامي شعبية عرابي العنف الإثنوـ سياسي.

ويخلص البحث إلى أنه يمكن الإستفادة من مفهوم الإقتصاد السياسي في مساعي التهدئة عبر حزمة من التدابير.

مقدمة

لطالما تفاوتت تفسيرات الأزمات الدولية بين البحث في النزعة التبريرية لـ “المظالم” التي تغذي الأحقاد أو الوقوف على دوافع “الجشع” الإنساني المتأصل ونهاياتها التصادمية، بحسب وليام زارتمان، والذي حاول من خلال تصوره هذا فحص أسباب اللجوء إلى العنف المسلح بين المجموعات المتخاصمة، سوسيولوجيا كان أم اقتصاديا.

وبتعبير آخر، إن كان الأمر يتعلق بمظالم تغذي حالة السخط، وتولد الإحتقان، ومن ثم تساهم في تفجير إعمال العنف، أم أن النهج العدائي يبطن مصالح مادية بحثة، بحكم أن الضغط المتزايد على الموارد المستنزفة، النادرة أو الآفلة، فإن ذلك يقود إلى سيادة جو من الإحتكاك السلبي بين المتخاصمين، ما ينتج منه التصادم في مرحلة من المراحل.

وعلى الرغم من صعوبة ترجيح أي من العاملين، فإن الحالة الليبية تقدم لنا نموذجا متميزا لأزمة تسندها هذه الإعتبارات ـ وخاصة الإقتصادية منها ـ وتساهم في إطالة عمرها. وعلاوة على الأسباب الاقتصادية، فإن الأزمة الليبية تعود إلى عوامل سياسية، واعتبارات خارجية.

من منظور سياسي، يمكن ترجيح فرضية تآكل أسس شرعية حكم القذافي، والمتمثلة في أربع ركائز، الثورية القومية، والمساواة والعدالة الاجتماعية، وشرعية الكرامة والهوية الوطنية، وأخيرا القيمة الرمزية للقذافي بوصفه مناضلا ضد الإمبريالية الدولية.

ومن المعلوم أن إحدى ركائز النظام الليبي التي أكدها القذافي مرارا، هي أنه يمثل امتدادا للثورة الناصرية المصرية، وأنه أمين الوحدة العربية بعد رحيل عبدالناصر، وهو أمر كانت له انعكاساته على التوجهات الداخلية والخارجية للسياسة الليبية، أدت بدورها إلى سلسلة من المغامرات على الساحتين الإقليمية العربية والأفريقية وعلى الساحة الدولية.

قبل عودة النظام لمحاولة التكيّف مع متغيرات ما بعد الحرب الباردة، وما بعد أحداث سبتمبر 2001، فتقلبات الخارجية السياسة الخارجية الليبية بين السعي للوحدة تارة، والأفريقية تارة أخرى، وما بين مشاريع وحدوية وثنائية حيناً، ومشروعات اتحادية جماعية حيناً آخرـ ومغامرات النظام في دعم ومساندة العديد من منظمات وحركات التمرد في أركان المعمورة المختلفة، رسخت شعوراً بالمرارة لدى شرائح كبيرة من المواطنين الليبيين بسبب تبديد ثروات بلادهم في تلك المغامرات والسياسات والتعويضات.

أما سوسيو ـ اقتصاديا، فيعاني الكثير من الليبيين الفقر والحرمان النسبي في مجالات التعليم والصحة والمرافق العامة والبنية التحتية، على الرغم من ثراء بلدهم، فالمجتمع الليبي مجتمع شاب وراغب في العمل، لكن نسبة البطالة التي عاشها حكم القذافي تقدر بنحو 30%، وهي أكبر نسبة بطالة في كل دول المغرب العربي.

وبالموازاة يعد الاقتصاد الليبي اقتصاديا ريعيا، إذ يرتكز على 90% من عائدات النفط. أما نسبة الفقر التي تعيشها العائلات الليبية فهي مرتفعة جدا نتيجة عدم حصولها على مدخولات شهرية ثابتة. ذلك أن العائدات النفطية الليبية كانت تستفيد منها ـ على نحو أكبر ـ فئات محدودة تلتف حول سلطة القذافي، وهذا ما زاد من سخط الشعب وأدى إلى ثورانه.

وإضافة إلى كل هذه الأسباب الداخلية، ساهمت التحولات الإقليمية والمتمثلة أساساً بما اصطلح على تسميته بـ “ظاهرة الدومينو” التي نالت تونس ومصر، في استمالة الأزمة إلى الإنفجار في ليبيا.

بناء على ما تقدم، سيحاول هذا المقال الإجابة عن الإشكالية التالية:

فيم تكمن التصورات التي تقدمها مقاربة الاقتصاد السياسي للسلم والحرب في توضيح المسار التصاعدي المأساوي للأزمة الليبية، منذ إطاحة نظام القذافي؟

تندرج تحت هذه الإشكالية الرئيسة مجموعة من التساؤلات الفرعية أهمها:

ـ كيف يمكن مقاربة الإقتصاد السياسي للسلم والحرب أن تقدر فهوما واضحة لمسار الأزمة الليبية منذ سقوط نظام القذافي؟

ـ كيف يتم استخدام مقاربة الاقتصاد السياسي للسلم والحرب في رسم خريطة لحلحلة الأزمة بليبيا؟

وللقيام بتحليل موضوعي ومنطقي، وللإجابة عن إشكالية الدراسة وكذا التسؤلات الفرعية سننطلق من الفرضيات الآتية: تعدّ التصورات التي تمدها مقاربة الاقتصاد السياسي من أهم الأدوات التحليلية التي تفسر المسار التصاعدي للأزمة الليبية منذ سقوط نظام القذافي.

أولا: الاقتصاد السياسي للتصعيد في ليبيا بعد 2011

أصبح معظم الدول العربية ـ وليبيا على وجه الخصوص ـ منذ سنة 2011، مسرحا لظاهرة أطلق عليها بيري أندرسون إسم “الانتفاضة المتراصّة”، كانت هذه الانتفاضات نتيجة احتقان سياسي، يسنده وضع اقتصادي يتسم بتفاوت واضح في مستويات المعيشة بين فئات العديد من شعوب المنطقة، ازدادت حدةً مع تأزم الأوضاع السوسيو ـ اقتصادية للمنطقة العربية، إثر تداعيات الأزمة المالية لسنة 2018، والتأثيرات التي خلفتها اللبرلة المفرطة والإقتصاد الرأسمالي في خلق حالة من اللااستقرار المجتمعي، وهو ما يدفع إلى الإهتمام بالإرتباطات المحتملة بين المتغيرات المستمدة من الإقتصاد السياسي وديناميكية التصعيد والتهدئة في البلدان التي شهدت انتفاضات أهلية، حيث تكون ليبيا الحالة التي نحاول من خلالها استشفاف هذه الإرتباطات.

1ـ تكاليف عقد الصفقات .. المدخل العقلاني لتنامي دور القبيلة

جنبا إلى جنب، مع المقاربات الماركسية، تستمد الليبرالية من المعطى الاقتصادي جزءاً معتبراً من افتراضاتها الصلبة، بل إنه يمكن للباحث أن يستقي من بنائها التصوري هذا بعضا من أفضل التفسيرات للحرب والسلم، وهي تفسيرات تندرج ضمن الاقتصاد السياسي للحروب الذي يهتم بالمتغيرات العقلانية ذات الطابع الاقتصادي في استشفاف ديناميكية التصعيد والتهدئة للأزمات والنزاعات الدولية، وتعدّ نظرية تكاليف عقد الصفقات إحدى الأدوات المساعدة التي تلقف عناصر هذه الديناميكية.

وبحسبها فإن مجمل التفاعلات المواطنية هي في النهاية صفقات، فالمواطن يدفع الضرائب للحكومة مقابل حصوله على الخدمات المختلفة (من توفير الحماية الأمنية والقضائية إلى البنية التحتية والتأمين على البطالة والتقاعد).

ومن الناحية النظرية، انفرط عقد أكثر من صفقة بسقوط النظام الزبائني للقذافي، وتعسّر مسعى إرساء بديل جاهز، حتى لو توافر التوافق السياسي بهذا الشأن بين الفرقاء الليبيين، وذلك بسبب حالة الترهل الهيكلي السياسي الذي توجد عليه الدولة الليبية، وغياب تقاليد مؤسساتية في الحكم.

إذا، ومن وجهة نظر تكاليف عقد الصفقات، فإنه لدى عجز أحد طرفي العقد ـ وهو الحكومة في هذه الحالة ـ عن الوفاء بالتزاماته، بتوفير الحماية للأفراد عبر المنظومة القانونية التي تسندها أدوات القهر المشروع، فهو سيبحث لا محالة عن بدائل تمنحه ذلك، وهذا بالنظر إلى ارتفاع تكاليف الصفقة القديمة، فلا يمكن ضمان استمرار ولاء الفرد للدولة في غياب حكومة مركزية (الطرف الآخر للعقد) أو في ظل عجزها عن استحقاق ما يترتب على التزاماتها.

وفي حالة ليبيا، توجد العشائر والقبائل في رواق جيد لاستمالة الولاءات المواطنية التائهة، فهي الكيان الذي يحصل من خلاله على صفقة مربحة قابلة للتنفيذ والحماية، غير أن هذه العشائر والقبائل لا تملك اقتصاد دولة، ولا بنية اقتصادية مشرعنة، بل تعتمد على نشاطات يدخل جزء مهم منها ضمن “المنطقة الرمادية” (بين المشروع وغير المشروع)، بل وحتى في الدائرة “الإجرامية” كتهريب السلع والإتجار غير الشرعي بمواد لا تغضع للضريبة.

كل ذلك للحفاظ على ولاء المنضوين تحتها (دائما في إطار المنطق الزبائني) وصيانة بقائها، بل وأحيانا، بهدف تعزيز مستوى تسليحها في مواجهة التهديدات المتأتية من المجموعات الأخرى.

ولدى انخراطها في مثل هذه النشاطات ينزلق بعضها بعيدا للإتجار بالمواد الأكثر ربحية، كالأسلحة والمخدرات، لتجد نفسها في النهاية متورطة في علاقات وشراكات حتمية مع جماعات إجرامية دولية و/أو شبكات إرهابية تشتغل في خطوط الإمداد والتموين ذاتها.

لا يتسبب ذلك في تقاطع المصالح مع هذه الشبكات أو تضاربها وحسب، بل وفي إيجاد بيئة من العنف المتساند الذي يتطلب مرافقة دولية طويلة المدى لضبطه.

2 ـ دور التجارة غير الشرعية في مساندة العنف

حالة ترهل السلطة المركزية وانهيارها، ومن ورائها الدولة في ليبيا، جعل من إقليمها الشاسع فضاء لممارسات اقتصادية غير شرعية، إذ إنه أصبح ملاذاً آمناً، لأنها تمكن عناصرها من مورد مالي مستقر يساعدها على البقاء والاستمرار في تنفيذ مخططاتها وتجنيد منخرطين جدد.

كما أن الأقاليم التي تعدّ مناطق عبور ضرورية لهذه الموارد الممنوعة يمكن أن تنالها أعمال العنف، فالمجموعات المسلحة ستعمل على تأمين الطرق لتجارتها، ما يجعلها مصدراً لاستمالة متعاونين محليين لهذا الغرض. وفي النتيجة، سيدخلها الفساد المستشري على طول الحدود ومسالك التهريب في الأقاليم المجاورة، في حلقة العنف بدرجات متفاوتة بظهور فئة مستفيدة من استمرار عمليات التهريب.

ومن بين أهم مظاهر تساند العنف الناتج عن توسع نشاطات التهريب والنشاطات الاقتصادية غير الشرعية وضرورة حمايتها، انتشار الأسلحة الخفيفة على نحو مريب، فغياب آلية فعالة لضبط تداول الأسلحة الخفيفة ضمن الأطر القانونية والمعقلنة، يعدّ أحد المؤشرات التي تحظى بثقل كبير نسبيا ضمن مصفوفة التأزم المستعصي عن الضبط.

وحتى في دولة ديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأميركية فإن عدد ضحايا حوادث إطلاق النار من أسلحة خفيفة لسنة 2013 وحدها، يبلغ 33169 قتيلا، وهو ما يقترب من المعدل السنوي، ليبلغ مجموع عدد الضحايا الذين أحصاهم مكتب التحقيقات الفدرالي 1.384.171 قتيل أي أن الرقم يفوق بكثير عدد قتلى معارك الأميركيين منذ القرن الثامن عشر، أي باحتساب قتلى حرب الاستقلال، إذ يبلغ عددهم 1.171.177 قتيل.

أما الأزمة الليبية التي بتزامن فيها تداول هذه النوع من الأسلحة مع صعوبة استمالة الخصوم نحو التسويات التوافقية، فإن دورها لا ينتهي عند إذكاء العنف، بل وعرقلة التسويات المحتملة لصعوبة ضبط سلوكيات عشرات الألاف من المنخرطين ضمن العصب المتحاربة، والذين يحتفظون برغبة كبيرة في الإنتقام والانتقام المتبادل.

البقية في الجزء التالي بدءً بـ (3 ـ الدعائم الاقتصادية للولاء القبلي / العشائري)

***

عادل زقاغ ـ أستاذ العلوم السياسية، جامعة باتنة، الجزائر

سفيان منصوري ـ أستاذ العلوم السياسية، جامعة باتنة، الجزائر

___________

المصدر: مجلة سياسات عربية ـ العدد 25