Minbar Libya

إعداد: أحمد خميس أحمد و حسناء أحمد حمود

تُعد قضية تحول الأنظمة إلى أنظمة ديمقراطية من القضايا المثيرة للاهتمام بالنسبة لدارسي العلوم السياسية، وتدعي معظم الأنظمة في العالم بأنها أنظمة ديمقراطية، وفي هذا التقرير نوضح بعض الجوانب الهامة بالنسبة لكل من الديمقراطية والتعريف بها، وعملية الانتقال إلى النظام الديمقراطي، وأنماطه، وبعض معوقات عملية الدمقرطة في العالم العربي.

الجزء الأول

التعريف بالديمقراطية:

تتفق معظم الكتابات على الجذور الإغريقية لكلمة الديمقراطية، فالديمقراطية هي كلمة لا أصل لها في اللغة العربية، وإنما تعود إلى التعبير اليوناني والذي يعني الشعب، الذي يعني حكم، إذن فالمعنى المباشر لكلمة الديمقراطية هو (حكم الشعب)، وكذا تعود جذور الممارسة الديمقراطية إلى أثينا الإغريقية في القرن الخامس قبل الميلاد، حيث نشأت الديمقراطية المباشرة أو الأثينية،

 التي اقتصرت في ذلك الوقت على المواطنين الذكور الأحرار دون غيرهم، وبهذا جعلت الديمقراطية الأثينية المواطنة وظيفة سياسية، تُوجب على حاملها واجب المشاركة في الحياة السياسية في أثينا القديمة.

هذا عن التعريف اللغوي للديمقراطية، أما فيما يتعلق بالتعريف الاصطلاحي، فيصعب التوصل إلى تعريف واحد وقاطع خارج عن الزمان والمكان للمصطلح، حيث أن الديمقراطية ترتبط بتحولات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وبحروب وانتفاضات على مر التاريخ.

فنجد أن المؤرخ اليوناني هيرودوت عرفها بأنها ” حكم الأغلبية، وأنها المجتمع الذي تسود فيه المساواة أمام القانون، والذي يُساءل فيه الحكام عن أفعالهم وتصرفاته.”، كما أن الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن عرفها بأنها ” حكم الشعب لمصلحة الشعب، وبواسطة الشعب.”

ونجد أن مفهوم الشعب هنا يشير إلى الشعب بالمفهوم السياسي، أي مجموعة الافراد الذين تتوافر فيهم شروط الناخب، أو مجموعة الناخبين. ونلاحظ اقتراب هذا التعريف من فكرة الديمقراطية المباشرة كما هو الحال في أثينا الإغريقية، وعليه يمكننا أن نستنتج بسهولة صعوبة تطبيقه على أرض الواقع.

وقام بوبر الديمقراطية بأنها ” النقيض من الديكتاتورية أو الاستبداد، مؤكدًا على فرص الشعب للسيطرة على حكامهم، دون الحاجة إلى اللجوء للثورة.” 

ويعرف عالم الاجتماع جوزيف شومبيتر النظام الديمقراطي بأنه ” الذي يتأسس على المشاركة في صنع القرار من خلال انتخابات تنافسية دورية. “، ونرى هنا التركيز على الديمقراطية النيابية، والتي يمارسها الشعب بالدولة عن طريق الممثلين المنتَخبين، بواسطة عملية الاقتراع، وعرّف الأديب والسياسي البريطاني أندرو هيوود الديمقراطية بأنها “التعاون بين الشعب والحكومة في العمل على النهوض بالدولة.”

وتعرفها موسوعة بريتانيكا بأنها ” نظام حكم يتم فيه تحديد القوانين والسياسات والقيادة والمشاريع الكبرى لدولة أو نظام حكم آخر بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل “الشعب”، وهي مجموعة شُكلت تاريخيًا من قبل أقلية فقط من السكان (على سبيل المثال، كل الذكور البالغين في أثينا القديمة أو جميع الذكور البالغين أصحاب الملكية الكافية في القرن التاسع عشر في بريطانيا)، لكنها أصبحت تفهم بشكل عام منذ منتصف القرن العشرين أنها تشمل جميع المواطنين البالغين (أو جميعهم تقريبًا).” 

ويرى البروفيسور ديفيد بيثام أنه يتم تحديد الديمقراطية من خلال بعض المبادئ الأساسية، ومن خلال مجموعة من المؤسسات والممارسات التي من خلالها تتحقق هذه المبادئ. نقطة البداية، مثل حقوق الإنسان هي كرامة الفرد. ومع ذلك، فإن الديمقراطية لها أيضًا تركيز محدد – وهو اتخاذ القرار بشأن القواعد وسياسات لأية جماعة أو جمعية أو مجتمع ككل – ومميزة تصور المواطنين ليس فقط باعتبارهم أصحاب الحقوق والمسؤوليات، ولكن كمشاركين نشطين في القرارات والسياسات الجماعية التي تؤثر عليهم الأرواح.

ونتيجة لكثرة هذه التعريفات فقد تراءى إلى بعض المفكرين، مدى تشوش تعاريف الديمقراطية وسيولتها، فيرى المفكر فيليب غرين أن الديمقراطية في أواخر القرن العشرين موضع غموض شديد – على حد تعبيره -، وقد ضرب مثلا بسقراط الذي كان يُعلم تلامذته الديمقراطية، وأصبح ضحية لها في نفس الوقت، عندما حُكم عليه بالإعدام بواسطة 500 قاضٍ.

ومع ذلك، فنلاحظ في معظم التعريفات السابقة، التركيز على عملية التشاركية في تسيير الحياة السياسية في الدولة، عن طريق عدم انفراد شخص، أو مجموعة من الأشخاص بالسلطة، وذلك باشراك المواطنين في العملية السياسية، وتختلف الطريقة التي يتم بها ذلك باختلاف الإطار الزمني والثقافي في المجتمع، وعليه فهناك عدة أشكال للديمقراطية، نستعرضها بإيجاز:

الديمقراطية المباشرة: وتُعد الصورة الأولى والأبسط للديمقراطية، والتي كانت تُمارس في أثينا القديمة، بواسطة المواطنين الأحرار من الذكور دون الإناث، البالغين من العمر 20عامًا فما فوق، دون غيرهم من سكان أثينا، ويلاحظ صعوبة تطبيقه إلا في المجتمعات محدودة السكان.

والمقصود بالمواطنين هنا من هم من أصول أثينية من القبائل العشرة التي كانت مكونة لأثينا القديمة.

الديمقراطية التمثيلية أو النيابية: وهو عن طريق اختيار ممثلين، أو نواب عن الشعب، يقوم بتفويضها لاتخاذ القرارات، مع الاحتفاظ بحق مساءلتهم واقالتهم إذا لزم الأمر، ويكون قوام النظام السياسي هنا الهيئة النيابية أو البرلمان.

الديمقراطية شبه المباشرة: هي دمج بين النمطين السابقين، وفيها توجد هيئة نيابية، كما في الديمقراطية النيابية، مع احتفاظ الشعب ببعض السلطات التي يمارسها بشكل مباشر دون وسيط، وذلك بأساليب مختلفة مثل الاستفتاء الشعبي، الاعتراض الشعبي، الاقتراح الشعبي.

قيمة الديمقراطية:

يرى الدكتور علي الدين هلال، في كتابه الانتقال إلى الديمقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجار الآخرين، أن هناك قيمًا للديمقراطية، تنبه لها المهتمون بعلم السياسة، بعد اختيار الشعب الألماني للحزب النازي بقيادة هتلر، وهو حزب معادٍ للديمقراطية، وتوصلوا إلى أن العامل الرئيسي لهذا الوضع، هو غياب الثقافة السياسية، حيث أنه لا يمكن فرض نظام ديمقراطي، في بيئة تغيب لا تسود فيها الثقافة السياسية، حيث يصبح من اليسير الانقلاب على هذا النظام دون مقاومة.

وانطلاقًا من هذه النتيجة، زاد الاهتمام بالثقافة السياسية، أو القيم السياسة، والمتمثلة في ثلاث قيم رئيسية وهي (التعددية، الحرية، والعدل)، والتي تمثل منظومة متكاملة ومرتبطة ببعضها البعض.

  1. قيمة التعددية:

تقوم فكرة التعددية في الأنظمة السياسية، على وجود أكثر من فاعل سياسي، من الأحزاب، وغيرها من الفاعلين السياسيين، كالنقابات والجماعات الإثنية وغيرها، على أساس مبدأ المساواة، وبهذا فإن التنوع الديمقراطي المستند إلى التعددية يختلف عن التعددية الهيراركية، المستندة إلى التراتبية، وأيضًا تستند قيمة التعددية الى مبادئ التفاوض الاجتماعي وبناء الائتلافات، والتوصل إلى حلول وسط، والتسامح بين مختلف الأطياف المشاركة في العملية السياسية.

  1. قيمة الحرية:

وتشير هذه القيمة الى التحرر من قيود، والقدرة على التعبير عما يعتقده بالقول أو الفعل أو الاختيار من بين البدائل. وتستوجب هذه القيمة افتراض العقلانية والرشد، ويترتب على ممارسة الفرد للحرية ممارسته لإنسانيته، بما يبعد الاستقطاب والشحن الاجتماعي، كما وتتطلب القدرة على ممارسة هذه الحرية، وإلا اعتبرت قيمة نظرية.

وتثير قيمة الحرية بعض الإشكاليات، من قبيل إشكالية نطاق ممارستها، وإذا ما كانت هناك حدود لممارسة تلك الحرية أم لا، وما هي النقطة التي تبدأ عندها حرية فرد وتنتهي عندها حرية آخر، ومن ذلك مشاكل الأقليات الدينية والإثنية في بعض الدول، والقيود المفروضة عليها.

  1. قيمة العدل:

وتشير هذه القيمة إلى تمتع الأفراد بحقوقهم وحرياتهم مع ضمان تكافؤ الفرص، بحيث تكون الجدارة هي معيار التمييز بين الأفراد، على حد تعبير الدكتور علي الدين هلال، وهو ما دفع الديمقراطية عبر التاريخ إلى ان تكون موضع ريبة وشك من قبل النخب، خوفًا على الامتيازات التي تمتعون بها.

كما وترتبط قيمة العدل بمبدأ المواطنة بأبعاده المختلفة، حيث أن النظم الديمقراطية تجعل من مبدأ المواطنة اساسًا لنظام الحكم، والمواطنة تشير إلى الانتماء إلى وطن يتمتع فيه المواطن بوضع قانوني وسياسي معين، مع توفير الاحتياجات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية الأساسية للمواطن، مع الإقرار بمبدأ المساواة السياسية، في المشاركة في المجتمع.

وكذا فإن مبدأ المواطنة له مستويان رئيسيان، المستوى الأول وهو الجانب الإدراكي والذي يرتبط بالتعليم ومؤسسات التنشئة والدافعية والحوافز على المشاركة، أما المستوى الثاني فهو مرتبط بمضامين المواطنة القانونية ( كالمساواة أمام القانون واستقلال القضاء)، السياسية (كالمشاركة في صنع القرارات، وشفافية العملية السياسية)، والاقتصادية ( مثل الحصول على الاحتياجات الرئيسية للإنسان)، والاجتماعية (كالحياة ضمن مجتمع منضبط بجملة من الضوابط الاجتماعية والقيمية والقانونية).

الجدير بالذكر أن قيمة العدل تعد قيمة نسبية، فيصعب القول بأنها أصيلة في كل المجتمعات، حيث أن المجتمعات على اختلاف نظمها السياسية، تشهد أنواعًا من عدم المساواة والتفرقة، وهذا مرجعه الأساسي، إلى اختلاف الفرص بين الأفراد، ومدى الحراك الاجتماعي ومرونته في المجتمع، بما يسمح بالانتقال بين الطبقات الاجتماعية صعودًا وهبوطًا.

البقية في الجزء التالي

______________