Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

يبدو أن توافق الفرقاء الليبيين (غرب وشرق) في مدينة بوزنيقة المغربية، على توزيع المناصب السيادية أعطى جرعة أكسجين جديدة للعملية السياسية ودفع أطراف الصراع إلى العمل على تسريع نسق مسارات التشاور والمفاوضات سواء في المغرب أم في برلين ومصر وجنيف وتونس، والأخيرة يعتقد أن يكون الاجتماع فيها حاسمًا.

حالة التفاؤل التي تسيطر على المشهد الليبي جاءت عقب النتائج التي توصل إليها الفرقاء خلال المفاوضات المتعلقة بالمسارات الثلاث، وكذلك عقب إعلان بعثة الأمم المتحدة، الجمعة، توصل طرفي النزاع في ليبيا إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ بشكل فوري، وذلك في إطار مباحثات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في مدينة جنيف السويسرية، إضافة إلى الدعم الدولي الذي لاقته هذه الخطوة.

اتفاق جينيف

بعد توقيع الاتفاق، قالت المبعوثة الدولية إلى ليبيا بالوكالة، ستيفاني وليامز، في مؤتمر صحفي، إن الاتفاق جاء نتيجة لحوار ليبي ليبي، وهو ما يهيئ أرضية لاستمرار المباحثات من أجل حل الأزمة الليبية، مشيرة إلى أن الاتفاق شمل أيضًا تسمية لجنة فرعية تعمل على تفكيك الجماعات المسلحة وإعادة دمج أفرادها في القوات الرسمية، وإلى اتفاق الأطراف على الانسحاب عسكريًا من سرت والجفرة (وسط) ومن كل الجبهات في أنحاء البلاد.

ويقضي الاتفاق أيضًا بأن تعيد كل من حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، جميع الوحدات العسكرية التابعة لهما إلى ثكناتها تمهيدًا لإنشاء قوة عسكرية مشتركة تخضع لغرفة عمليات موحدة وذلك بعد تحديد المجموعات المسلحة ودمجها في مؤسسات الدولة، كما يُلزم جميع المرتزقة مغادرة ليبيا في غضون ثلاثة أشهر من توقيع الاتفاق، مع دعوة مجلس الأمن الدولي لاعتماد قرار وقف إطلاق النار.

ويليامز أعربت بالمناسبة، عبر حسابها على “فيسبوك” أن “محادثات اللجنة العسكرية المشتركة في جنيف توجت بإنجاز تاريخي، بعد توصل الفرقاء إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء ليبيا”، مضيفة “يمثل هذا الإنجاز نقطة تحول مهمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في ليبيا”.

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت الأربعاء عن توصل أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة لستة اتفاقات، تتعلق بفتح المجال الجوي والبري بين شرق وجنوب وغرب البلاد، بالإضافة لاستمرار التهدئة لدعم استمرار وقف إطلاق النار وإنشاء لجنة مشتركة من رؤساء جهازي حرس المنشآت النفطية، في بنغازي وطرابلس، بهدف توحيدهما، “ما يكفل زيادة واستمرارية تدفق النفط”.

وتطمح البعثة الأممية ومن ورائها الداعمون إلى التهدئة وتجميد الأوضاع للتوصل إلى عقد المنتدى السياسي الشامل في تونس، وهو أمر أكدته ردود الفعل الدولية والإقليمية التي رحبت بالخطوة ووصفتها بالمنجز التاريخي.

خطوة تاريخية

موضوعيًا، يُمكن اعتبار أن ما توصل إليه الليبيون في جنيف إنجاز تاريخي ونقطة تحوّل في مسار المفاوضات من شأنها أن تؤسس لتوافقات أخرى على مستويات أعلى وذلك لعدة اعتبارات أهمها ما يلي:

ترسيم وقف إطلاق النار كان خلال لقاء مباشر لوفدي الطرفين وجهًا لوجه وليس عبر تفاهمات غير مباشرة بوساطة أممية.

الاتفاق موثق وتحت إشراف أممي عكس الاتفاقات السابقة القائمة على مبدأ حسن النية ما يعني أن أي اختراق سيعرض الجهة المسؤولة إلى الانتقاد وإن لزم الأمر إلى عقوبات.

الاتفاق يؤكد أن الفرقاء وصلوا بعد 9 سنوات إلى طريق مسدود وأن فكرة الحسم العسكري فقدت جدواها.

تصريحات القادة العسكريين سواء اللواء أحمد العمامي رئيس وفد القيادة العامة التابعة لحفتر أم اللواء أحمد أبوشحمة رئيس وفد حكومة الوفاق بأن المؤسسة العسكرية توحي بأن الحرب أنهكت الجانبين وأن التوافق هو طوق النجاة للجميع.

النقاط المتفق عليها كجعل منطقة سرت-الجفرة منزوعة السلاح، وخروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا خلال ثلاثة أشهر، وإحداث غرفة عمليات موحدة، كلها إجراءات ستعزز الثقة بين الطرفين.

توجه طائرة ركاب من العاصمة الليبية طرابلس إلى مدينة بنغازي بشرق البلاد للمرة الأولى منذ أكثر من عام، بعد اتفاق، يشير إلى نجاح عمليات التفاوض وسيعزز التقارب بين الفرقاء.

هذا الاتفاق سيزيد من الضغوط الشعبية المنادية بضرورة تسريع حل الأزمة من خلال إجراء الانتخابات وإرساء توافقات على المستوى الاقتصادي والسياسي.

الدعم والترحيب الدولي بالخطوة سيعطي حافزًا للفرقاء من أجل إرساء توافقات أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية.

بانتظار الضمانات

لا يُشكك أحد في المنجز الأخير الذي توصل إليه الفرقاء في جنيف وفي قدرة الخطوة على التحضير لاتفاقات أخرى تُعزز الحل السياسي وتُعجل به، إلا أن هذا الاتفاق يحمل بين طياته بعض الغموض والمتأتية أساسًا في أن البنود العريضة لم تحمل تفصيلات لآليات تحقيقه على أرض الواقع، فالمسار الأمني في ليبيا يُعد المعضلة الأساسية التي تعاني منها البلاد وأكثر أهمية من التوافق على المناصب السيادية، لذلك فإن عملية توحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب ستكون معقدة بشكل كبير.

ويُمكن القول إن البعثة الأممية ركزت خلال حوار “5 + 5” على وقف إطلاق النار وتشكيل قوة لحماية منطقة سرت والجفرة متمثلة في حرس المنشآت النفطية، دون الحسم في مسألة المؤسسة العسكرية والقوة المشتركة وغرفة العمليات الموحدة وكلها يحتاج إلى مشروع متكامل وإلى جهات تراقب العملية وتضمن حسن سيرها، كما أن الاتفاق العسكري لم يشترط إقصاء من ارتكب جرائم حرب في حق الليبيين (العسكريين)، كما أفصح عن ذلك فائز السراج في تعليقه على الاتفاق.

من جهة ثانية، فإن سحب سلاح المليشيات وإعادة دمجها يعتبر من أكبر التحديات التي تواجه التوافق العسكري، فأغلب المليشيات المسلحة لها من القوة ما يفوق السلطتين في الشرق والغرب وتتحكم إلى درجة كبيرة في العملية السياسية، وذلك لامتلاكها العتاد والحاضنة القبلية، لذلك فإن عملية التفكيك ستحتاج هي الأخرى إلى برنامج متكامل.

أما فيما يخص المرتزقة، فالمسألة تبدو أكثر تعقيدًا مما أفصحت عنه ويليامز، فروسيا التي لم تعترف بوجود مرتزقة يعملون لحسابها على أرض ليبيا، لن تتنازل عن مشروعها الإستراتيجي في المنطقة والمتمثل في إقامة قاعدة في جنوب البحر المتوسط، لمحاصرة الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي “الناتو” ردًا على درعه الصاروخي قبالة حدودها الغربية.

ويبدو أن انسحاب مرتزقة فاغنر من ليبيا أمرًا مستبعدًا، ففي وقت يجتمع فيه الليبيون في جنيف لتسوية الملف العسكري، تعمل الأولى على مزيد من تعزيز وجودها على الأرض، وذلك بالإضافة إلى الشكوك بقدرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر على إجبار الروس (الداعم الرئيسي) على الخروج من البلاد.

في غضون ذلك، من المهم الإشارة إلى أن ويليامز لم توضح بالشكل الكافي عمليات مراقبة تنفيد الاتفاقات واكتفت بالتلميح إلى أن بعثة الأمم المتحدة للدعم بليبيا ستتكفل بالأمر دون مزيد من التفصيل، والحال أن ويليامز التي تترأسها ستنتهي مهامها في الأيام المقبلة.

كل الضمانات التي تحدثت عنها المبعوثة الأممية بالإنابة، لا يمكن أن تكون كافية أمام تحديات تحقيق المنجز على الأرض، فمن غير المستبعد أن تنقلب قوات الشرق على الاتفاق حتى ولو تم اعتماده من مجلس الأمن الدولي، نظرًا لامتلاك حليفتي حفتر روسيا وفرنسا لحق النقض (الفيتو)، مما يحصنه من أي عقوبات دولية حال تنصله مما تم الاتفاق عليه تحت رعاية أممية.

ضعف الضمانات المقدمة من البعثة الأممية، دفع بوزير الدفاع الليبي صلاح الدين النمروش، لمطالبة الأمم المتحدة بوضع ضمانات عملية بحيث لا يتم الانقلاب على بنود الاتفاق كما حصل أكثر من مرة، وهو الأمر ذاته الذي دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أيضًا، إلى إعلان تحفظاته على الاتفاق التي أرجعها لسببين، أولهما أنه “ليس اتفاقًا على أعلى مستوى” أي أن الاتفاق وقعته قيادات من الصف الثاني والثالث والأولى توقيعه من السراج القائد الأعلى وخليفة حفتر، وثانيهما عدم اليقين بشأن “انسحاب المرتزقة من هناك في غضون 3 أشهر”.

تونس.. المحطة الأخيرة؟

إضافة إلى التقارب الكبير بين أطراف الصراع في ليبيا ضمن جولات الحوار، هناك مخاض لحراك محلي وخارجي من شأنه أن يسرع في حل الأزمة الليبية وفق توافقات نهائية بين الفرقاء تحظى بدعم دولي، ومن المنتظر أن تضع محادثات تونس، خريطة طريق لمرحلة دائمة تبدأ باستفتاء على الدستور، وتنتهي بانتخابات رئاسية وبرلمانية تُنهي أربع مراحل انتقالية استهلكت من البلاد 9 سنوات عجاف.

وأعلنت تونس في وقت سابق، أنها ستستضيف ملتقى الحوار السياسي الليبي، في 9 من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، برعاية الأمم المتحدة، يهدف لتحقيق رؤية موحدة بشأن ترتيبات الحكم التي ستفضي إلى إجراء انتخابات في أقصر إطار زمني.

ويُحاول البلد الجار وضع كل إمكاناته لإنجاح مسار التسوية بين الفرقاء السياسيين من أجل إنهاء الاقتتال الداخلي وترسيخ نظام حكم موحد يقطع مع التدخلات الأجنبية وحالة الفوضى الأمنية جراء انتشار السلاح وصعود الجماعات الإرهابية.

أولى الإجراءات التي اتخذتها تونس تمثلت في الاتفاق المبدئي مع ليبيا بشأن فتح المعابر وتسهيل مهمة انتقال المواطنين بين البلدين بعد صياغة بروتوكول صحي موحد بينهما بشكل عاجل يعقبه فتح المجال الجوي بين البلدين، على أن يتم في وقت لاحق فتح المعابر البرية، وهو تمهيد لاحتضان الملتقى وصياغة حل نهائي للأزمة تجنبًا لمرحلة انتقالية خامسة.

وفي سياق متصل، يرى بعض المراقبين أن انتهاء المراحل الانتقالية في ليبيا وبداية التأسيس يبقى رهين استجابة رئيس حكومة الوفاق فائز السراج الذي جاء إعلان استقالته المبرمج آخر أكتوبر/تشرين الثاني مشروطًا بوصول توافق ليبي كامل واستقرار لجنة الحوار على رئيس حكومة جديد.

ويرفض السراج تشكيل مجلس رئاسي جديد خوفًا من أن تشهد ليبيا صراعًا أسوأ مما هي عليه الآن وذلك في حال اعتمد نظام المحاصصة المناطقية وعودة بروز الولاءات للأقاليم والقبيلة، إضافة إلى تشككه من أن المفاوضات القائمة لن تطرح ضمانات أساسية وملحة للانتقال السياسي كالبنود التي تمنع المشاركين من تولي مناصب حكومية خلال الفترة الانتقالية ومن الترشح للانتخابات أو تولي مناصب في حكومة ما بعد الانتخابات.

مراحل الانتقال

تسع سنوات على ثورة 17 فبراير لم تحمل بين ثناياها حلًا للأزمة الليبية المعقدة ولم تخلّص الليبيين من الاقتتال المستمر على السلطة بين الحكومة المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس برئاسة السراج وقوات الشرق بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر والمدعوم من برلمان طبرق، الذي أجّجه دخول قوى أجنبية على خط الصراع لاعتبارات مختلفة منها الإستراتيجي والاقتصادي.

ومنذ سقوط نظام القذافي في 20 من أكتوبر/تشرين الأول 2011، دخلت ليبيا في 4 مراحل انتقالية، كانت آخرها في 2015 وهي مستمرة حتى الآن، وهي كالتالي:

المرحلة الانتقالية الأولى (2011-2012)

بدأت منذ إصدار المجلس الوطني الانتقالي الإعلان الدستوري المؤقت في 10 من أغسطس/آب 2011، وسقوط العاصمة طرابلس في يد الثوار في 27 من ذات الشهر، وانتهت بانتخاب المؤتمر الوطني العام (البرلمان التأسيسي)، في 7 من يوليو/تموز 2012.

هذه المرحلة تشكلت فيها حكومة مؤقتة برئاسة محمود جبريل في 5 من مارس/آذار 2011 وتلتها حكومة علي الترهوني (بالإنابة)، ثم حكومة عبد الرحيم الكيب.

المرحلة الانتقالية الثانية (2012-2014)

بدأت منذ انتخاب المؤتمر الوطني العام، لولاية من عام واحد فقط، وكان مهمته الرئيسية صياغة مسودة دستور دائم للبلاد، وهو ما لم يتحقق، فمدد لنفسه عامًا آخر دون جدوى رغم انتخاب لجنة الستين عضوًا، لتحقيق هذه المهمة لكن لم يكلل ذلك بالنجاح.

في هذه الفترة (أغسطس 2013)، صعد علي زيدان ثم عبد الله الثني لرئاسة وزراء للحكومة الليبية المؤقتة، لتعلن بعدها (سبتمبر 2014)، قوات فجر ليبيا تعيين عمر الحاسي رئيسًا لحكومة إنقاذ مقرها طرابلس، لتنقسم البلاد إلى حكومتين واحدة في الغرب والأخرى في الشرق.

المرحلة الانتقالية الثالثة (2014-2015)

بعد ضغوط شعبية جرت انتخابات برلمانية في 25 من يونيو/حزيران 2014، لانتخاب مجلس نواب لولاية من عام واحد غير قابلة للتجديد، وتزامن ذلك مع إطلاق الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، عملية الكرامة في 15 من مايو/أيار من ذات العام، وتسبب ذلك في انقسام مؤسسات البلاد وحل المحكمة العليا للبرلمان الجديد، وهو ما لم يعترف به الأخير.

المرحلة الرابعة (2015 إلى الآن)

بسبب أزمة الشرعية وانقسام مؤسسات البلاد وانتهاء ولاية مجلس النواب المحددة دستوريًا بعام واحد، فضلًا عن قرار المحكمة العليا بحله، تم الاتفاق في 17 من ديسمبر/كانون الأول 2015 بمنتجع الصخيرات المغربي على تمديد ولاية مجلس النواب عامًا آخر وإنشاء المجلس الأعلى للدولة الذي يضم معظم نواب المؤتمر الوطني العام، بالإضافة إلى مجلس رئاسي من تسعة أعضاء يقود حكومة الوفاق مقرها طرابلس.

في تلك الفترة عملت السلطة الموازية في الشرق الليبي والممثلة في اللواء المتقاعد خليفة حفتر ورئيس البرلمان عقيلة صالح على عرقلة عملية اعتماد البرلمان لحكومة الوفاق كممثل وحيد لليبيين، كما أفشلا اعتماد مسودة الدستور التي صوّت عليها مجموعة الستين المنتخبة، ليشن بعدها حفتر هجومًا فاشلًا على طرابلس (2019-2020).

بالمحصلة، يُمكن القول إنه رغم تعقيدات الملف الليبي والمخاوف المعلنة بشأن صعوبة تحقيق التوافق على أرض الواقع لأسباب مختلفة أهمها تشابك وتداخل العامل المحلي مع الخارجي، فإن إعلان اتفاق دائم لوقف إطلاق النار أذاب بعضًا من جليد العلاقات بين غربي ليبيا وشرقها وقد يصبح الأرض الصلبة لتحقيق مصالحة وطنية شاملة بين الفرقاء تُمهد فيما بعد لعملية سياسية تنتهي ببناء نظام ديمقراطي طالما حلم به الليبيون منذ اليوم الأول من إسقاط النظام الديكتاتوري للقذافي.

***

أنيس العرقوبي ـ محرر في نون بوست

___________