Minbar Libya

بقلم يوسف لطفي

تهدف هذه الورقة لاستعراض الواقع الليبي على الصعيدين العسكري والسياسي على امتداد مراحله السابقة منذ اندلاع الثورة الليبية في فبراير2011 وحتى هجوم 4 إبريل 2019 الذي شنته قوات خليفة حفتر على العاصمة طرابلس وما تبع ذلك من آثار على المشهد السياسي والأمني.

الجزء الثامن

تراجع السرايا وسيطرة حفتر على الموانئ النفطية

تبع تراجع السرايا سيطرة قوات حفتر على الموانئ النفطية وطرد جهاز حرس المنشآت وإبراهيم الجضران من منطقة الهلال النفطي، لتعود سرايا الدفاع للسيطرة على الموانئ مرة أخرى في مارس 2017. وقد عُرضت حينها على المجلس الرئاسي استلامها إلا أن عرضها قوبل بالرفض لعدم رغبة معسكر الوفاق في الدخول في صدام مع حفتر.

وقد استطاع حفتر بالاستعانة بمرتزقة من حركة العدل والمساواة استعادة السيطرة على الموانئ ثم اتجه لقاعدة الجفرة –الاستراتيجية- واستطاع السيطرة عليها ليحكم بذلك قبضته على المنطقة الوسطى والجنوبية.

والجدير بالذكر هنا هو أن تلك المعارك شهدت استعانة الطرفين بمرتزقة من السودان وتشاد فقد أثبتت التقارير نجاح سرايا الدفاع في شراء ولاءات مرتزقة جندهم حفتر واستعان بهم.

مع فشل السرايا في فك الحصار عن بنغازي ،وازدياد كثافة ضربات الطيران الأجنبي على قوات مجلس شورى ثوار بنغازي وخطوط إمداده البحرية استطاع حفتر تضييق الخناق على ثوار بنغازي وتنظيم الدولة ومحاصرتهم بمنطقة قنفودة.

وفي أوائل يناير2017 انسحب تنظيم الدولة من بنغازي نحو الجنوب بتنسيق مع القيادي بقوات حفتر “محمود الورفلي” الذي ظهر لاحقا في عدة مقاطع فيديو وهو يعدم أسرى من مجلس شورى ثوار بنغازي ويمثل بجثثهم. وكانت هذه المرة الثانية التي يقوم فيها حفتر بتوفير “ممر آمن” لتنظيم الدولة للمنطقة الغربية والجنوبية.

في 19 مارس2017 نجح مجلس شورى ثوار بنغازي في فك الحصار جزئيا والالتحام بقواته المحاصرة شمال المدينة واستطاع الصمود لسنة أخرى عملت خلالها قواته على التسلل وإخراج المقاتلين من المنطقة بشكل فردي.

ونجحوا في إخراج معظم المقاتلين تدريجيا والتصدي لهجمات قوات حفتر حتى مارس 2018 حين أعلنت قوات حفتر سيطرتها على المدينة بشكل كامل بعد حرب استمرت لقرابة 4 سنوات. ومع قرب انتهاء معركة بنغازي بدأ حفتر في التجهيز لشن هجوم على مدينة درنة، فبدأت المعارك بين قوات الكرامة ومجلس شورى ثوار درنة في أواخر 2017 وانتهت في  يونيو 2018 بانتصار قوات الكرامة.

السادس عشر: الحرب من طرف واحد

شهد عامي 2017 و2018 لقاءات بين السراج وحفتر في كل من أبو ظبي وباريس وباليرمو لمناقشة شروط الأخير ليقبل الانضمام للاتفاق السياسي. وأظهر حفتر في كل من هذه اللقاءات تعنتًا حول المادة الثامنة في الاتفاق السياسي والتي تمنح الرئيس صلاحيات القائد الأعلى للجيش.

وعلى الرغم من هذا التعنت أبدى حفتر موافقته على إجراء انتخابات وبقاء السراج كرئيس للحكومة إلى حين إجرائها. واستمرت لقاءات توحيد المؤسسة العسكرية بين اللجان العسكرية من الطرفين بإشراف مصري.

وتم التفاهم على مسودة اتفاق نهائية يكون فيها حفتر قائدا عاما للجيش إلا أن المفاوضات شهدت جمودا لتخوف معسكر الوفاق من بند في المسودة نص على أن “الجيش سيخضع لإرادة الشعب” أي أنه لن يخضع لسلطة مدنية قبل الانتخابات. لم تمنع مفاوضات اللجان العسكرية ولقاءات حفتر بالسراج من استمرار الأول في شن عمليات عسكرية تمكن من خلالها من السيطرة على الهلال النفطي وقواعد عسكرية مهمة كالجفرة وتمنهنت بدعم من حلفائه الإقليميين والدوليين الذين أيدوا الاتفاق السياسي (مصر، الإمارات، الأردن، فرنسا، روسيا).

وبينما استمرت حالة الجمود السياسي في ظل رفض برلمان طبرق لكل التشكيلات الحكومية وتمسك حفتر بشرط تولي منصب القائد الأعلى للجيش حيث استمرت قواته في التمدد على الأرض بمباركة من السراج ومسؤولين آخرين في حكومة الوفاق كفتحي باشاغا وزير الداخلية الذي بارك انتصار “الجيش” في مرزق في 20 فبراير 2019.

التقى السراج وحفتر مجددا في (أبوظبي) في 27 فبراير 2019 ليؤكدا على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية وضرورة الذهاب للانتخابات. وأعلن المبعوث الأممي غسان سلامة في شهر مارس عن عقد مؤتمر جامع بين 14 و 16إبريل. وحظي المؤتمر بدعم دولي ومحلي كبير، وأعرب حفتر عن تفاؤله في ملتقى شباب مدينة بنغازي حيث صرح أن الأسابيع المقبلة ستشهد تشكيل حكومة توافقية جديدة، في حين أكد السراج في كلمته بالقمة العربية أن “عسكرة الدولة خط أحمر”.

وبدا أن الصراع الجاري يتجه لنهايته حتى جاء هجوم حفتر على طرابلس بتاريخ 4 إبريل 2019 قبل أيام من انعقاد مؤتمر غدامس المرتقب، وهو ما شكل صدمة لمسؤولي حكومة الوفاق.

طرابلس قبل هجوم حفتر في 4 إبريل 2020

شهدت العاصمة خلال السنوات الماضية تغولا غير مسبوق لنفوذ كتائب طرابلس (الردع، النواصي، ثوار طرابلس، شهداء “أبوسليم” ) في مؤسسات الدولة والقطاع المصرفي، وتنافُسًا في ما بينها على مختلف وسائل الإيراد المالي. فتسابقت لبسط هيمنتها على المصارف والمؤسسات المالية مما أتاح لها الوصول للعملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي من خلال الاعتمادات المستندية التي يمنحها المصرف المركزي والتي كانت تباع مجددا في السوق السوداء بأضعاف مضاعفة، مما أدى لتضخم ثروة ونفوذ قيادات هذه التشكيلات بشكل غير مسبوق.

وبالإضافة للعائدات المالية الضخمة واحتكار العملة الصعبة مع مجموعة من رجال الأعمال عملت هذه الكتائب على تعيين رجالها في مناصب نافذة في القطاع المصرفي والوزارات والسفارات كما وفروا امتيازات لصغار المنتسبين بتوفير مرتباتهم الشهرية نقدًا في حين عانت البلاد من شح السيولة وانهيار قيمة العملة المحلية بسبب إغلاق النفط والفساد في القطاع المصرفي وعمليات الاحتيال في ما يتعلق بالاعتمادات المستندية.

مارست كتائب الثوار سابقا أشكالا من الضغط والفساد للحصول على العطاءات والمخصصات المالية لكنها لم تتورط في تأسيس شبكة فساد منظمة بهذا الحجم والنفوذ حيث استطاعت كتائب طرابلس تكوين شبكة من العلاقات داخل وخارج مؤسسات الدولة مع المسؤولين والسياسيين ومدراء المصارف ورجال الأعمال سمحت لها باختراق إدارات الشركات المملوكة للدولة والمصارف والمؤسسة الليبية للاستثمار وغيرها من وزارات ومناصب حساسة.

لم تقتصر ممارسات الكتائب على التعاون المتبادل عبر علاقاتها في المؤسسات بل تجاوزتها للإكراه في كثير من الأحيان فكان خطف المدراء والمسؤولين وإرغامهم على توقيع عقود وصفقات مسألة متكررة على يد هذه التشكيلات الأربعة في طرابلس.

بعض الأمثلة على ذلك :

  1. ابتزاز هيثم التاجوري قائد كتيبة ثوار طرابلس اعتمادات مستندية بعشرات الملايين من الدولارات كما جاء في تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة.
  2. تنصيب هيثم التاجوري أحد رجاله كمدير لجهاز الإمداد الطبي.
  3. تنصيب كتيبة النواصي لرجالها في كل من وزارة المالية ومصلحة الأحوال المدنية.
  4. اختطاف كبار مسؤولي المصرف المركزي كمدير العمليات ومدير مكتب المحافظ.
  5. اختطاف كتيبة ثوار طرابلس لوزير المواصلات لإرغامه على التوقيع على عقد ممنوح لشركة إيطالية لبناء مطار طرابلس الدولي.
  6. اختطاف المدير التنفيذي للخطوط الأفريقية للتوقيع على عقد تأمين لشركة طائرات.
  7. اختطاف قوة الردع وكتيبة ثوار طرابلس وعبد الغني الككلي كبار المسؤولين في الخطوط الجوية الأفريقية على فترات مختلفة في 2017.
  8. اختطاف قوة الردع للمدير التنفيذي لشكرة الخطوط الجوية الليبية لمدة 8 أشهر.
  9. تعيين أكثر من عشرين موظفًا من رجال هذه الكتائب في السفارات بعد محاصرتها لمبنى وزارة الخارجية الذي تملك فيه كتيبة ثوار طرابلس مكتبا.
  10. تنصيب محمد المرداس كسفير ليبيا في تونس بتهديد السفير السابق بعد محاصرة منزله في طرابلس.

توضح هذه الأمثلة مدى هيمنة هذه الكتائب الأربعة على القرار الإداري الداخلي ومدى تغولها في مؤسسات الدولة.

وهو الأمر الذي أثار سخط الكتائب من المدن المحيطة بطرابلس كمصراتة والزنتان والزاوية وترهونة والأمازيغ والكتائب الأخرى المستبعدة داخل طرابلس ككتائب تاجوراء وجنزور، حيث خيمت أجواء الفرقة والصراع بين القوى المنضوية تحت راية الوفاق على المنطقة الغربية.

استغلال حفتر للفرقة والانقسام

في ظل حملة التصفية التي طالت القوى المعارضة للاتفاق السياسي وفي ظل انشغال كتائب طرابلس بالتوغل في مؤسسات الدولة وسخط الكتائب الأخرى، بدأ حفتر محاولات استمالة بعض هذه الكتائب، فاستمال الكانيات من ترهونة -تشكيل عسكري خليط من مكونات مختلفة من ترهونة كانت تعادي قوات حفتر سابقا، وعادل الدعاب في غريان وهو قيادي قاتل في صفوف فجر ليبيا ضد حفتر في عام 2014، كما اعتمد على التيار المدخلي في تعزيز نفوذه في مناطق غرب طرابلس كصرمان وصبراته.

وعمل على التواصل مع بعض قيادات كتائب طرابلس الأخرى كـ ناجي القنيدي قائد كتيبة فرسان جنزور -الذي فرّ من المدينة مع بعض رجاله بعد فشل حفتر في اقتحامها- وتم الاتفاق حتى مع كتائب من مدينة الزاوية على الدخول لطرابلس.

تم كل هذا بالتوازي مع تقدم قوات حفتر في الجنوب الليبي وإجرائه لمفاوضات مع حكومة الوفاق وقيادات مدينة مصراتة لتقاسم السلطة.

كما انتشر في تلك الفترة حديث عن تواصل بعض قيادات كتائب طرابلس كهيثم التاجوري وهاشم بشر –مستشار السراج الأمني- مع حفتر واتفاقهما معه على تسليم طرابلس سلميًّا ولا توجد أي أدلة لتأكيد صحة هذا إلا أن الاثنين كانت لهما علاقة بالإمارات وفرنسا.

كما أكد الكثير من قيادات كتائب الثوار صحة هذه الادعاءات. وتؤكد المعلومات المتداولة أن الاثنين الآن فارَّين من البلاد ويتنقلون بين باريس و (أبوظبي)، وأن المصرف المركزي جمد اعتمادات مستندية بقيمة 395 مليون دينار لقائد كتيبة ثوار طرابلس هيثم التاجوري.

بنى حفتر مخططه لدخول طرابلس على عامل غياب الثقة والصراع بين كتائب المنطقة الغربية. فلو سيطر حفتر على غرب طرابلس كان من المتوقع انسحاب كتائب طرابلس الكبرى من المعركة لكن الذي حدث هو العكس تماما فكتائب الزاوية التي اعتقد أنه حيدها حاصرت قواته فور هجومه على المدخل الغربي وتمكنت من أسر كتيبة كاملة بعتادها -أكثر من 120 أسيرا-.

وجاءت الضربة الأخرى بانضمام كتائبَ من الزنتان لقوات الوفاق تحت قيادة أسامة الجويلي كقوات عماد الطرابلسي الذي قاتل ضد قوات فجر ليبيا في 2014. وتنادت كتائب مصراتة وطرابلس ومختلف المناطق لصد الهجوم بشكل سريع وشكَّل خصوم وأعداء الأمس تحالفًا لصد هجوم قوات حفتر.

وبينما تشكل تحالف قوات الوفاق من ثوار المدن الغربية التي وقفت ضد النظام في الثورة كمصراتة والزنتان وصبراته والزاوية وغريان ومدن الجبل الغربي، فقد تشكلت معظم قوات حفتر من المدن الغربية من المناطق التي والت النظام كترهونة وورشفانة وبني وليد وتاورغا وسرت وسبها.

ورغم إعلان بعض هذه المدن حيادها إلا أنها تعد قواعد انطلاق وإمداد لقوات حفتر وينتسب معظم مقاتلي المنطقة الغربية في صفوفه إليها.

لقد صاغت المراحل المتعددة التي مرت بها الثورة الليبية منذ انطلاقها هذه التحالفات المعقدة ففي أحداث 2011 برزت تحالفات مناطق الثورة ضد مناطق النظام. ثم في 2014 انحازت بعض قوى الثورة في الشرق والغرب لمعسكر الثورة المضادة، ثم تغيرت تركيبة التحالفات مجددا بعد الاتفاق السياسي.

وأخيرا بهجوم حفتر على طرابلس عادت تحالفات قديمة وبرزت أخرى جديدة. لكن تظل هذه التحالفات معرضة للتفكك فور غياب الخطر الذي يهدد وجود مكوناتها.

البقية في الأجزاء التالية

____________