Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

ممّا لا شك أن السياسات الأمريكية في المنطقة العربية بالذات، لا ترتبط باسم الرئيس الأمريكي، ولا بهوية حزبه ولا حتّى بطبيعة المُتغيّرات في المنطقة.

ذلك أنها مُرتبطة أساسا بالسياسات الاستراتيجية التي تُسطّرها وتضعها مراكز البحوث المختصة والمُحترفة كما ترتبط أيضا بتوجهات واستراتيجيا الدولة العميقة الأمريكية (البنتاغون – الخارجية – أجهزة المخابرات ومؤسسات الأمن القومي)>

ولكن ذلك لا يعني أبدا أن إدارة بعض ملفات خارجية ترتبط فعليا ومباشرة بتوجّهات كبار المسؤولين والمبعوثين ومُباشري تنفيذ السياسات والاستراتيجيات وخاصة عندما يكون الملف مرتبطا بوجود أطراف دولية أخرى في ساحات الصراع أو بُؤر التوتر وخاصة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

تتوهم بعض النخب الليبية وعدد من المتابعين العرب، أن أمريكا لا تُعطي للملف الليبي أي اهتمامات تُذكر منذ مقتل سفيرها سنة 2012، وأن ليبيا قد تحوّلت إلى ملف ثانوي، وهي في رأينا فكرة أقرب للسذاجة>

فليبيا لم ولن تكون بلدا عاديا لدى راسمي ومُنفذي السياسات الأمريكية لا من حيث موقعه ولا من حيث طبيعته سواء سياسيا أو استراتيجيا أو اقتصاديا، إضافة إلى فرادته كممرّ للمتوسط شمالا وللعمق الإفريقي جنوبا.

ومُضاف إلى كل ذلك أن الأمريكيين لهم من الوعي التاريخي بالملفات من خلال ربطها باستراتيجياتهم بعيدة المدى والثابت ان الملف قد أُحيل سنتي 2013 و 2014 ثم سنتي 2017 و2018 في بعض أركانه وجُزئياته للدُول الوظيفية (إيطاليا مثالا للذكر لا الحصر) أو أنيط بأدوار مسندة للأذرع الإقليمية (الامارات – مصر – قطر – السعودية- الأردن – عُمان…).

وكل ذلك يعني ضرورة أن تعيين السفراء والقناصل فيه بل وحتّى صغار المُوظفين من اداريين وتنفيذيين، يخضع لترتيبات صارمة واختيارات مدروسة وعالية الدقة.

كل النقاط سالفة الذكر تُحيلنا إلى طرح السؤال الرئيسي والاساسي:

ما مدى تأثير طبيعة شخصية المبعوثة الأممية بالنيابة “ستيفاني وليامز” وتوجهاتها على مآلات ملف الأزمة الليبية خاصة وأنه لم يبق لها من عملها سوى أياما قليلة في صورة عدم التجديد لها لمدة أشهر أخرى، حيث أنها حاليا في نفس وضعية المبعوث الأممي الثاني أي “ليون” (سنة 2015) عندما غادر ليترك التنزيل والتنفيذ لسلفه الألماني “كوبلر” بعد امضاء اتفاق الصخيرات؟

من هي “ستيفاني وليامز”؟

رغم دُخولها المباشر في مربعات الملف الليبي كدبلوماسية أمريكية بداية 2018 ثم كموظفة أممية منذ 5 يوليو 2018 ثم مبعوثة أممية بالنيابة في مارس 2020 بعد استقالة المبعوث الأممي الرابع “غسان سلامة”، فإن الكثير من الليبيين والمتابعين للأحداث والتطوّرات في ليبيا لا يعرفون من هي هذه السيدة؟

وما هي توجهاتها الفكرية والسياسية وكيف تكيفت وتتكيف اليوم مع منعرجات الصراع الليبي؟،

وماذا كانت تُخطط خلف “سلامة”، وهل أنها بصدد وضع الحجر الأخير في المهمة التي عادت من أجلها الى ليبيا بعد أن كانت قائمة بالأعمال بالنيابة في سفارة بلادها في ليبيا بداية قدومها سنة 2018؟

الثابت أنها تُتقن العربية وأنها تمرست على شغل المهام بالنيابة (وهو أمر ليس هيّنا في المناصب الدبلوماسية خاصة وأنها كانت تشتغل في القطاع الخاص في دولة البحرين قبل التحاقها بالخارجية الأمريكية).

وهي حاصلة على شهادة في الاقتصاد والعلاقات الحكومية سنة 1987، ثم على ماجستير في الدراسات العربية المُعاصرة سنة 1989 إضافة الى ماجستير الأمن القومي سنة 2008 وتحديدا من الكُلية الحربية الوطنية في أمريكا.

وهي مهنيا دبلوماسية لامعة حيث عملت مُستشارة أولى في “سوريا” وفي “الإمارات” و”الكويت” و”باكستان”، ثم اشتغلت في وزارة الخارجية كمسؤولة مباشرة عن “مكتب الأردن”، ثم نائبة لمدير “مكتب مصر والشؤون المشرقية” ثم مسؤولة مباشرة عن “مكتب المغرب العربي”، قبل أن تلتحق كنائبة لرئيس البعثة الأمريكية في البحرين بين 2010 و2013 (قضت منها 10 أشهر كقائمة بالأعمال)، ثم نائبة رئيس البعثة الأمريكية في “الأردن” بين سنتي 2013 و2015، ولتشغُل نفس الخطة في “العراق” سنتي 2016 و2017 قبل ان تبدأ مشوارها في “ليبيا” عبر تولي قائمة بالأعمال بالنيابة في بداية سنة 2018 كما اسلفنا ذكره أعلاه.

هل تغيّرت مُعادلات قدوم “وليامز” سنة 2018؟

بقراءة بسيطة لتفاصيل السيرة العلمية والمهنية المذكورة أعلاه للمبعوثة الأممية بالنيابة، نلاحظ أننا لسنا امام دبلوماسي كلاسيكي، بل نحن امام ديناميكيا مُتحرّكة وقادرة على استيعاب كل التطورات (عملت حول حوالي ثمان دول عربية وإسلامية وهي: مصر، سوريا، العراق، ليبيا، الامارات، البحرين، الكويت، باكستان).

وهي اشتغلت من وراء مكتبها في واشنطن حول مناطق وتكتلات وملفات عربية كبرى (المشرق ـ المغرب العربي ـ مصر ـ الأردن ـ باكستان”)، وتدرّجت وشغلت كل المناصب الإدارية والدبلوماسية (مُستشارة – مُستشارة أولى، نائبة مدير مكتب دبلوماسي–مديرة مكتب – نائبة قائم بالأعمال، قائمة بالأعمال).

وكل هذه المعطيات والاستنتاجات تُؤكد أن الإدارة الامريكية قد اختارت دبلوماسية مُتمرسة لتكون أولا في الساحة الليبية عندما كلّفتها بداية سنة 2018 كمُكلّفة بالأعمال بالنيابة، فتمرست مباشرة وميدانيا على الساحة الليبية بعد ان كانت تعرفها من خلال اشرافها على “مكتب المغرب العربي” في المقر المركزي للخارجية الأمريكية، قبل ان تكون منذ منتصف سنة 2018 الشخصية الثانية في البعثة الأممية.

وقد أكد كل الذين قابلوها أنها سريعة الاستيعاب وأنها حاضرة البديهة وأنها مُستمعة جيّدة وحريصة على الإلمام بالتفاصيل والخبايا وان لها عقلية جامعة وأنها تشتغل على الحوار والتوافق منذ مقدمها وأن لها استراتيجيا تسير عليها وأنها لا تأبه بخصوص ذلك الهدف للمخاطر والمخاوف وكأنها تعلم جيّدا خاتمة الأمور والملفات، فهي تنتقد الجميع وتحذّر بدون تردد.

وهي حاسمة في خياراتها على غرار تأكيدها أخيرا ومنذ أسبوعين أنه لن يشارك في ملتقى تونس إلا من هو غير مرشح للمناصب، ولعل اجاباتها على بعض الأسئلة بطريقة يسيرة وسهلة بدت جالبة للانتباه، كما أن زيارتها لروسيا خلال الأيام الماضية فاجأت البعض من المراقبين وقبل ذلك كانت تصريحاتها اثر لقاء الرئيس التونسي واضحة وحذرة ومتفائلة في آن واحد بخصوص مستقبل ليبيا.

ومن الواضح أنها تتحكم في كل الخيوط وتتحرك في كل المساحات وقادرة ان تكون قريبة من كل الأطراف في ساحة تتعدد فيها الأطراف كمُكونات مُتباينة إضافة الى تعدد مكونات كل مكون سواء كان مناطقيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا.

عمليا قد تكون الاجندات الامريكية في المنطقة أو في ليبيا تغيّرت وتطورت وتنامت مقارنة بالوضع في بداية صائفة 2018، ولكن الثابت أن “وليامز” قادرة ان تتلاءم مع كل ذلك لتجد نفسها خادمة لأجندات بلدها ومؤسساته واستراتيجياته بعيدة المدى والمسطرة منذ سنوات وربما منذ عقود.

توجهات “وليامز” وآثارها على مآلات الملف الليبي؟

الكثيرون لا يعرفون “وليامز” ومسيرتها العلمية والمهنية وطبيعة شخصيتها المرنة والحذرة وأنها دبلوماسية ديناميكية وأنها محاورة محترفة تعرف اين توجه الحوار وأين تصل به لأهدافها ولتبعث الارتياح لدى محاورها أو ضيفها حتى لو كان غاضبا ومتوترا وما أكثر المتوترين في الساحة الليبية وفي المهتمين بها من أطراف إقليمية ودولية.

ولكن الثابت أن الكثيرين لا يعرفون أيضا ثلاث معطيات رئيسية حول المبعوثة الأممية بالنيابة:

أنها عضوة في “الحزب الديمقراطي الأمريكي”، وهو مُعطى مهم ويعني أنها لن تنتصر مطلقا للمنظومة الليبية القديمة كما ستشركها جزئيا كما لن تتخلى على فكرة المصالحة بين مكونات المجتمع الليبي.

وأنها ستصر على تشريك الجميع وأنه لا للإقصاء إلا لمن أقصى نفسه، وأن الإسلاميين في ليبيا يجب ان يكونوا طرفا في الحكم وفقا لنتائجهم في صناديق الاقتراع ولكن بدون مغالبة لا لهم ولا عليهم، وأن خيار مع ما بعد الحوار وخلال أشغاله هو الانتصار سياسيا للنموذج التونسي على النموذج المصري، وأن فكرة إعادة انتاج “القذافي2” لم ولن تنجح، كما أن فكرة “سيسي ليبيا” قد ولت وانتهت.

أنها تلميذة لرامسفيلد، بما يعني أنها قريبة من مدرسة “المحافظين الجدد” بما يعني محاولة استنساخ النموذج العراقي في ليبيا مع مُراعاة بعض خصوصيات معينة للتلاؤم مع الأرضية الليبية بكل ابعادها وبما يخدم السياسات الأمريكية على غرار أن تكون “سرت هي المنطقة الخضراء (المثال العراقي وان بآليات مُغايرة)، وأن يكون هناك فقط أولويتان وهما: “النفط ” و”محاربة الإرهاب”، وأن ذلك أهم من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن الحكومة الجديدة حتى لو شُكلت فان المصاعب أمامها عديدة ومتعددة وان القرار السيادي الليبي لن يكون بكامله بيد الليبيين أو في حد أدنى أن تكون بعض خيوطه ليس لديهم.

أنها ابنة مطيعة بل والمُدللة للدولة العميقة الأمريكية”، وبالتالي فهي ستراوح بين البُعدين السابقين كما ستُحاول أن تُلاءم بين متطلبات تنزيل السياسات الاستراتيجية الأمريكية في كل القارة السمراء على غرار البحث عن موقع أفضل لـ”الأفريكوم” ودعم مشروع ازدهار القارة، وبين حل الصراع الليبي بآليات الحوار والتوافق واجراء مصالحة ليبية – ليبية تدفن كل آلام الماضي.

أين ستدفع “وليامز” الحوار الليبي؟

وليامز راهنا هي بالضبط شخصية جامعة بين دورين (رجل الدولة العميقة الأمريكية – صاحبة المهمة الأممية في أيامها الأخيرة)، ولكنها أيضا خبرت بدقة الساحة الليبية، وهي ملمة بكل التفاصيل وكل الثنايا وكل المنعرجات وكل المكونات، وكل ذلك يعني أنها ستراوح بين:

تنزيل السياسات الأمريكية بآليات غير مباشرة، وأن التنزيل سيتم وكأنها في تشاور يومي ومُستمر مع مؤسسات الأمن القومي، وأيضا بينها وبين الحكام الفعليين لـ”الخارجية” و”البنتاغون” ومدير “السي أي أي”، ولكنها أيضا ليست مضطرة للمراسلات أو التوصيات حتى تنزل تلك السياسات.

الخدمة غير المباشرة لأحد مرشحي الانتخابات الرئاسية الامريكية (فهي “ديمقراطية” أي انها أقرب لـ”بايدن”، وهي أيضا تلميذة “رامسفيلد” بما يعني أنها ستكون خادمة لآليات وصول “ترامب” مجددا للبيت الأبيض)، ولكنها في الواقع ستُمطّط وتتحكم في الطور الزمني للحوار ومحطاته القادمة بما يجعلها تعرف نتيجة الانتخابات الأمريكية، ثم ستتصرف على ضوئها ولتتلاءم لاحقا وتلاءم الملف الليبي مع شخصية وتوجهات ساكن البيت الابض الجديد بما يسمح به الهامش لشخص الرئيس في سياسات واشنطن واستراتيجياتها بعيدة المدى

باعتبار أن الحوار الليبي مُرتبط بسناريوهات أربع مُرتقبة:

• النجاح الكامل وتشكيل مؤسسات انتقالية جديدة.
• النجاح الجزئي وتطعيم مؤسسات حكومة الوفاق والسماح لـ”حفتر” بروج جديدة في الشرق.
• الانتداب الدولي بغض النظر عن اشكاله وجزئياته ومساراته وترتباته.
• الحرب الأهلية ومطباتها وما سيترتب عليها.

فالثابت أيضا أن الحوار سيتم تمطيطه تفاصيلا، ولكنه سينجح غالبا بإصرار دولي (أمريكي على الغالب وبجهد كبير من “ستيفاني” نفسها)، وبغض النظر عن مثالية النجاح ونسبته وتفاصيله التركيبية، فان نقل النجاح مؤسساتيا وتجسيديا سيتم ترحيله زمنيا الى الأيام اللاحقة لمباشرة ساكن البيت الأبيض الجديد لمهامه بهدف أن يجد أن الملف الليبي على أبواب حل وحكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد وثلاثي التركيبة ومسارات ثلاث (سياسية – دستورية – عسكرية ) في طريقها للحل النهائي.

وعندئذ سيأتي مبعوث أممي خامس وجديد لتنفيذ ما خاطته وخططته وخطته “وليامز” ولتذهب هي كشخص للتقاعد في الجنوب الفرنسي ربما أو قريبا من ليبيا والتي قد تزورها عندئذ بعد أشهر أو سنوات من بداية تقاعدها… ربما.

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الأفريقية

_____________

المصدر: الرأي العام بتاريخ 22 أكتوبر 2020