Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

هناك الكثير من التجاذبات وردود الأفعال حول قائمة الحضور وحول مواقف متناثرة هنا وهناك من أسماء مرشحة لعضوية الرئاسي أو لرئاسة الحكومة المقبلة.

ولكن بعيدا عن تلك التجاذبات يُمكن التأكيد أن العارفين بالشأن الليبي عن قرب والمُلمين بتفاصيله وكواليسه وتعقيداته يعرفون جيدا أن برنامج خطة المبعوثة الأممية بالنيابة “ستيفاني وليامز” التي عملت عليها منذ تعيينها عضوة في البعثة الأممية في بداية يوليو/جويلية 2018، هي قيد التفعيل والتنزيل.

وذلك رغم كل العوائق والتحديات والإرباك على الأرض وذلك واضح للمتابعين والمراقبين بناء على وضوح عزم الإدارة الأمريكية على اسنادها وذلك الإسناد تكرّس منذ 26 نوفمبر 2019 وتوضّح أكثر في الزيارات المكوكية التي قام بها السفير الأمريكي في ليبيا قبل الاجتماع الثاني للأطراف الليبية في بوزنيقة (زياراته لمصر وباريس وانقرة وبنغازي وطرابلس).

لقد تم عمليا منذ سبتمبر الماضي ارسال تحذيرات واضحة لأطراف اقليمية بعدم التدخل المباشر في الملف الليبي مستقبلا وكل ذلك تزامن مع خطوات فعالة من طرف قوى دولية فاعلة طالما ترددت سابقا في التعامل بالجدية المطلوبة وخاصة خلال الست سنوات الماضية.

وإضافة الى ذلك لوحظ تراجع واختفاء مظاهر الخلافات السياسية الأوروبية ـ الأوروبية المباشرة حول الملف الليبي على عكس ما كان يتم سنتي 2018 و2019 وخاصة بين الايطاليين والفرنسيين.

وكُل ذلك يؤكد ويدعم أن الحل السياسي للازمة المتفاقمة منذ منتصف 2014 أصبح له ـ نسبيا ـ أفق واضح وجليّ وخاصة بعد ارجاء “السراج” لاستقالته حتى اختيار سلطة تنفيذية جديدة، بل يُمكن الجزم أن بوادر الانفراج بدأت في توضيح مسارات ذلك الحل بعد أن كانت تتعقّد كل مرة خلال السنوات الخمس الماضية.

لكن ماهي رهانات ملتقى تونس وكيف سيتم إعادة هيكلة السلطة التنفيذية والتكامل بين المسارات الثلاث، وكيف يمكن تجاوز عقبات التنزيل على الأرض؟

الحوار وأرجحية النجاح والفشل

بادئ ذي بدء لابد من التأكيد أن الحوارات الأوّلية بتقنية “الفيديو” والتي انطلقت الأسبوع الماضي وتحديدا يوم 26 أكتوبر الماضي، قد عرفت تقدما ملموسا في العديد من النقاط وتأكدت من خلالها خطوة تغيير السلطة التنفيذية.

ومنذ يومين أكدت “وليامز” في تصريح أول أن ليس مُهما “من يحضر؟” وأضافت أن المهم “ماذا سينتج عن الحوار؟”، كما أكدت في تصريح ثان أنها تواصل واقعيا خطوات سلامة وان فزاعة “الإسلام السياسي” لم تعد تعطي أُكُلَها وان الحوار سينجح في إيصال الليبيين لحل عبر الحوار في تونس.

ومع ذلك فان كلام المبعوثة الأممية بالنيابة لا يعني أبدا أنه قد توفرت كل الضمانات باعتبار أن “حيثيات الاعداد للمؤتمر الجامع قبل الربع ساعة الأخير من هجوم قوات حفتر على العاصمة لا زالت راسخة في الاذهان”، وهو ما يعني أن هناك عمل هائل ودؤوب يجب القيام به خلال الفترة القادمة اثناء وبعد ملتقى حوار تونس.

ذلك أن الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقتين الشرقية والغربية حرجة ومُعقدة وسُبل الخروج من أزمة البلاد الحالية مجدداً صعب ولكنه جد مُمكن ومنتظر وخاصة بعد تأبيد نسبي لوقف اطلاق النار وخاصة بعد اتفاق 5 زائد 5 في جنيف.

وعمليا تظهر تصريحات المبعوثة الأممية سالفة الذكر ومواقف الأطراف الدولية وتوقف اطراف إقليمية على اللعب على المتناقضات وهوامش كانت متروكة سابقا اثر كل مؤتمر دولي حول ليبيا فالجميع يعرف هذه المرة أن الأمريكيين يرعون الحوار ويسعون لنجاحه بينما قام الروس بخطوات جيدة لدعم الحوار سواء عند التقائهم وليامز منذ أسبوعين أو من خلال اجراءاتهم على الأرض (سحب المرتزقة بعيدا عن الحقول النفطية مثالا للذكر لا الحصر)

أي خارطة طريق للمسارات الثلاث؟

جوهر النقاشات في الحوار من خلال تقنية “الفيديو” في انتظار اللقاءات المباشرة تركزت على الضمانات والآليات على ان ذلك النقاش تماهى فعليا مع إشكالات المسارات الثلاث للازمة الليبية:

المسار الدستوري:

وهو ما يعني نقاش كيفية الاستفتاء على الدستور ومن ثم الانتخابات أو إقرار أي منهجية أخرى لتنظيم انتخابات لاحقة في آخر المرحلة الانتقالية المقبلة والتي يرجو كل الليبيين أن تكون الأخيرة.

ومعلوم أن المبعوث الاممي السابق غسان سلامة قد أكد مند سنتين إن البعثة تعمل وتنظر كيف يمكن إجراء عملية الاستفتاء على مشروع الدستور ثم تنظيم انتخابات نيابية ورئاسية بعد عملية الاستفتاء؟.

ومرد عودتنا الى ذلك التصريح هو أنه ملخص للإشكالات في المسار الدستوري إضافة الى تأكيد “وليامز” نفسها أنها تتبع وتُنفذ مسار سلامة لحل الازمة الليبية دون أن ننسى أنها كانت حتى مارس 2020 (تاريخ تعويضها له)، مساعدة له ومكلفة بالملف السياسي.

ومعلوم ان العديد من الأطراف في ليبيا تُعارض الاستفتاء على الدستور في نسخته المصادق عليها سنة 2017 من طرف الهيئة التي انتُخِبَت من أجل ذلك سنة 2014، ولكن الثابت أيضا أنه تم خلال حوارات القاهرة الاتفاق على حلول واقعية لكل تلك الإشكالات في ما عرف بحوارات المسار الدستوري والتي حضرتها كل الأطراف.

وهو المسار الذي سيتكرس بأحد خيارين اما اختيار سلطة تنفيذية جديدة أو عبر إجراء تعديلات على حكومة الوفاق الحالية وتوافقات مع الفاعلين في المنطقة الشرقية، وقد أشارت المبعوثة الأممية بالنيابة إلى ذلك في أكثر من تصريح.

كما أكدت مصادر مقربة منها في أكثر من مناسبة أن الخيار الأول أقرب للواقعية ولكن ذلك لا يعني ان الخيار الثاني غير وارد في ما يؤكد بعض أعضاء لجنة الحوار أن عدة قضايا ومبادرات مطروحة أمامهم لمعالجة الانسداد الحالي للأزمة السياسية في ليبيا.

وفي كلا الحالتين فان الثابت ان المجلس الرئاسي الحالي سيصبح ثُلاثي التركيبة (عضوين ورئيس ويمثل كل منهم منطقة من المناطق الثلاث)، مع فصله عن رئاسة الحكومة وتعيين رئيس لها بصلاحيات واسعة ترتكز أساسا على التسيير المُؤقت للبلاد والاعداد للانتخابات واتمام المرحلة الانتقالية مع ان يكون رئيس الحكومة على الأرجح من المنطقة الغربية ورئيس المجلس الرئاسي من الشرق في ما سيترأس البرلمان مستقبلا شخصية من الجنوب.

وفي صورة إقرار الخيار الثاني والذي اصطلح على تسميته بسيناريو “التطعيم” أي إبقاء السراج لرئاسة الرئاسي وتعيين شخصية من الشرق للحكومة المقبلة (على غرار أسماء “البرغثي” – “الكيخيا” – “البرعصي”- “الحاسي”)…

المسار العسكري/الأمني:

وهو إقرار خطوات اتفاق جنيف المعروف بـ 5 زائد 5 والتفصيل فيها واثرائها بعدد من الإجراءات المصاحبة وخاصة الردعية لكل الأطراف التي قد تفكر في شله او اعاقته، وهو ما يعني المُساهمة لاحقا في التوصّل إلى اتفاق شامل تعمل عليه الحكومة القادمة ويُمثّل عقدا وطنيا يمهد لمصالحة اجتماعية تفضي إلى تمكين كل الشرائح من المشاركة في الانتخابات العامة.

رهانات ملتقى تونس، وكيفية تجاوز عقبات التنزيل؟

قد يقول البعض من المتابعين أن الحوارات ليست جديدة وان مسلسلها يتكرر منذ 2015 حيث دارت حوارات عدة في أكثر من عاصمة عربية وغربية وتم تنظيم أكثر من مؤتمر دولي ولكنها حوارات دائما ما تترنح لنعُود في آخر كل حوار الى النقطة صفر ويعود اثرها فرقاء الصراع الى أجنداتهم القديمة على غرار مواصلة اللواء “حفتر” العمل على خطة الالتفاف عبر هوامش مناورة ودعم من طرف حلفائه الإقليميين.

ولكن الأمر مختلف هذه المرة بناء على طبيعة الحراك الدولي وجدية ظاهرة وغير مسبوقة للبعثة الأممية بقيادة “ستيفاني وليامز”، إضافة الى مطامح الشركات العابرة للقارات في الاستثمار في ليبيا ورغبة عديد العواصم الغربية الكبرى في إعادة النشاط لسفاراتها في طرابلس خلال الأشهر القادمة (بل أن بعضها ارسل ممثلي سفارته منذ أسابيع).

وكل ذلك من أجل الظفر بعقود لكبرى شركاتها في بلد يمتلك أهم ثروات العالم بل وقد يصبح لاحقا وبسرعة كبيرة جالب للاستثمار، اضافة الى تغييرات إقليمية ودولية ستُملي على الأمريكيين مباشرة بعد انتخاب الرئيس الجديد اليوم الثلاثاء 03 نوفمبر. وأيضا أصبحت بعض القوى الدولية الأخرى على استعداد على المضي في إيجاد مخرج سياسي مرحلي على الأقل للقدرة على التعامل مع بلد يعتبر مدخلا رئيسيا للعمق الافريقي.

ويمكن التأكيد بناء على ذلك أن مستقبل ليبيا في أفق الأشهر القادمة قابلا على عودة الوئام بين فرقاء الوطن حتى يتمكن الليبيون فعليا من توقِّي الصعاب وأولها تشكيل حكومة وحدة وطنية تُنهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة تُقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون مُنطلقاً لإعادة بناء المؤسسات الدستورية.

ومن الطبيعي أن الأشهر القادمة قد تأتي بالحل والوفاق وذلك لا يعني البتة عدم تنامي الصعوبات والعراقيل لأن وُكلاء الصراع المُشتغلين لدى الأّذرع إقليمية لقوى دولية سيعمدون إلى تغذية الأجندات لمراكمة العراقيل في وجوه الليبيين.

ولكنَ الليبيين سينجحون في الأخير لأن عدم نجاحهم يعني الانزلاق العملي الى ما هو غير متوقع ليس في ليبيا فقط بل في كل دول الجوار، كما أن النجاح الأولي والمرحلي لا يعني عدم تجدد الخلافات لاحقاً وان بشكل جزئي.

ولكن المهم هو النجاح المرحلي لأن الخلافات والصراعات بعدها ستكون بيد سلطة منتخبة وشرعية بل في يد صاحب السلطة الاصلية وهو الشعب الليبي، وهو شعب يدل تاريخه الطويل أنه شعب وطني وصبور وفريد من نوعه

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_____________

المصدر: صحيفة 24-24