Minbar Libya

اقترب أكتوبر الجاري على الانتهاء، حاملًا معه أهم 10 أيامٍ في تاريخ الصراع الليبي، فالأزمة قد تنتهي في عدادِ أيامٍ حال توصل الفرقاء إلى اتفاقٍ نهائي حول المسار السياسي عبر انتخاب مجلسٍ رئاسيٍ جديد، وهو الشرط الذي وضعه رئيس حكومة الوفاق فايز السراج لتقديم استقالته آخر الشهر الجاري.

لكنّ الرجل الذي يمسك ساعة إيقاف الأزمة الليبية يدرك أنّ طرفي النزاع سيماطلون – على الأرجح – في المفاوضات، حتى ظهور نتيجة انتخابات الرئاسة الأمريكية منتصف نوفمبر القادم، التي ستؤثر في ترتيبات الأطراف كافة.

حتى اللحظة، يمتلك السراج عدة سيناريوهات جيدة للبقاء على رأس السُلطة بعض الوقت الإضافي، فتعقيدات المشهد السياسي والعسكري تجعل طرفي الحوار غير مستعدين لتقديم تنازلات كبيرة في أيامٍ معدودات، كما أنّ فشل المفاوضات والعودة إلى المربع صفر، يخدم مشروعه السياسي القائم على أن يفرض المنتصر عسكريًا شرطه الأخير، ثم إجراء انتخاباتٍ رئاسية وبرلمانية، دون الحاجة إلى التفاوض مع أحد لتشكيل حكومة توافقية.

3 مسارات للأزمة الليبية.. ماذا حدث في أكتوبر؟

في الوقت الذي أبدى فيه السراج استعداده للتخلي عن السلطة، وعدم المشاركة حتى في الحوار، كانت قوات حفتر ما زالت تواصل تحشيداتها العسكرية، تزامنًا مع الاجتماعات المكثفة التي استضافتها المغرب ومصر وسويسرا، بهدف الوصول إلى اتفاق سياسي يقضي باختيار سُلطة تنفيذية جديدة تقود الترتيبات المتعلقة بإقرار الدستور، وإدارة فترة انتقالية تنتهي بالدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية.

وحتى اللحظة لا يبدو أنّ الوصول إلى حل سياسي في فترةٍ وجيزة أمر سهل، خاصة أنّ كل الأطراف تتعامل مع خصومٍ سابقين لها، فرئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، لا يعترف بشرعية حكومة الوفاق، كما أنّ السُلطة في طرابلس لن تنسى أنّ صالح بارك العملية العسكرية على طرابلس في أبريل العام الماضي، وكل الأطراف المطالبة بتقديم تنازلات تسعى للبقاء في السُلطة والحصول على مناصب حكومية، أو الحصول على ضماناتٍ بالخروج الآمن؛ منعًا للمساءلة القانونية في قضايا فساد مالي أو جرائم حربٍ.

بدأت الأطراف الدولية بجس نبض الطرفين خلال المباحثات التي استضافتها مدينة «بوزنيقة» المغربية، بين وفدٍ من برلمان طبرق ، ووفد من المجلس الأعلى للدولة الليبي، بهدف إحياء اتفاق «الصخيرات» الموقع عام 2015، وحسم أهم البنود الخلافية فيه.

اتفاق الصخيرات، هو اتفاق شمل أطراف الصراع في ليبيا وتم توقيعه تحت رعاية أممية، وانتهى بتوقيع برلمانيين وبعض أطراف الصراع على اتفاق ينص على تشكيل حكومة توافق وطني تقود مرحلة انتقالية من عامين، وتنتهي بإجراء انتخابات تشريعية؛ وهو ما أسفر عن تشكيل حكومة فايز السراج المعترف بها دوليًا، لكنّ الاتفاق رفضه الشرق الليبي، بسبب بنود لم يتم التوافق حولها.

وعلى غير المتوقع، قادت مباحثات «بوزنيقة» إلى اتفاق طرفي الصراع الليبي على حسم المادة «15» من اتفاق الصخيرات، بشأن تعيين قادة المناصب السيادية السبعة وأبرزها: (محافظ مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، ورئيس وأعضاء المفوضية العليا للانتخابات، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام)، ونصيب أقاليم ليبيا الثلاثة منها، وآلية اختيارها، وحظي الاتفاق نفسه بدعم الولايات المتحدة، التي رأت فيه فرصة لإخراج روسيا من الساحة الليبية.

وإلى جانب المسار السياسي، استضافت مدينة الغردقة المصرية مباحثات المسار الدستوري بشأن ليبيا، برعاية الأمم المتحدة ومشاركة وفدي مجلسي الدولة ونواب طبرق، والتي تمحورت حول إمكانية الاستفتاء على مشروع الدستور الحالي من عدمه، إلى جانب بحث الخطوط العريضة لملامح الدستور الجديد.

الحدث الأبرز الذي تشهده الساحة الليبية يتمثلُ حاليًا في اجتماع اللجنة العسكرية في جنيف (5+5)، وتضم وفودًا أمنية وعسكرية من شرق ليبيا تابعة لحفتر، وأخرى تابعة لحكومة الوفاق، بهدف التوصل إلى تثبيت نهائي لوقف إطلاق النار، واستمرار الهدنة المستمرة منذ 21 أغسطس الماضي، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح، وإخراج المرتزقة الأجانب من الحقول والموانئ النفطية، وتأتي تلك المباحثات بعد لقاءٍ أمني مشابه استضافته القاهرة، تزامنًا مع لقاء جمع بين السفير الأمريكي في ليبيا، وبين مدير المخابرات العامة المصرية، اللواء عباس كامل.

المسارات الثلاثة للأزمة الليبية من المفترض أن تُحسم نهائيًا قبل نهاية الشهر الجاري، لكنّ عامل الوقت ليس فقط ما يهددها، فكل مسارٍ ينطوي على عدة نقاط خلاف غير قابل للتفاوض أو المقاربة، إضافة إلى أنّ تحركات حفتر العسكرية الأخيرة، وتحذيرات وزير دفاع حكومة الوفاق بشأن هجوم وشيك على مدن محيط العاصمة أشارت بوضوح إلى الخلافات غير المُعلن عنها حتى الآن، وهي التعقيدات التي من المتوقع أن تُبقي السراج في منصبه، وتُغير دفة المشهد من جديد.

السراج باقٍ لتلك الأسباب.. لماذا قد لا تنتهي الأزمة الليبية في أكتوبر؟

حتى اللحظة نجح وفدا المجلس الأعلى للدولة الليبي ونواب طبرق، في التوقيع على مسودة اتفاق لتوزيع المناصب السيادية السبعة، خلال مباحثات بوزنيقة المغربية، لكنّ الاتفاق نفسه قوبل بالرفض والاعتراض من قبل المجلس الأعلى للقضاء الذي رفض المساس بسيادته، وأعضاء من مجلس نواب طرابلس وحفتر، وقيادات في قوات عملية بركان الغضب التابعة للوفاق، وشخصيات سياسية نافذة أعربت مسبقًا رفضها لنتائج المشاورات.

ولا يمكن بأية حال تمرير نتائج مباحثات بوزنيقة حتى وإن حظيت على مظلة دولية بدون موافقة البرلمان، وتتشرط المادة 15 من اتفاق الصخيرات، موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب لتعيين وإعفاء شاغلي المناصب القيادية للوظائف السيادية، وبحسب بعض التقديرات، فمجلس نواب طبرق سيفشل في التوصل إلى توافق ثلثي أعضائه البالغ عددهم 188 نائبًا، لعدم توافر النصاب القانوني المطلوب؛ فنحو نصف عدد النواب انتقلوا إلى المجلس الموجود في طرابلس، وعدد آخر مقيم في الخارج، وبعضهم وافتهم المنية، والبعض الآخر متعرض للاختفاء القسري.

وسبق لمجلس النواب المنعقد في طرابلس (84 نائبًا من إجمالي 188) أن اعترض على مشاورات بوزنيقة التي لم يكن ممثلًا فيها، مما قد يدفع أغلبية أعضائه للتصويت ضد هذه المسودة.

على جانبٍ آخر يرفضُ فريقٌ من النواب مقربٌ من السراج منح معسكر طبرق مناصب سيادية، معتبرين أنهم حصدوا بالسياسية ما عجزوا عن تحقيقه بمنطق السلاح والقوة، وهي الخلافات التي لم يكشف مصيرها «اتفاق بوزنيقة» حول دور حفتر في المشهد الليبي المستقبلي.

المباحثات التي استضافتها القاهرة والمتعلقة بالمسار الدستوري، واجهت أيضًا فشلًا علنيًا بعدم توصل الوفدين القانونيين الممثلين عن طرابلس وبنغازي إلى نقطة اتفاقٍ بشأن الوصول لصيغة توافقية حول الدستور، وتجاوز نقاط الخلاف، واكتفت القاهرة لحفظ ماء الوجه بإصدار بيان ختامي مقتضب دعا للاتفاق على جولة ثانية لم يحدد موعدها.

الدلالة التي تجعل المسار الدستوري هو أعقد المسارات في الأزمة الليبة، تتمثل في البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للقضاء حول رفضه تفاهمات بوزنيقة حول المناصب القضائية، والتي اعتبرها تدخلًا ومساسًا بسيادة واستقلال هذه السلطة، ويُنظر لثقل هذا المجلس على اعتبار أنه إحدى السلطات الثلاثة التي ظلت موحدة ولم تنقسم، على عكس السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وبينما لم تفض لقاءات المسار الأمني التي احتضنتها مصر، إلى تفاهمات نهائية حول تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع انهيار العملية السياسية، يشهد اجتماع اللجنة العسكرية في جولته الرابعة في جنيف المُخرجات نفسها وسط تكتمٍ على تفاصيل الحوار أو معطيات سيره، وفي أول تعليقٍ من جهة رسمية، أعلنت الخارجية الفرنسية وسط تكتمٍ على تفاصيل الاجتماع، ضرورة أن تشمل اللقاءات إخراج المرتزقة ومنع تهريب السلاح، وهي نقاط خلافٍ أخرى تُضاف إلى العراقيل.

الجانب الإيجابي الوحيد الذي أفرزته المباحثات، هو عودة الطيران الليبي بين بنغازي وطرابلس، دون إزالة السواتر الترابية، والعراقيل التي وضعها طرفا النزاع في سرت والجفرة، والممتدة في وسط ليبيا، والتي تعد فاصلًا عسكريًا بين الشرق والغرب.

المُعطيات السابقة تدفع المسار السياسي للأزمة الليبية في اختبار الوقت الذي قد يستغرف أكثر من عامٍ ونصف، مثلما حدث مع اتفاق الصخيرات، وهو الوضع الذي يقود في كل الأحوال إلى بقاء السراج في منصبه سلمًا وحربًا، وامتلاكه فعليًا ساعة إيقاف الأزمة الليبية أو استمرارها، خاصة أنه سبق وصرح خلال اللقاء المتلفز الأخير عقب استقالته بأنه لا يريد الخروج من المشهد وفق تلك الشروط التي فُرضت عليه المتمثلة في بقاء غريمه، وطبيعة المسار السياسي نفسه.

ما هو السيناريو الذي يريده السراج في ليبيا؟

تشهد الساحة الليبية حاليًا وضعًا عسكريًا مُعقدًا أكثر من أي وقتٍ مضى؛ الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر الذي خسر الغرب الليبي في ثلاثة أسابيع فقط، لا يزال مُسيطرًا على مدينة سرت وقاعدة الجفرة الاستراتيجية – وسط ليبيا -، ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أطلقه السراج في أغسطس الماضي، إلا أنّ قواته عمليًا تواجه عقبات كبرى للتقدم عسكريًّا تجاه أهدافها المُعلنة حال انهيار الهدن، تتمثل في التواجد الروسي والتحذير المصري، وبينما يفشلُ السلاحُ في حل الأزمة، لا تصلُ السياسةُ أيضًا إلى وسيلة تجمع الفرقاء كافة.

من وجهة نظرٍ أمريكية، كان الحل للخروج هو إخلاء مدينة سرت والجفرة، واعتبارها عاصمة مؤقتة في إطار منطقة منزوعة السلاح، تكون مكانًا مثاليًا لاحتضان حكومة مركزية تجمع المؤسسات السيادية بعد توحيدها، وبخلاف أنها تقع في المثلث النفطي الذي يحوي – 80% من نفط ليبيا – فأهميتها الاستراتيجية تكمن أنها بعيدة جغرافيًا عن مركزي الصراع الليبي في الشرق والغرب، وهي الرؤية ذاتها التي اقترحها رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح.

اقترح صالح أيضًا تشكيل مجلس رئاسي جديد مكون من ثلاثة أعضاء يمثلون أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان) بدلًا من المجلس الحالي المكون من تسعة أعضاء، كما اقترح أن يكون رئيس الحكومة الجديد من غير إقليم رئيس المجلس الرئاسي الحالي، ولا أيضًا من إقليم رئيس مجلس النواب، وتستمر سرت عاصمةً مؤقتة طيلة الفترة الانتقالية المقترحة بين 18 و24 شهرًا تنتهي بانتخابات رئاسية وبرلمانية، ثم ينتقل بعدها الرئيس والحكومة إلى طرابلس، والبرلمان إلى مدينة بنغازي.

الرؤية الأمريكية تحظى بتوافق روسي تركي، وبالأخص مصري كونها تدعم مخرجات مبادرة القاهرة التي أطلقها السيسي في يونيو الماضي، في حضور عقيلة صالح وخليفة حفتر، وهو السيناريو الذي يضمن تحقيق الرؤية المصرية من دون تفعيل المبادرة ذاتها، لكنّ السراج سبق وألمح قائلًا: «رغم قناعتي بأن الانتخابات هي أنسب طريقة للوصول إلى حل شامل، لكنني سأكون داعمًا لأية تفاهمات أخرى».

وعلى النقيض اقترح السراج قبل شهرين مسارًا سياسيًّا قائمًا أولًا على وقف إطلاق النار، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من كامل ليبيا، ثم التحضير والدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في مارس عام 2021، بهدف الخروج من المرحلة الانتقالية التي امتدت تسع سنوات منذ سقوط رأس النظام السابق في أكتوبر من العام 2011.

سيناريو السراج لا يحظى بقبولٍ دولي سوى من الجزائر التي أعلنت على لسان رئيسها أنّ حل الأزمة الليبية يكمن في إجراء انتخاباتٍ عاجلة، واعتماد دستور جديد، انطلاقًا من أنّ الحل في ليبيا يبدأ من اعتماد شرعية جديدة عبر انتخاب رئيس يقوم بعملية إعادة بناء ليبيا ومؤسساتها، وهو الحل الذي لا يُلاقي قبولًا من الدول التي يُشار لها بشركاء الحرب في ليبيا.

فترة انتقالية خامسة أم مجلس رئاسي.. ما هي مشكلات كل سيناريو؟

ربما يراهن السراج على انتهاء الشهر الجاري، دون أن تُفضي معه المهلة التي حددها لتقديم استقالته، إلى تقدمٍ ملموس فيما يخص اختيار مجلس رئاسي جديد، وبالرغم من أنّ الرجل لن يكون بمقدوره فرض المسار السياسي الذي دعى إِليه، كونه لا يُلاقي قبولًا داخليًا أو دوليًا، لكنه سيظل بمقدوره التحكم في مسار المفاوضات القائمة، وأبرزها رفض عودة حفتر للمفاوضات بعد الهزيمة العسكرية، وهي معضلة لم تُحسم بعد.

رفض السراج تشكيل مجلس رئاسي جديد خوفًا من أن تشهد ليبيا صراعًا أسوأ مما هي عليه الآن؛ فولاء الحكومة التي سيشكلها المجلس الجديد ستكون وفق نظام محاصصة يجعل الولاءات متجهة لإقليم وليس للمجلس، وفي حال نشوب صراع على السُلطة سيتمسك كل طرفٍ بشرعيته الدولية الممنوحة له، وهو ما من شأنه أن يُدخل ليبيا إلى نفق مظلم قد يمتد لسنوات أخرى، إلى جانب الفترة الانتقالية المقترحة التي لن تقل عن عام ونصف، وهو خلاف آخر رئيسي لم يُحسم بعد، وتتخوفُ حكومة الوفاق من أن ذلك الاقتراح قد يُطيل من سنوات الأزمة، ويرى كل طرفٍ أنه لا تفاوض على ذلك البند.

سببٌ آخر لرفض السراج للمسار السياسي الحالي، كون المتفاوضين لم يتنازلوا عن إضافة بند يمنعهم من تولي مناصب حكومية خلال الفترة الانتقالية، إلى جانب بنود أخرى تتعلق بمنع المشاركين في المرحلة الانتقالية من الترشح للانتخابات، أو تولي مناصب في حكومة ما بعد الانتخابات، ويتخوف كل طرفٍ من عدم التزام الطرف الآخر بالمسار الديمقراطي، وإخضاعهم للمحاكمات.

على الجانب الآخر، الدعوة لانتخابات مبكرة وانتهاء الفترة الانتقالية، تُقلق طرفي الصراع في طرابلس وبنغازي، لأنها تمهد وفق أدق التصورات إلى عودة المعسكر القديم المتمثل في سيف القذافي، وتكمن أزمته لدى طرفي الصراع، كما أن حكومة الوفاق لا تستطيعُ الوصول له شرق ليبيا، ويخشى الطرفان من فوزه حال تفعيل العملية السياسية وإجراء انتخاباتٍ رئاسية بهدف الانقسام الذي تشهده البلاد، وهو ما يعني ضياع كافة مكتسبات معسكري طرابلس وبرقة اللذين صعدا إلى السلطة على أنقاض النظام القديم.

_______________