Minbar Libya

إعداد: أحمد خميس أحمد و حسناء أحمد حمود

تُعد قضية تحول الأنظمة إلى أنظمة ديمقراطية من القضايا المثيرة للاهتمام بالنسبة لدارسي العلوم السياسية، وتدعي معظم الأنظمة في العالم بأنها أنظمة ديمقراطية، وفي هذا التقرير نوضح بعض الجوانب الهامة بالنسبة لكل من الديمقراطية والتعريف بها، وعملية الانتقال إلى النظام الديمقراطي، وأنماطه، وبعض معوقات عملية الدمقرطة في العالم العربي.

الجزء الثاني

مؤسسات الديمقراطية:

الديمقراطية كناظم للحكم، لها بعض الخصائص والسمات التي تبدو مشتركة في غالبية الأنظمة الديمقراطية في العالم، والتي تمثل مجموعة الضمانات والضوابط المسيرة للعملية الانتخابية، والتي تلتزم بها تلك النظم التي تصف نفسها بأنها ديمقراطية – ولو من الناحية النظرية ــ، ويعدد الدكتور أحمد تهامي عبد الحي مبادئ الحكم الديمقراطي في الآتي: (التداول السلمي للسلطة / الانتخابات الحرة والنزيهة / المساواة السياسية، وتوفير ضمانات الحقوق السياسية والمدنية / مبدأ سيادة الأمة / مبدأ الشرعية / مبدأ الفصل بين السلطات)

والملاحظ أنه مع الممارسة الفعلية للديمقراطية، ظهرت بعض الإجراءات المؤسسية التي تعمل على تحويل القيم الديمقراطية إلى واقع عملي، يمكن إبراز أهمها في الآتي:

حكم القانون أو الحكم المقيد:

ويرتكز هذا المبدأ على وجود دستور يوصف بأنه ديمقراطي، يكون الركيزة الأساسية لنظام الحكم، غالبًا ما يكون مكتوبًا، ويخضع له الحكام والمحكومون على قدم المساواة، واعتباره المرجعية العليا والفيصل بين المؤسسات في الدولة، ويعني الدستور – في الاصطلاح المعاصر ــ ” مجموعة القواعد القانونية التي يتحدد بها شكل الدولة، ونظامها السياسي بجزئياته: المبادئ الأساسية والأهداف العليا لمجتمعه، الكيان العضوي والوظيفي للمؤسسات السياسية الرسمية في الدولة، علاقة هذه المؤسسات بالمحكومين.”

كما يجب وأن يتمتع الدستور بعنصر الفعالية، أي إعماله وتطبيقه في أرض اواقع، واحتوائه على ضمانات تمنع الخروج عن مواده وجوهره، ويمكن ذلك بوضع مواد فوق دستورية تمنع الانقلاب على الدستور ومن ذلك المادة 79 من الدستور الألماني، التي تمنع تغيير المادة الأولى المتصلة بحقوق الإنسان، والمادة 20 المتعلقة بالمبادئ العامة للدولة الألمانية.، ويعد مبدأ حكم القانون أحد أهم الضمانات للعلاقات الدولية، ومثال ذلك قيام الاتحاد الأوروبي بتحديد مبدأ (دولة القانون) كأحد المعايير الأساسية للتعامل مع الدول النامية في نوفمبر 1991.

الفصل بين السلطات:

وينطلق هذا المبدأ من فكرة عدم استئثار جهة واحدة بالسلطة في يدها، وتقوم على التقسيم الوظيفي والعضوي للسلطات الثلاث في الدولة (التشريعية – والتنفيذية – والقضائية)، بحيث لا تستطيع أي من هذه السلطات القيام بوظائفها دون رقابة السلطات الأخرى عليها، وهو أساس العلاقة بين هذه السلطات، قامت الأنظمة النيابية الغربية.

التعددية والحرية:

تعد التعددية في الفاعلين السياسيين، وخاصة الأحزاب من أهم الركائز في الأنظمة الديمقراطية، حيث انها ضمان للمنافسة وتوفير البدائل، التي من خلالها يستطيع المواطنون اختيار الأنسب، وتدليلًا على أهمية التعددية الحزبية يقول كلينتون روستر “لا ديمقراطية بدون سياسة، ولا سياسة بدون أحزاب.”،

هذا وتجدر الإشارة إلى انه للفاعلين السياسيين من غير الأحزاب دور مهم وفعال في توجيه السياسات العامة للدولة في الديمقراطيات الحديثة.

ويؤدي وجود مناخ حر إلى التقليل من فرص احتكار السلطة، وبالتالي ظهور الأنظمة السلطوية، وذلك لأن المشاركة السياسية من قبل مختلف الفاعلين السياسيين يساهم في تعزيز فكرة الرقابة على السلطة، وبالتالي صعوبة استئثار جهة معينة بها، وذلك انطلاقًا من مبدأ لا يوقف القوة إلا القوة، وهذه المشاركة السياسية تعد جوهر الديمقراطية، والتي تتطلب نوافر المساواة وتكافؤ الفرص.

وتكون المشاركة السياسية من خلال آلية نزيهة لتداول السلطة، وهي الانتخابات الدورية، والهدف من كونها دورية هو استطلاع رأي الشعب في القيادات السياسية من فترة إلى أخرى، والهدف من كونها نزيهة، هو التيقن من أنها تمثل إرادة جموع الناخبين.

التحول إلى الديمُقراطية:

ماهية الدمقرطة:

الدمقرطة، أو عملية التحول إلى الديمقراطية تشير في كثير من الادبيات السياسية إلى عملية الانتقال من نظام غير ديمقراطي أو سلطوي، إلى نظام ديمقراطي، أي أنها عملية هدم للنظام القديم القائم على الاستبداد، مرورا ببناء المؤسسات الجديدة للنظام الجيد للدولة، ثم تأسيس وترسيخ النظام الديمقراطي بالدولة.

حيث يُعرف الدكتور علي الدين هلال التحول الديمقراطي على أنه ” مجموعة العمليات التي تحقق انتقال نظام سياسي من الحكم السلطوي إلى الحكم الديمُقراطي.” ، ويعرف الدكتور خيري أبو العزايم فرجاني عملية التحول إلى الديمقراطية بأنها: “الانتقال من نظام غير ديمقراطي إلى آخر ديمقراطي خلال فترة زمنية محددة، يتوافق معها إرساء مجموعة من القواعد والإجراءات التي تنظم العلاقة بين الحكام والمحكومين، مما يمكن المحكومين من القدرة على رفض أو قبول أولئك الذين في السلطة، فضلًا عن رقابتهم، وفي المقابل يلتزم المحكومون بطاعة الحكام والالتزام بقراراتهم في إطار مجموعة من القواعد المرعية.”،

كما يعرفها الدكتور أحمد تهامي عبد الحي بأنها ” عملية الانتقال من نظام سلطوي مهما كانت طبيعته (نظام الحزب الواحد، نظام عسكري، نظام شمولي، نظام أوليجارشي، نظام شمولي) إلى نظام يقوم على المواطنة، وتوسيع الحرية الشخصية، والمشاركة السياسية.” ،

وفي هذا فإنه يتفق مع الدكتور علي الدين هلال، حيث يشير إلى البعد الثقافي لعملية الدمقرطة في أنها تعميق للمواطنة، وجوهرها المساواة في الحقوق والحريات والواجبات، وتوسيع دائرة المشمولين بها.

، كما ويعرفها كل من فيليب شوميتر، وأدونيل جويلرمو بأنها ” عملية يتم من خلالها تطبيق قواعد المواطنة وإجراءاتها على المؤسسات السياسية التي كانت تحكم سابقًا، عبر قواعد أخرى كالمراقبة الزجرية، أو الأعراف الاجتماعية أو الممارسات الإدارية، كما يتم فتح هذه المؤسسات أمام أشخاص تم إقصاؤهم سابقًا، ويصبح لهم القدرة على المشاركة في مؤسسات الدولة وفي الأحزاب السياسية.

مراحل عملية الانتقال إلى الديمُقراطية:

لا يوجد إجماع حول مكان تحديد نقاط البداية والنهاية لعملية الدمقرطة، ولكن يرى الكثيرون بأن نقطة البداية التي تنطلق منها عملية التحول إلى الديمقراطية، تكون في انهيار النظام السلطوي الذي كان قائمًا، حيث يرى الدكتور شريف البوشي، بأن مراحل عملية الدمقرطة تتمحور حول:

  • انهيار النظام السلطوي
  • مرحلة الانتقال الديمقراطي
  • مرحلة الرسوخ الديمقراطي

ويرى أن أهم المراحل الثلاثة وأخطرها هي المرحلة الثانية، بسبب الاحتمالات المتزايدة للتعرض لانتكاسات سياسية نتيجة للتركيبة الهجينة للنظام السياسي، حيث أنه إذا ليم يستقر البناء المؤسسي الذي أنشأته تلك المرحلة، فقد تبدأ عملية انتقال ثانية، أو تحدث عودة إلى شكل متطور من النظام القديم، فيما يعرف بالارتداد السلطوي، أو السلطوية الجديدة.، وذلك بسبب المعارضة من قبل النخب المدنية أو العسكرية، أو حدة الاستقطاب بين أطراف الصراع.

مرحلة انهيار النظام السلطوي

وهو بداية عملية التحول لنظام جديد، وتشهد هذه المرحلة صراعات ما بين المتشددين المتشبثين بالنظام القديم، والمعتدلين الذين يرغبون في إجراء الإصلاحات على هذا النظام.

مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية

وهي المرحلة التي ستحدد مصير عملية الانتقال الى الديمقراطية بأسرها، حيث تزيد إمكانية الارتداد والعودة إلى شكل أكثر تسلطًا من النظام السابق، وفي هذه المرحلة نجد تنازلات من القيادة الحاكمة وتزايدًا في المطالب الإصلاحية، والتحول إلى الليبرالية والتوسيع من حريات الأفراد، إيذانًا بالانتقال من النظام السلطوي، إلى النظام الديمقراطي.

مرحلة الرسوخ الديمقراطي

في هذه المرحلة يتم التخلص من مؤسسات النظام السلطوي القديم، وتحل محلها مؤسسات جديدة، ويسود التوافق بين اللاعبين السياسيين، والاعتقاد بان الديمقراطية هي النظام الأمثل وحتميتها من اجل استمرار النظام.

البقية في الجزء التالي

______________