Minbar Libya

بقلم عادل زقاغ و سفيان منصوري

تم إخضاع الأزمة الليبية لعديد الأدوات التحليلية لفهم ديناميكية التصعيد وسبل التهدئة. ولكن عادة ما تركّز الأدبيات ذات الصلة على متغيرات سياسية وأمنية.

الجزء الثاني

5ـ تراجع الدخل الفردي وتنامي شعبية عرابي العنف الإثنوـ سياسي

إن تحرير الاقتصاديا الموجهة و “لبرتها” قصد زيادة تنافسيتها، وإدماجها في السوق العالمية يؤدي، على الصعيد الاجتماعي، إلى رفع سياسات الدعم الحمائية التي كانت تحظى بها فئات واسعة من المواطنين البسطاء، أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أو رجال الأعمال، وينتج من ذلك تراجع مدخولات الأفراد والأسر والمؤسسات، بل وإفلاس الكثير منهم، ما يساهم في تراجع مستوى المعيشة، ويولد ذلك سخطا متزايدا تجاه الحكومة المركزية، ويعمد عرابو (العنف) الإثنو ـ سياسي إلى الإستثمار فيه وإعادة توجيهه ضمن دوائر إثنية خالص.

غير أن قدرة عرابي العنف الإثنو ـ سياسي على التعبئة تتزايد سريعا مع انتشار مظاهر الحرمان، إذ إن أفول مظاهر السلطة المركزية بل والدولة ككل يحرم الأفراد من “الإعتماد” على “الزبائنية” لتلبية متطلبات الحياه، وفي مقابل ذلك فإن الإثنية/ القبيلة توفر إطاراً مناسباً وفعالاً لتحصيل الخدمات في مقابل إظهار الولاء للإثنية، وليس خافيا أن هناك أفول كبير في المدخولات الليبية من النفط خلال السنوات الخمس الأخيرة، ووافق ذلك على نحو غير مفاجئ مدد التصعيد واشتداد العنف بين العصب المسندة قبليا.

وإذا كان تزايد حدة الاستقطاب بين الإثنيات/العشائر/العصب المختلفة بتراجع الموارد للنظام الزبائني مبرراً، فإن السقوط في مدة لاحقة ضمن أسوار المعضلة الأمنية المجتمعية يرفع من شأن الإثنية/العشيرة، ويزيد جاذبيتها بوصفها بديلاً لتوفير الحاجات الإنسانية الأساسية وعلى رأسها البقاء، وليس أقل أهمية منها السعي لتحقيق امتيازات اقتصادية (والحفاظ عليها) بالنسبة إلى الأفراد والأسر، سواء قبل نزوع الأزمات نحو التصعيد أو خلال/ بعد مدد التصعيد وحتى بعد التسويات.

ثانيا: مقاربات لتخفيف حدة الأزمة الليبية من منظور الاقتصاد السياسي للسلم والحرب

قدم لنا منظور الاقتصاد السياسي للسلم والحرب العديد من المقاربات، قصد تخفيف شدة الأزمات والانتكاسات سواء أكانت اقتصادية/ مجتمعية أو إقتصادية/ أمنية. وسنقوم باستخدام أبرز هذه المقاربات من أجل تقديم خريطة لتخفيف حدة الأزمة الليبية.

1ـ زيادة الجاذبية الاقتصادية لولاءات عبر قبلية: التحول عن المكاسب النسبية إلى المطلقة

بالنسبة إلى مناصري الحفاظ على ليبيا موحدة، يمكن إيجاد حوافز سياسية كثيرة وأهمها أن الدفع باتجاه التقسيم، في ظل مجتمع قبلي لن يساهم إلا بمزيد من المطالبات الانفصالية، وفي النتيجة تشظي التراب الليبي، بل إن هذه المطالبات تكتسي طابعاً أخطر إذا أخذنا في الإعتبار المطامع الخارجية.

ويعد إقليم برقة الغني بالنفط نموذجا مثالثا لتنامي النزعة الإنفصالية، لكنه يضم فعليا عددا قليلا من السكان، قياساً على شساعة الإقليم، الشيئ الذي ساهم في توالي ما تم تأويله إلى أنه تلميحات مصرية تنطوي على المطالبة ببعض مناطق الإقليم الشرقي في ليبيا.

وفي هذه الحالة، فإن الحفاظ على الوضع القائم (ليبيا موحدة) كفيل بحماية المكتسبات المجموعاتية على المدى الطويل، فمن الواضح أن المغامرات الانفصالية لن تجلب غير بعض المكاسب قصيرة المدى.

وهذا الوضع يمكن التعبير عنه بالتحول عن الرؤية الواقعية للصورة المثلى لمكاسب الفاعلين السياسيين، والتي تحاجج بأنه يفترض بها أن تكون نسبية، أن تجعلها دوماً في مواجهة مع مكاسب الخصوم، وبذلك فإن التفاعل الإستراتيجي بين المجموعات المكونة لمعادلة الصراع في ليبيا يماثل مبارة صفرية، يسعى الكل من خلالها لحسم مسألة التفوق والسيطرة على الإقليم والموارد لمصحة أعضائها، على حساب المجموعات الأخرى.

بينما تقدم الرؤية الليبرالية بديلاً أكثر تسانداً في مثل هذه التفاعلات، إذ إن ما يمكن الحصول عليه بفضل تكريس النزعة التعاونية على المدى الطويل أكبر بكثير مما يمكن جنيه من جراء الإستكانة إلى الاستراتيجيات أحادية الجانب.

2ـ تجفيف منابع تمويل المجموعات المسلحة

ومن ذلك محاصرة عمليات التهريب، فتهريب الوقود مثلا، يوفر مصادر دخل معتبرة للجماعات المتناحرة، إذ كشفت تقارير أممية أن سعر الوقود الليبي المدعوم يجعله في حدود 0.4 دولار للغالون (3.78 ليترات) بينما تتم إعادة بيع المهرب منه في مالطا بنحو 4.73 دولارات وفي تونس بنحو 2.88 دولار (أي على التوالي، يساوي سعره في ليبيا بمقدار 7 مرات و 11مرة).

وعلى الرغم من محاولات اعتراض عمليات التهريب التي كللت إحداها بالنجاح مع حجز نحو 2000 طن من وقود الديزل كانت موجهة إلى مالطا، فإن هذه المساعي أبعد ما تكون عن تجفيف منابع تمويل الأزمة المستعصية بين الفرقاء الليبيين، إذ يتعين إرساء آلية متعددة الأطراف لوقف عمليات التهريب، ولا سيما على الخطوط البحرية.

لا شك في أن استمرار هذا الوضع يعني حصول المجموعات المسلحة على مزيد من الأموال لشراء الأسلحة، بل إن غياب التحكم في أسواق الوقود يعرقل تطبيع الحياة اليومية لليبيين عدم توافر محطات الوقود على كميات كافية منه، فضلا عن أن كميات معتبرة منه (مدعومة السعر) تتوجه إلى ملء خزانات المركبات التي تستعمل لأغراض قتالية.

3ـ البعد الاقتصادي للتجنيد: ضرورة رفع تكاليف الإمداد بالمجندين

توفر البطالة بيئة ملائمة لاستمالة المجندين ضمن المجموعات والعُصَب المسلحة التي تملك موارد مالية، ففي مقارنة بسيطة بين متوسط الدخل الفردي في البلدان المعنية بالعنف السياسي، أو تلك التي تضم مترشحين للإلتحاق بالمجموعات المسلحة، وبين ما يحصل عليه المنخرطون في الجماعات الإرهابية والعُصَب المسلحة أو المتمردة، يمكن أن تستشف سر جاذبية هذه التنظيمات للمترشحين المحتملين للتجنيد، وهم عادة أفراد يعانون الحرمان والإضطرابات النفسية والإغتراب.

ويمكن الحديث عن مثال بارز في هذا الصدد وهو تنظيم “داعش” في سورية، إذ أقر التنظيم الإرهابي راتباً يقدر بـ 400 دولار شهرياً لكل مقاتل، يضاف إليها 50 دولاراً عن كل طفل، و 100 دولار عن كل زوجة، و 400 بدل هجرة للمقاتلين الأجانب.

وإذا أخذنا في الاعتبار مستوى الدخل الفردي الضعيف نسبياً في دول الجوار، وحالة السخط الاجتماعي لبعض أبناء الجالية العربية والإسلامية في أوروبا، فإن رواتب كهذه تعدّ مغرية جداً، حتى إنها ساعدت في استقطاب المجندين ضمن كتائب المجموعات الأخرى المعارضة للنظام السوري، بل حتى بعض الفارين من الجيش النظامي.

في ليبيا تعدّ الرواتب اشدّ جاذبية، إذ تقدر بـ 6000 دولار أميركي شهرياً للمقاتلين/ الإرهابيين في رتبة أمير، فضلا عن 400 دولار عن الزوجة و 200 دولار عن كل ولد، بينما يحصل المقاتلون/ الإرهابيون على رواتب بالدينار الليبي لا تقل عن 1000 دينار (726 دولار) للعازبين، وما بين 2000 دينار ليبي (1452 دولار) و 3000 دينار ليبي (2179 دولار) لمتزوجين، وذلك بحسب الأقدمية في التنظيم.

بطبيعة الحال، يمكن لهذه الحزمة من المغريات المالية أن تستقطب عناصر شابة جديدة، إذا أخذنا في الاعتبار حالات الإحباط واليأس التي تعانيها هذه الفئة، في ليبيا، بفعل انهيار الدولة، أو في الدول المجاورة.

بل إن تقريراً لـ دير شبيغل الألمانية حذّر من أن 200 ألف مقاتل ناشطين حالياً في ليبيا ضمن 1500 مجموعة مسلحة متشددة قد ينضمون إلى داعش إن لم تتخذ تدابير تمنع ذلك.

4ـ الاقتصاد السياسي لضمور تنظيم الدولة داعشفي ليبيا

يبدو أن مصادر تمويل عدة يصعب تحديدها بدقة ساعدة “داعش” في الحصول على تمويل كاف للإنطلاق، غير أن انتشار التنظيم لم يحفتظ بالإيقاع ذاته بسبب الاعتبارات العشائرية، ذلك لأن مناطق انتشارها لا تتوافر فيها حقول نفط أو غاز يمكنها المساعدة في ضمان الحصول على موارد مستقرة لتمويل لوجيستي فاعل للتنظيم.

لكن وبما أن القبيلة تؤدي دوراً حاسماً في نحت الاستقطابات السياسية، فهل تؤدي القبلية دورا في إذكاء العنف المرتبط بالتطرف الديني؟

يمكن للقبيلة أن تكون عاملاً مساعداً في انتشار العنف، بفعل التأثير الحاسم للولاءات العائلية وامتداداتها العشائرية، قياسا على الولاءات المدنية، فضلا عن خاصية التضامن بين أعضاء القبيلة، كل ذلك يجعل سقوط أفراد فاعلين في إحدى القبائل في فخ التطرف وانضمامهم إلى الجماعات المتطرفة عالملا مساعدا في رفع احتمالات جر عشيرته برمتها إلى الإنضمام إلى نهج التطرف، وقد يدفع في هذا الاتجاه ويسنده وجود عداء قديم بين تلك العشيرة وعشائر أخرى تتخندق في صف الحكومة المركزية، أو المجموعات المناوئة للمتطرفين.

لكن ذلك يبقى صحيحا عندما تضعف القيادات التقليدية ممثلة بالشيوخ قياساً على القيادات المتحمسة الشابة التي لا تمتلك رؤية بعيدة الأمد (قبليا)، تأخذ في الإعتبار عامل الحفاظ على الولاء العشائري متقداً.

ذلك أن الإنسياق وراء الولاءات ذات الطابع الديني يضعف سلطة العشيرة مقابل تدفق الولاءات في كل الإتجاهات داخليا وخارجيا، ضمن شبكات الإرهابيين، لنتهي ذلك إلى تقويض سلطة الشيوخ.

لكن جل هذه الاحتمالات تبقى ضعيفة في حالة توافر هذه القبائل على قادة أقوياء، كما هي الحال في معظم القبائل الليبية، إذ يجب ألا نغفل عن حقيقة قوة الشيوخ مستمدة في جزء كبير منها من قدرتهم على توزيع القيم الرمزية والمادية، ولأن أغلبها انضوت في تحالفات تحوز حقولاً نفطية، فإن هذا الإحتمال يتدنى كثيراً.

خاتمة

حاول هذا البحث فحص الدور الذي تؤديه المتغيرات الاقتصادية في توفير فهوم للأزمة الأمنية المستعصية في ليبيا، إذ وعلى الرغم من الإنسياق المتعاظم للأدبيات نحو ترجيح التفسيرات السياسية، فإن هذه الورقة البحثية خلصت إلى استشفاف مواطن الثقل التحليلي للحوافز الاقتصادية، إذ عبر فحص عدد من المتغيرات الإقتصادية، بأخذ سؤال جوهري في الإعتبار:

ما إذا كانت الوضعيات النزاعية تتقاذفها دوما تفسيرات تمتد بين الجشع والمظلمة أو بتعبير آخر، ما إذا كانت الدوافع المتأتية من المكاسب الإقتصادية، أو تلك المتأتية من الدور الاجتماعي هي الناظم للسلوك وخيارات الأفراد والمجموعات، فإنه يبدو جلياً، من خلال جملة من الأمثلة المقدمة أن استبعاد المتغيرات الاقتصادية في مسعى تفسير ديناميكية التصعيد والتهدئة في الحالة الليبية ليس دقيقا، بل يمكن إيجاد ما يدحضه من الأسانيد.

لقد تبين أيضا أن الدور الذي يؤديه البعد الاقتصادي للأزمة الليبية ليس ضمن بواعث النزاع وحسب، بل إنه يؤدي إلى استعصائها على جهود التسوية أيضا، ومن بين تفسيرات هذه الحالة، نجد وقوع النشاط الاقتصادي ضمن الدائرة الإجرامية ما يتسبب في تساند العنف على المدى الطويل.

ذلك أن سقوط الاقتصاد الليبي في فخ النشاط غير الرسمي والتهريب، يدفعه نحو تشبيك النشاطات غير الرسمية لأعمالها مع شبكات الجريمة المنظمة لضمان الحماية، وفي الحصيلة تقاطع نشاطاتها مع الجماعات الإجرامية والإرهابية. فضلا عن ظهور جماعات المنتفعين من استمرار الأزمة، ومن ثم تستعصي الأزمة على جهد التسوية.

يمكن القول أيضا إن ضبط الأزمة الليبية وإدارتها نحو التسوية المتساندة، يتطلب، من ضمن عديد التدابي، معالجة اقتصادية متعددة المستويات، خلق حوافز للولاءات عبر عشائرية/قبلية/إثنية تكفل صنع توافقات قابلة للتنفيذ في مجال توزيع القيم، وتطبيع الحياة الإقتصادية والسياسية، والحيلولة دون توظيف عشائري للتموقع السلطوي، ودون توجيه الخيارات البيروقراطية نحو التنافس على الموارد النادرة، وشرعنة هذا التنافس بقوانين منحازة، ومحاصرة ظاهرة الإتجار بالممنوعات عبر تكثيف التنسيق الأمني والإستخباراتي الإقليمي مع الدول المجاورة، وإعادة تأهيل المسلحين والمجندين ضمن العصب المتناحرة مهنيا، وإدماجهم في إقتصاد ناشئ ترعاه الدول المانحة.

***

عادل زقاغ ـ أستاذ العلوم السياسية، جامعة باتنة، الجزائر

سفيان منصوري ـ أستاذ العلوم السياسية، جامعة باتنة، الجزائر

___________

المصدر: مجلة سياسات عربية ـ العدد 25