Minbar Libya

بقلم د. عبدالكريم هشام

تهدف الدراسة إلى استعراض طبيعة الأزمة في ليبيا ومساراتها ومستوياتها، والوقوف على تطورات هذه الأزمة ورصد أبعادها وتأثيراتها المباشرة على الواقع الأمني في الجزائر، فالإرتباط المتشابك والمعقد للأزمة الأمنية في ليبيا يعتبر من التهديدات الأمنية المباشرة بالنسبة للجزائر.

الجزء الثاني

ثانيا: الأطراف الفاعلة وتطورات الأزمة الليبية

1ـ دول جوار ليبيا

تسعى دول الجوار الليبي التي أصبحت في مرمى تداعيات الأزمة إلى فرض نفسها في معادلة الضغط على أطراف الازمة والدفع بها نحو تفضيل الحل السياسي، فهي معنية بشكل كبير وحساس بضرورة تجنيب ليبيا سيناريو التدخل الأجنبي الذي يعني انفجار الوضع الإقليمي.

لكن ما يمكن ملاحظته أن دول جوار ليبيا المعنية مباشرة بالأزمة الليبية لا تزال لا تتفق على أرضية عمل موحدة حول كيفية التعامل معها، فقد تباينت مواقف كل من الجزائر وتونس عن الموقف المصري حيث تميل مصر مع مشروع حفتر، بينما تفضل الدولتان الإخريات أن تكون لهما علاقة متعادلة بين الطرفين.

لقد احتضنت الجزائر أكبر اجتماع لدول الجوار الليبي في بداية 2020 ضم وزراء خارجية كل من مصر وتونس والسودان والنيجر ومالي وتشاد بالإضافة إلى ألمانيا، هذا الاجتماع يأتي في سياق الجهود الدبلوماسية المكثفة من أجل الدفع بمسار التسوية السياسية للأزمة عن طريق الشامل بين مختلف الأطراف الليبية.

يأتي الاجتماع بعد أقل من أسبوع على مؤتمر برلين، الذي انتهى بالإتفاق على حظر توريد الأسلحة والتوصل إلى وقف إطلاق النار في ليبيا، واتفق المشاركون حول الأزمة الليبية إلى التأكيد على أنه لا حل للأزمة الليبية إلا بشكل سياسي وأن يكون بين الليبيين وحدهم، ودعم وحدة الأراضي الليبية واحترام سيادتها كدولة واحدة موحدة، وإشراك دول الجوار في الدولية لحل الأزمة، بالإظافة إلى إشراك الاتحاد الأفريقي باعتبار ليبيا عضوا فيه، ورفض التدخلات الخارجية، وكذا رفض تدفق الأسلحة إلى ليبيا.

كما التأكيد على ضرورة استئناف العمل مع دول الجوار الليبي وإشراك الإتحاد الأفريقي في هذه المبادرة، مع مواصلة التشاور والتنسيق من أجل إبلاغ موقف دول الجوار للمجتمع الدولي.

كما حضر وزير خارجية ألمانيا هيكو ماس، بصفة ملاحظ، وقال في تدخله بالاجتماع: “هناك الكثير من التعقيدات، ونحن واعون بخطورة الوضع في البلاد … الصراع لا يزال متواصلا، ولن يتوقف إلا محاولة تقريب وجهات نظر الفرقاء”، لافتا إلى أن “هيكل الدول المشاركة في الإجتماع ستسعى لإيجاد حل سلمي للأزمة الليبية”، واعتبر أن “الحل السياسي” سيكون هو “المخرج الحكيم لليبيا” كما أكد هاوس على “أهمية اجتماع الجزائر، بعد قمة برلين نحو حلحلة الصراع الليبي.

2 ـ إيطاليا

إيطاليا تعتبر ليبيا من “ملفاتها الحيوية” و “الاستراتيجية”، بسبب مصالحها في قطاع النفط في الغرب الليبي خاصة شركة إيني، وتميل إيطاليا لتأييد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، بقيادة السراج، وإن كانت لا تمانع في الإتصال بحفتر اعترافا بدوره في محاربة التنظيمات الإرهابية، وتسحبا لاحتمالات تغير الموقف لصالحه في ليبيا.

وقد استضافت مدينة باليرمو الإيطالية يومي 12 و 13 نوفمبر 2018 مؤتمرا دوليا، بمشاركة اطراف ليبية من الداخل والخارج، وذلك لمناقشة خطة السلام التي وضعها الأممي إلى ليبيا غسان سلامة الذي دعا لإتاحة الفرصة لليبيين لبلورة رؤية مشتركة حول الفترة الإنتقالية واغتنامها من أجل التخلي عن استخدام القوة، واعتماد جدول زمني لتحقيق تقدم في توحيد المؤسسات، ثم البدء بالعملية الانتخابية.

3 ـ فرنسا:

تعتبر فرنسا اللاعب الأساسي في توجيه المشهد الليبي نحو الحسم العسكري وتدعيمه، وتتلخص رؤيتها في تفضيلها للتدخل المباشر وللحسم العسكري للأزمة الليبية لفرض حل سياسي في مرحلة لاحقة، لكنها فشلت في فرض رؤيتها بسبب فشلها في توفير الغطاء الدولي وافتقادها للدعم الأوروبي أيضا.

مع تحول النزاع في ليبيا من نزاع منخفض الشدة إلى نزاع قوي ومعقد، عبرت خارجيتها من خشيتها من إعادة السيناريو السوري في ليبيا بسبب التدخلات المفتوحة للقوى الخارجية، وخشيتها من تقسيم إقليمي للبلاد و كذلك عجز الوساطات الدولية.

يتحدث المهتمون بالشأن الفرنسي من المحللين عن انتكاسة قوية للسياسة الخارجية الفرنسية التي فشلت في دمج حفتر في تسوية سياسية شاملة كانت باريس تتخذ مبادرات مختلفة من أجلها، وبالتالي تزويدة بورقة الشرعية السياسية.

ففرنسا التي لها استثمارات كبيرة في الجنوب الليبي، فضلا عن اهتمامها بملف الهجرة الشرعية إلى أوروبا، وهي تدعم معسكر حفتر سرا، بينما تتخذ موقف التوازن في استقبال السراج على أراضيها باعتباره رئيس الحكومة المعترف بها دوليا، اتساقا مع موقف الإتحاد الأوروبي، سعت من خلال عقد مؤتمر في باريس حول ليبيا إلى أن تحافظ على أعلى مستوى من الإتصال الدائم مع الضابط الليبي حفتر.

حتى عندما شن هجوما على طرابلس في أبريل 2019، سعت فرنسا إلى إظهاره كفاعل في النزاع الليبي، وكمحترم لمطالب المجتمع الدولي (تلك التي طرحها مؤخرا مؤتمر برلين في يناير) أو بشكل أكثر تشؤما، فهو حسب فرنسا أنه يتمتع بميزة مزدوجة تتمثل في امتلاك القوى ذات المصداقية وتوجهه “العلماني”.

تحاول فرنسا جاهدة التأكيد على أنه لا يمكن إحلال السلام دون الأخذ بعين الاعتبار قطب خليفة حفتر كأحد الفاعلين المهمين في النزاع، والذين تسيطر قواتهم حتى اليوم على ثلث البلد (لكن لا العاصمة ولا حقول النفط).

4 ـ الولايات المتحدة:

أميركا ضعفت اهتمامها بالمشكلة الليبية، لتركيزها على مشكلة إيران وصفقة القرن، ومع ذلك فقد أوضحت اتصالات الرئيس الأميركي بالمشير حفتر تقديرا أميركيا لدوره في محاربة الإرهاب، واعترفا بالجيش الوطني الليبي وبوجود ميليشيات إرهابية في المعسكر الآخر.

5 ـ روسيا (وحلفاؤها)

تسعى روسيا للتفوق من الناحية الاستراتيجية، ولزيادة تواجدها في ليبيا، على اعتبار أنها أصبحت من الناحية الاستراتيجية محور آخر لأنشطته في الشرق الأوسط، وروسيا التي لها رؤية مزدوجة في الصراع الدائر في ليبيا فهي ترى حفتر حليفا محوريا لها في الشمال الأفريقي، خاصة في ملف تسليح الجيش الليبي في مرحلة ما بعد الحصار، وإعادة الإعمار بعد تهدئة الأزمة.

فضلا عن أهمية نفوذها للشمال الأفريقي كورقة تفاوضية مؤثرة مع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، وهي مع كل من مصر و الإمارات و الأردن و المملكة العربية السعودية، تقدم دعما مباشرا للجيش الوطني الليبي، وتتحدث بعض المصادر عن وجود 2500 من المقاتلين الروس في ليبيا للقتال في الميدان تابعين للمؤسسة الخاصة، ومن أهمها فاغنر ، فقد تم إرسال المئات من المقاتلين ينتسبون لتلك الشركات إلى ليبيا، نقلت أغلبهم من دمشق إلى بنغازي عبر أجنحة الشام للطيران وهي شركة طيران سورية خاصة.

6 ـ تركيا:

يستند التدخل التركي الذي تقوم به حاليا في الشأن الليبي إلى افاقات أمنية وقعها أردوغان مع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، والتي تشمل نقل الأسلحة وتبادل المعلومات والتدريب الأمني وتبادل أنظمة الأسحلة فضلا عن إمكانية نشر تركية بليبيا لمدة ثلاث سنوات مقبلة وتنفيذ تدريبات مشتركة وإنشائ مكتب مشترك للتعاون في مجالي الدفاع والأمن بين البلدين.

أعطت هذه الاتفاقية لأنقرة المبرر للتدخل، فبدأت أنقرة في تنفيذ بنودها ونقل المعدات والعتاد والخبراء العسكريين، بعد موافقة البرلمان التركي على طلب أردوغان في تنفيذ مهمة عسكرية في ليبيا، رغم العديد من التساؤلات حول مكسب أنقرة من هذا التدخل في ليبيا؟ وما هي العواقب المحتلمة؟

حسب النظام التركي فإن تدخله العسكري في ليبيا يهدف إلى موازنة الموقف بعد إعلان قوات حفتر الهجوم على طرابلس، وقد شملت أنماطا وإشكالا متنوعة من الدعم بما فيها الخبراء، والتسليح، والمعلومات الاستخبارية، والمشاركة الفعلية في مجريات المواجهات الدائرة، خصوصا باستخدام الطائرات المسيرة، وبعض القطع البحرية التركية في مياه المتوسط.

التدخل التركي في ليبيا عسكريا بدا فعليا في التغيير من طبيعة الموازن على الأرض، كما كان لهذا التدخل العسكري التركي المباشر دورا كبيرا في تحقيق تفوق ميداني ومكاسب عسكرية تكفل تغيير موازين القوة وبالتالي دعم المواقف التفاوضية في المسار السياسي، فعمقت أنقرة على هذا الأساس تدخلها في المعارك بتقديم منظومات تسليح متقدمة، ونقل أعداد من المقاتلين التابعين لفصائل إسلامية مسلحة من سوريا إلى غرب ليبيا.

هذا ما دفع لزيادة التوتر بين تركيا والعديد من القوى الفاعلة والتي ترفض تماما هذا التدخل، فقد عبر الرئيس الفرنسي ماكرون عن قلقه من “مخاطر التصعيد” في ليبيا “المرتبطة بتزايد التدخلات العسكرية الأجنبية”.

وبالنسبة للموقف الجزائري من التدخل التركي، فهو مبني أساسا من المبدأ العام للمقاربة الجزائرية الرافضة في أصلها لأي تدخل أجنبي في ليبيا والداعية لتغليب لغة الحوار بين الفرقاء، لذلك كثفت الجزائر تحركها مؤخرا تجاه الأطراف الفاعلة بالمشهد الليبي، خصوصا مع تركيا وموسكو.

البقية في الجزء الثالث، بدءاً بالبند الثالث (الجزائر كفاعل محوري وحاسم في الأزمة).

***

د. عبد الكريم هشام – جامعة باتنة-1 ، الجزائر

***

مجلة الدراسات الإستراتيجية والعسكرية ـ مجلة دورية دولية محكمة، وتعنى في مجال الدراسات والبحوث والأوراق البحثية في مجالات الدراسات العسكرية والأمنية والإستراتيجية الوطنية، الإقليمية والدولية.

_______________

المصدر: مجلة الدراسات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية ـ تصدر عن “المركز الديمقراطي العربي” ـ برلين ألمانيا.

المجلد الثاني ـ العدد الثامن ـ سبتمبر 2020م