Minbar Libya

بقلم : علي عبداللطيف اللافي

هذه “الدراسة/الخطة”، هي مشروع ورقة أولية تحاول البحث في طرق وآليات بناء حل طويل المدى في ليبيا وعبر خطوات يحضر فيها البُعد الاستراتيجي حتى لا يتكرّر في ليبيا ما جرى فيها وفي دول الجوار لها منذ عُقود وتكرّر في السنوات الماضية بأكثر مأسوية.

ذلك أن الأزمة الحالية وعلى عكس ما يعتقد البعض ليس مجرد صراع عسكري بين طرفين على السلطة والمال فقط، بل هي في الأساس وفي العمق اشكال بُنيوي تُعاني منه ليبيا وكل الأقطار الافريقية والمغاربية بالأساس رغم أن هذه الأخيرة مُؤهلة أكثر من بقية الأقطار العربية المشرقية لبناء دول قوية بل أنها مؤهلة موضوعيا لبناء قطب إقليمي قادر على الرُقيّ الاقتصادي والاجتماعي ولعب أداور رئيسية في محيطها الافريقي والعربي والمتوسطي اذا ما تم جديا دراسة تكلفة “ألا مغرب”.

تتمحور ورقة الحال حول مُلخّص لرُؤية وكيفية بناء حزب ليبرالي بالمعنى الفكري والسياسي لتجاوز كل ما هو بُنيوي في المجتمع الليبي والذي تتعدد أسبابه اذ هو ضارب في التاريخ وكرسته الأخطاء القاتلة في العقود والسنوات الماضية.

ويتلخص الحل موضوعيا في إيجاد وبناء ومُتابعة تطور حزب ليبي يستلهم روح التحرر داخل المجتمع الليبي ليكون قادرا على التجميع والتفاعل مع بقية العائلات الفكرية والسياسية.

ويكون الحزب رحى الفعل السياسي والاجتماعي للدولة الليبية المرتقبة والمستقبلية والمرجوة مع الحرص أن يكون ذلك الفعل لقاحا ناجعا وناجحا ضد التقسيم والانقسام وبالتالي التهيئة العملية من أجل القُدرة على جمع قوى فاعلة في كُل أرجاء ليبيا بدون تغييب أي مدينة أو قبيلة من القبائل الكبرى وكذلك أبناء البلد المغتربين والمهاجرين في مختلف اصقاع العالم ويحقق الهدف المرجو والختامي ألا وهو حماية ليبيا من كل المخاطر والصراعات.

لفهم أسباب كتابة ومُبررات وتوفر شروط القدرة على اعدادها بشكل فردي، لابد من التأكيد أن هذه الورقة في مسودتها الأولى قد أعدت عمليا سنة 2017 وأنه قد تم تحيينها خلال الأسابيع الماضية مع ما عرف بماراتون الحوارات الليبية بين طرفي الصراع في عدد من العواصم العربية والغربية.

وللتأكيد أقول أنني كتبتها منذ البداية في ظل إيماني الكامل فلسفيا وفكريا بمقولة “ان التونسيين واللبيين هم فعلا شعب واحد في بلدين”، إضافة الى قناعتي وايماني أنه لن يتم رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية في بلدي الحبيب “تونس الخضراء” الا بحل الازمة الليبية والتي تراكمت اشكاليتها منذ منتصف 2014 .

ذلك تاريخ بداية الأزمة الخليجية الأولى والتي اعتقد جازما أنها رسخت فعليا منطق الحرب بالوكالة والتي خاضتها وتخوضها الى اليوم أطراف ليبية ضيقة الأفق الاستراتيجي لصالح اذرع ومحاور إقليمية، وأن هذه الأخيرة تتحرك وفقا لنواميس ومصالح قوى دولية وشركات عالمية عابرة للبلدان والقارات من أجل استغلال ونهب ناعم لثروات ليبيا الهائلة والنادرة ومن ثم المرور بيسر للعمق الافريقي.

عمليا أعتقد أنني ككاتب مختص في الشؤون الليبية قد راكمت تجربة وإلمام كبير بتفاصيل مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والجوانب الحياتية اليومية في ليبيا، وخاصة وأنّني ومنذ 2014 أشغل ثلث كل يوم عمل في متابعة التطورات في ليبيا، وفعليا اطّلعت على مئات الكتب في التاريخ والجغرافيا والدراسات البحثية والمختصة حولها وتابعت عمليا أغلب الملتقيات والتي عقدت حولها.

لقد ساعدني في ذلك أنني اصيل المناطق الحدودية التونسية الليبية، وأنّ والدي عمل حوالي 25 سنة هناك بحيث زرت ليبيا أكثر من عشرين مرة بل واستوعبت مفردات المشهد الليبي ماضيا وحاضرا، وهو ما مكنني أيضا من كتابة ونشر عديد الدراسات حول الأحزاب والجماعات والتنظيمات السياسية والاجتماعية الليبية.

بل أنني أعددت بشكل شبه نهائي أربع كتب هي تحت الطبع حول ليبيا وانا بصدد إعداد أخرى، كما نشرت عشرات التقارير الإعلامية والمقالات الصحفية في أسبوعيات تونسية ويوميات عربية ومواقع الكترونية تونسية وعربية ودولية وحضرت عشرات البرامج في قنوات تونسية وعربية ودولية حول ليبيا.

وكل ذلك كوّن لدي فكرة حول أساسيات مشروع حل طويل المدى وخاصة انني مُلم بعلاقات ليبيا بدول الساحل والصحراء منذ بداية الالفية الحالية بناء على أنني أيضا كاتب مختص في الشؤون الافريقية منذ منتصف التسعينات وعضو بعديد من مراكز الدراسات والابحاث.

ومعلوم لكل المتابعين أنني على دراية بالمسألة الدينية وملفات التنظيمات الإرهابية والأحزاب الإسلامية بناء على أنني شغلت في تونس بين سنتي 2011 و2014 مستشارا سياسيا واعلاميا لوزير الشؤون الدينية (الأوقاف)، وكل ذلك مكنني من تفاصيل أدق على التحديات الجسام وعلى تفاصيل الملفات الثقافية والاجتماعية والسياسية.

هذه “الورقة/الخطة” هي في الأخير مُجرد رؤية نظرية يتطلّب تفعيلها الواقعي وتنزيلها خطة تنفيذية لاحقة باعتبار أن الخطة الأصلية (150 صفحة) والمرسومة بداية سنة 2017 كما ذكرت ذلك أعلاه، وهو ما يعني أن المطلوب من أي جهة تُريد تبنيها التفاعل مع نقاطها الرئيسية الحالية والملخّصة ضمن ورقة الحال ومن ثم تحويل المُتّفق عليه الى ورقة ثانية مصحوبة بخطة تنفيذية ملائمة لها تُراعي التطورات الحاصلة محليا وإقليميا ودوليا بين نهاية 2017 (تاريخ وضع “الخطة/الرؤية” ألأولية) وبين نهاية أكتوبر 2020 تاريخ انجاز الورقة الحالية.

مُلاحظات رئيسية حول أساسيات المشروع

وضع “الحل/الرؤية/الخطة” على أساسيات فكرة مستوحاة من تجربة السياسي التونسي “عبد العزيز الثعالبي” والذي أسس حزبا سنة 1919 أسماه “الحزب الحر الدستوري التونسي”، بعد أن درس الفكر الليبرالي ومدارسه في الغرب الأوروبي وبعد أن كتب كتابه “روح التحرر في القرآن الكريم” فجمع بين ثقافة الخصوصية والعصرنة وتجارب الآخرين.

تجربة الثعالبي يُمكن استلهامها في المثال الليبي:

أولا ـ نتاج عدم وجود دستور معتمد الى حد الآن (رغم تصويت الهيأة المختصة والمنتخبة سنة 2017)،

ثانيا ـ نتاج البُعد القبلي القائم

ثالثا ـ نتاج حضور قوي للعلاقة بالغرب في ليبيا (أغلب النُخب الليبية درست في الغرب خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي- النفط – بقية الثروات الباطنية – العمق الافريقي لليبيا – الاطلالة الممتدة على السواحل المتوسطية.

الورقات الملاحق المشار اليها في هوامش الورقة الحالية، من الأفضل الإبقاء عليها في بُعدها النظري والاستفادة منها في الآليات والتي يتم تحديدها في الخطة التنفيذية، باعتبارها أقرب للآليات والوسائل لتحقيق الهدف الرئيسي وهي بناء دولة مدنية موحدة وقوية وفاعلة إقليميا ودوليا وقادرة خلال العقود القادمة على تجاوز الخلل البنيوي الذي عانت منه ليبيا فكريا وسياسيا واجتماعيا منذ أكثر سبع عقود.

تقوم كل الخطة على الاستيعاب والاستلهام والتوظيف للمكنونات الليبية ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وهي بالتالي ليبية المنزع والآليات والهدف ضمن رؤية فلسفية تقوم على القناعة بالمحيط الليبي في أبعادها المغاربية والمتوسطية والافريقية والعربية والإسلامية والأممية، مع أن كاتب هذه الورقة وكما بينا أعلاه أمضى تقريبا ثلاث عقود وهو يدرس ليبيا وتاريخها وكل تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها بعقلية المعايشة والمتابعة اليومية لا فقط في المنحى البحثي والإعلامي.

الانتباه جيدا واستيعاب أن المشكل الرئيسي والأساسي ليس في تأسيس الحزب الليبرالي الليبي المنشود أو في تكوينه وتوسيع قاعدته السياسية والاجتماعية أو حتى تمويله وتأسيس أذرع لوجستية له بما يسمح به القانون والترتيبات الإجراءات الإدارية الجار بها العمل في ليبيا اثناء مرحلة تنفيذ الخطة (المقصود هنا طبعا أذرع مالية واجتماعية وبحثية).

وهو ما يعني أن الإشكالات الرئيسية والتي تُوضحها الورقة بآليات أفكار مختلفة في ثناياها هي في مدى قدرة الحزب ومتبنيي فكرته وفكرة مشروع الحل أيضا مُتابعيه ورُعاته المحليين على:

• مرحليا وعلى المدى القريب في عملية تأسيس منهجي ومبنية على أسس صحيحة وتجاوز عقبات الانقسام وتجاوز عقبة دفعه للاصطفاف لأحد طرفي الصراع أو الاصطفاف لاحد المحورين الإقليميين دون السقوط في الحياد القاتل تجاه القضايا المبدئية.

• المدى المتوسط (في أفق سنة 2022)، أولا في مدى قُدرته في الحصول على كتلة برلمانية وازنة تمكنه من المشاركة في حكم ليبيا عند أول انتخابات تشريعية قادمة، وثانيا في أن يكون قادرا على التخلص من السقوط في التبعية المباشرة لأي محور إقليمي، أو أن يتم احتواءه واختراقه تنظيميا وسياسيا وفكريا وان يكون وفيا لفكرة القرب والتعامل مع كُل جيران ليبيا في إطار الاحترام والندية وأن يُعطي أولوية قصوى مرحليا واستراتيجيا للبلدان المغاربية والافريقية.

• على المدى البعيد، أولا في توفر الذهنية السياسية لمناضلي الحزب وأعضائه للتعاطي مع كل المتغيرات والأحداث والتطورات وقدرتهم على مراكمة أدبيات خاصة وحصرية بالحزب، والقدرة على بلورة برامج في مختلف المجالات بغاية محاصرة أي توجه انقسامي أو فئوي أو قطاعي،

ثانيا في توفر رؤية وبديل لإدارة الثروات والاستثمارات الليبية، وايجاد استراتيجيا تتسم بالديناميكية والمرونة في ملف إعادة اعمار ليبيا وبناء دولة حديثة مدنية تعتمد الذكاء الصناعي والثقافة والاقتصاد الرقميين.

يتبع الجزء الثاني “فلسفة الرؤية/الحل

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_______________

المغاربي للدراسات والتحاليل