Minbar Libya

ثُلث حَلّ أفضل من لاَ حلّ

بقلم : علي عبد اللطيف اللافي

يُمكن الجزم أنه مهما بلغت الأزمة الليبية المتفاقمة منذ منتصف سنة 2014 من درجات التعقّد، فإن السنوات الماضية وتقلبات الإقليم وطبيعة السياسات الدولية الراهنة، قد بيّنت وأكّدت لكُلّ المُتابعين ولجميع الأطراف الليبية أن الحوار هو قدر اللّيبيين.

فالحوار ضرُورة واقعية للإنقاذ والاقلاع أولا و ولأنّه ثانيا سمة من سمات المجتمع الليبي طوال تاريخه الطويل والمصبوغ بسمات الفداء وامتلاك العقلية الاستباقية

(العقلية التي توقّعت بها نُخب ليبية قُدوم الاستعمار الإيطالي قبل وقوعه بعشرين سنة من مجيئه بل وتم يومها الاعداد لمراحل النضال ضده ووضع خطط لاستنزافه ومن ثم اجباره على الرحيل).

ولكن الأسئلة الملحة اليوم وخاصة مع بدء الحوارات عبر الإنترنت (زوم) في انتظار الجلسات المُباشرة بداية من يوم 9 نوفمبر القادم هي:

هل ستهتدي النُخب الليبية الى حلّ أو حتّى لثُلث حلّ (وذلك أفضل من سيناريو لا حل)؟

وهل ستلتفتُ لنبض شعبها وتتعالى عن التجاذبات وحرب المواقع وتتجنّب سقطتها الحالية عبر سقوطها في خوض الحرب بالوكالة؟

وهل حصل الوعي بأن نُخب العقود الماضية قد أساءت التقدير بترسيخها لعقليتي “الغلبة” و”الغنيمة” إضافة للعقلية القبلية في مُعالجة القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.

لا قِبَلَ لليبيين الا الحوار والتوافق

ممّا لاشك فيه أن الأوضاع السياسية والاجتماعية اليوم وطبيعة ما يحدث في الإقليم وطبيعة الصراعات الدولية، تفرضان الايمان بالحوار والتوافق ومن ثَم:

ـ العمل على استنساخ النموذج التونسي لسنة 2014 وفقا للخصوصيات الاجتماعية والسياسية لليبيا والليبيين،

ـ وأيضاتجنب الخيار المصري الذي ابتليت به أرض الكنانة وأمّ الدنيا.

وهو ما يعني أن التوافق هو خيار المُتحاورين وأطراف الصراع وهو عمليا الحلّ الّذي لا مَحيد عنه لكل الليبيين، وهو أصلا ليس خيارا بل ضرورة واقعية بل هو موضوعيا نتاج طبيعي وابنُ بِكر لحالة توزان الضعف بين طرفي الصراع ونتاج توازن القوى إقليميا من حيث واقع التعاطي والتأثير في الملف اللُيبي.

وذلك يعني التحول الى واقع موضوعي على الأرض وخاصة بعد انهيار خيار الحسم العسكري ميدانيا وسقوط سيناريو “القذافي الثاني” و شبيهه المتولد عنه بعد 3 يوليو 2013 أي سيناريو “سيسي ليبيا” .

وأساسا منذ منتصف 2016 وتجسُّده ميدانيا عبر هزائم قوات حفتر المتتالية منذ أبريل الماضي (خاصة في مدن الساحل الغربي وجنوب العاصمة طرابلس، واضطرار قوات حفتر الإنسحاب من مدينة ترهونة بدون قتال) .

وكل ما سبق يعني ويؤكد أنه على أطراف الحوار اليوم وشخصياته المدعوة اليه ـ بغض النظر عن موقف البعض من أسمائهم ـ العمل بشكل دؤوب على دعم الحوار لاحقا بين جميع مكونات المجتمع الليبي وممثلي مدنه لا الاكتفاء بتشكيل الحكومة القادمة والمجلس الرئاسي أو بوضع خارطة طريق تنفيذية للمسارات السياسية والدستورية والعسكرية.

لا حُلول الّا الحُلول السياسية

يُجمع كُل المُتابعين أن أصحاب الخيار العسكري قد اصطدموا بـ:

ـ كُره المواطنين الليبيين للصراعات والمعارك.

ـ وكُره كل الليبيين للاقتتال بين أطراف الصراع وبين المليشيات في المناطق الثلاث

ـ كما سَئموا التجاذبات بأنواعها بين مختلف المكونات السياسية والاجسام القائمة.

كما يُجمع كل المراقبين أن الحالمين بالحسم الميداني والعسكري قد أُسقط في أيديهم بل أنهم صطدموا فعليا بخيارات عبّر عنها الليبيون في صفحات التواصل الاجتماعي بتغريدات تُدين استمرار الانقسامات وتعدُّد الصراعات.

وكل ذلك تزامن مع تنامي الحراك الدولي بل أن هذا الأخير بدأ يغادر منصات السلبية واللامبالاة وخاصة مع ترقب حذر للمآلات المنتظرة للازمة الليبية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة والتي سيعرف رأسها يوم 3 نوفمبر القادم.

وقد تبين أخيرا لكل المتابعين سقوط استراتيجيا الالتفاف على الحلول السياسية والتي تطمح اليها أطراف إقليمية ودولية طالما لعبت على الهوامش واستغلت تطورات أحداث الإقليم وتردّد القوى الدولية الكبرى.

ان الدفع نحو إدامة الحل السياسي وإعطائه نجاعة أكبر هو خيار أوحد بل ووحيد للتلاؤم مع رغبة الليبيين والتوجهات الراهنة للمجتمع الدولي الطامح في نجاح البعثة الأممية الحالية.

كما تـأمل الدول السبع ودول الجوار الليبي في نجاح أعمال ملتقى تونس للحوار والذي ستبدأ جلساته المباشرة كما أسلفنا خلال شهر نوفمبر القادم.

ويمكن القول أن ما حدث ويحدث منذ نهاية أغسطس الماضي ليس سوى سعي حثيث لتنزيل استراتيجيات استباق نتائج المؤتمر سياسيا وامنيا وعسكريا.

ان حتمية خيار الحوار والحل السياسي تفرض العمل على إنجاز مصالحة وطنية تدفن آلام الماضي وهنا لابد من استحضار سوداوية المشهد السابق وتراتباته الحالية سياسيا واجتماعيا.

ليبيا تمر بأسوأ مراحل تاريخها منذ قدرة شبابها على انهاء 42 سنة من الديكتاتورية الفردية، وقد استفحل في الشرق والجنوب ومثلهما في العاصمة طرابلس، غياب الخدمات (السيولة – الكهرباء …)، إضافة الى نفوذ العصابات المسلحة التي تحكَّمت في كل شيء.

هكذا يكون المستقبل مطمئنا وواعدا لليبيا والليبيين

معلوم أن المشهد السياسي والاجتماعي عَرف منذ أشهر نسقا متطورا حيث يعمل الجميع رغم المؤثرات الذاتية والموضوعية الضاغطة عليهم، على اجراء حوارات أوسع للاتفاق على مرحلة انتقالية تختتم بمسارات الانتخابات ( رئاسية وتشريعية).

هذا المشهد يعرف باستمرار نسقية تفكيك وتركيب متماهية مع التطورات الاقليمية والدولية، ويمكن تلخيصه بانه مشهد مُعقد كثيرا في العاصمة طرابلس بدرجة أولى بل وفي الجهة الغربية عموما وهو خطير جدا في الجنوب الذي يريد الجنرال المتقاعد توظيفه كورقة تفاوضية عبر الايهام بالسيطرة عليه بعد تحول المرتزقة من آبار النفط اليه.

بينما الأمر في برقة أكثر تعقيدا خاصة في ظل التدخل المباشر لقوى إقليمية معروفة في كل التفاصيل هناك وفي ظل وجود وكلاء مستعدين لفعل أي شيء من أجل إرضاء القوى الإقليمية.

وتنبني قتامة المشهد من جهة وتعقُّده من جهة ثانية بناء على تقييم العقل السياسي للفاعلين السياسيين من مختلفي النخب:

تواصل سياسة التخبط والتشظي لدى تيار فبراير والذي من المنتظر أن تتفشى داخله مستقبلا العقلية الغنائمية وعدم الثقة بين أطرافه بل أن مكوناته لن تتطور إلا بتبلور تيار قادر على بناء الائتلافات والتحالفات والتوافقات والاستجابة لإرادة الليبيين وبناء على نتائج الصناديق في الانتخابات القادمة.

تواصل الانقسامات الجذرية في مجموعات أنصار النظام السابق بين الواقعيين والافتراضيين، ومعلوم أن تطورهم سيبقى صعبا في الوقت الراهن نتاج عقلية ماضوية في قراءة أربع عقود من الحكم الفردي ونتاج استفحال الزعاماتية ونتاج مؤثرات فكرية وسياسية واجتماعية متعددة وأيضا في ظهور تجاذبات داخلهم ذات منحى ثنائي (ضد سيف/مع سيف، ضد حفتر/مع حفتر ، نتفاهم مع فبراير /لا نتفاهم معهم … الخ)

ورغم تعقُّد تفاصيل المشهد السياسي الحالي وتعدّد مُفرداته، الا أن نجاح الحوار أمر قدري لليبيا والليبيين،

ولابد أن تصدق النوايا عبر الكف عن مُمارسة الابتزاز السياسي،

بل ان الامر يقتضي المسارعة في تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد ملتقى تونس في بداية نوفمبر المقبل لترتيب ما تبقى من المرحلة الانتقالية ذلك أن كُل تأخير هو تعميق للفوضى والانقسام،

وقبل ذلك لابد من تغيير تركيبة المجلس الرئاسي الحالي والعمل على توحيد المؤسسات السيادية و وضع استراتيجية امنية في المناطق الثلاث.

إن تطورات المشهد الإقليمي وطبيعة موقع ليبيا المهم وقربها من السواحل الأوربية ستحتم على الليبيين إنجاح الحل السياسي وإجراء انتخابات حتى يتم غلق باب الصراعات الأمنية والعسكرية،

بل على الليبيين أن يعوا بأنهم امام تحديات جسيمة على غرار تفاصيل الترتيبات الأمنية وكيفية بناء وقيادة المؤسسات السياسية والعسكرية خلال سنتي 2021 و2022.

ان الواقع والواجب يفرض على الليبيين بمختلف مكوناتهم أن تشهد الانتخابات المقبلة لو نجحت المرحلة الانتقالية في الوصول اليها، مُشاركة سياسية واسعة ومُنقطعة النظير، وأن تدفع نُخبهم وأحزابهم الوطنية بالمشاركة الإيجابية بغض النظر عن النتائج.

إضافة للسعي والدفع أن يكون النظام السياسي في ليبيا مهيأ الى التقبل والطرح الفكري والمُتعدد حتى يكون تنافس الأحزاب تنافسا طبيعيا خدمة لليبيا، وان يكون كل إقليم من الإقليم الثلاث في تماه كامل مع مؤسسات السلطة المركزية للدولة الليبية.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________