Minbar Libya

بقلم حمزة المؤدّب

أدّت اتفاقات التجارة غير الرسمية على طول الحدود بين تونس وليبيا إلى ظهور اقصاد حدودي محكم. لكن التغييرات السياسية في كلٍّ من الدولتين قلبت المشهدين الاقتصادي والأمني رأساً على عقب.

الجزء الأول

ملخّص

قوّضت انتفاضات 2010-2011 ترتيبات غير رسمية راسخة كانت تتحكّم بمسارات التجارة الحدودية بين تونس وليبيا. وغداة العقد الذي تلا ذلك، وفيما كانت ليبيا تتحلّل إلى إقطاعات متصارعة في ما بينها، حافظت تونس على وحدتها، وانتقلت من الحكم السلطوي إلى الحكم الديمقراطي، وأعرضت عن التعاطي الرسمي مع مراكز القوى الليبية المُتنافسة.

وهكذا، أصبحت الاتفاقات الشعبية عبر الحدود بين اللاعبين غير الدُولتيين هي القاعدة، وإن بقبول ضمني من الدولة التونسية. مع ذلك، فشلت هذه الاتفاقات في بلورة آلية تجارية قابلة للاستمرار تحتاجها المناطق الشرقية الحدودية لمواصلة البقاء.

الأفكار الرئيسة

  • واجهت المناطق الشرقية الحدودية التونسية منذ العام 2014 تحديات كبرى ثلاثة: تشظّي المشهد الأمني في غرب ليبيا، والعرقلة المتواصلة لإمدادات النفط عبر الحدود بفعل المصاعب الاقتصادية الليبية، والمقاربة التونسية ثقيلة الوطأة لمسألة الأمن الحدودي.

هذه العوامل الثلاثة معاً أعاقت على نحو خطير اقتصادات المنطقة التي تعتمد كثيراً على التجارة والتهريب عبر الحدود، ما أسفر عن قلاقل اجتماعية متفرقة.

  • باشرت تونس، بعد أن أدركت أن عليها تخفيف الضغط عن المناطق الحدودية، السماح لمجموعات مُرتجلة من المجتمع المدني، ومعها البلديات المحلية، بالانخراط في مبادرات ودبلوماسية قاعدية شعبية من ذلك النوع الذي أسفر عن اتفاقات تجارة عبر الحدود مع مراكز قوى ليبية محلية.
  • بدأت تونس على نحو مطّرد بلعب دور مشارك في إبرام مثل هذه الاتفاقات التجارية عبر الحدود. وهذا أسبغ على مثل هذه الاتفاقات طابعاً غير متناظر تمثّل فيها الجانب التونسي بمزيج من أعضاء المجلس البلدي وممثلي الدولة، فيما تحدثت باسم الطرف الليبيي المجالس المحليّة وقادة المجموعات القوية غير الدُولتية.

توصيات

  • يتعيّن على تونس تعزيز وتوسيع التعاون المتعلّق بالحدود مع حكومة الوفاق الوطني الليبية المُعترف بها دولياً، والتي تشكّل القوة الرئيسة في غرب ليبيا. فهذا سيفسح في المجال أمام معالجة مشاغل البلاد الأمنية، أكثر مما قد تفعل الإجراءات المُنعزلة.

كما يجب على الحكومة أيضاً أن تعمل مع حكومة الوفاق لإقامة منطقة تجارة حرة في الحدود المشتركة بين البلدين، لأن هذا سيمنح التجار الثقة ويحفّز التجارة.

  • على تونس تشجيع المجالس المحلية في المدن الحدودية على توسيع الاتفاقات بين المواطنين التونسيين وأقرانهم الليبيين، بحيث تشمل المجالات الثقافية والتعليمية لا التجارة فقط. إذ إن هذا سيعمّق العلاقات الشخصية التي تُعتبر حاسمة لإنجاح الدبلوماسية بين المدن.
  • يجب على تونس الإشراف على الانخراط غير المُنسّق في الغالب لمختلف الهيئات الرسمية- بما في ذلك الوزارات وسلطات الجمارك، واللجان البرلمانية- جنباً إلى جنب مع المجالس البلدية، في الاتفاقات غير المُتناظرة المتفاوض عليها عبر الحدود.

فهذا سيرفع مستوى التعاون بين بلديات المدن الحدودية وتونس، ويعزز كذلك روابط هذه الأخيرة مع مراكز القوى في غرب ليبيا، ما يحسّن الأمن التونسي.

مقدّمة

التجارة بين تونس وجارتها ليبيا، التي ازدهرت لأكثر من عقدين، ترنّحت بعد انتفاضتي 2010-2011 اللتين اجتاحتا البلدين. بيد أن الأسوأ كان على الطريق: إذ تدهورت التجارة مجدّداً في العام 2014، حين تفاقمت الصراعات الداخلية الليبية وسقط الشطر الغربي من البلاد في يد مروحة متنوّعة من المجموعات المسلحة.

وفي العام 2015 فرضت تونس، التي شهدت مرحلة انتقال سلسة نسبياً من السلطوية إلى الحكم الديمقراطي، إجراءات أمن حدودية مُشددة. هذا التطور شكّل صدمة لاقتصاديات المناطق الحدودية الشرقية التونسية، التي لطالما كانت معتمدة على شراء السلع الرخيصة من ليبيا.

وقد أدى الوضع التجاري المضطرب والمائع إلى بروز ترتيبات شعبية عبر الحدود، تتفاوض بموجبها مجموعات المجتمع المدني المُرتجلة أو ممثلو المجالس المحلية حول اتفاقات تجارية مع مجالس بلدية وفصائل عسكرية– سياسية ليبية تمسك بزمام الأمور على الأرض.

انبثقت هذه الاتفاقات من الإدراك المتبادل من جانب سكان الحدود التونسيين والليبيين بأن التجارة الثنائية أمر لازم لكفاف اقتصادهم، وبأن ثَمَة حاجة إلى نوع من تنظيم النشاطات.

هنا، يلاحَظ أن الحكومة التونسية أذعنت بشكل عام إلى مثل هذه الترتيبات، إذ إن تونس، وعلى الرغم من كل مشاغلها الأمنية، لا تستطيع تحمّل إغلاق حدودها مع ليبيا لأن ذلك يقوّض اقتصادها، ما يؤدي بدوره إلى اضطرابات اجتماعية.

أما بالنسبة إلى الفصائل الليبية التي تسيطر على الأجزاء الغربية من البلاد، فإن التجارة مع تونس توفّر موارد اقتصادية لها لتدعيم الحكم الذاتي الذي حصلت عليه بشق الأنفس.

مع ذلك، تبيّن أن معظم الاتفاقات المذكورة هذه أثبتت أنها كانت محدودة حجماً وزمناً. فمن المنظور التونسي، هناك ضرورة لتحسين هذا الوضع المشحون، لكن ليبيا لا تتبدّى فيها أي دلائل على الاندماج في دولة موحّدة.

هذا في حين أن المناطق التونسية الحدودية المُفقرة لا تستطيع تحمّل الأوضاع الاقتصادية الهشّة والمتقلبة أكثر من ذلك. وبالتالي، سيكون على السلطات التونسية أن تُحقق توازناً بين مشاغلها الأمنية وبين الحاجات الاقتصادية الحدودية.

التجارة عبر الحدود قبل الربيع العربي

في شباط/فبراير 1988، وفي أعقاب سنوات عجاف من الإغلاق بسبب التوترات السياسية، أعاد الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي والزعيم الليبي آنذاك معمر القذافي فتح الحدود المشتركة بين البلدين أمام حرية التنقّل والتجارة.

وخلال العقدين التاليين، أضحت ليبيا شريكاً تجارياً رئيساً لتونس. كانت التجارة الرسمية أساساً من حصة الشركات التونسية العاملة في الصناعات الغذائيّة والبناء. بيد أن التجارة غير الرسمية لعبت دوراً أكثر أهمية، تمثّل في خط تجاري شبه رسمي عُرف باسم “الخط”، كان يستخدم معبراً حدودياً رسمياً للمبادلات التي كانت هي نفسها تُبرم بشكل غير رسمي، هذا علاوةً على مسارب تهريب أُطلق عليها في المنطقة اسم “الكونترا”، في إشارة إلى السلع المهرّبة.

كان الاقتصاد الحدودي التونسي في القبضة المُحكمة لأجهزة الأمن في البلاد، التي وفّرت الحماية السياسية للتجار المحظيين بصلات سياسية، والمُهربين، وتجار العملة.

وبالتالي، ارتبط السماح بالنشاط التجاري، سواء أكان شبه قانوني من خلال “الخط” أو ظاهرياً غير قانوني عبر “الكونترا”، بقبول التجار بالنظام غير الرسمي المتّسم بالعلاقات الزبائنية.

عبر “الخط”، كانت المنتجات الاستهلاكية، والأدوات المنزلية، والمواد الغذائية، تشق طريقها من ليبيا إلى تونس، أساساً من خلال معبر رأس جدير الحدودي. وغالباً ما كان مسؤولو الجمارك يخفّضون القيمة التقديرية للبضائع، ويتقاضون من التجار رسوماً أقل في مقابل رشى.

لا بل في بعض الأحيان كانت السلع لا تُسجّل على الإطلاق، مايعني أن قيمتها لم تُقدّر قط، وأن المبلغ الوحيد الذي دُفع كان رشوة من المسافر لمسؤولي الحدود.

وقد أسفر تدفّق السلع المستوردة من الصين وبلدان شرق آسيوية أخرى في العقد الأول من هذا القرن ومعه تحوّل ليبيا إلى مركز ترانزيت إقليمي غداة رفع العقوبات الدولية عنها في العام 2003، إلى ازدهار هذه التجارة الموازية.

في المقابل، جرى استخدام طرق “الكونترا” من جانب الشبكات التي سعت إلى تحاشي معبر رأس جدير. وشملت البضائع المنقولة عبر الحدود بهذه الطريقة التبغ، والذهب، والعملة الصعبة، وكميات كبيرة من السلع الاستهلاكية، والبنزين المدعوم من ليبيا إلى تونس، وكذلك الكحول والمنتجات الصيدلانية من تونس إلى ليبيا.

كانت “الكونترا” مدرّة للأرباح لكنها أخطر من “الخط”. وفي سبيل تجنّب التعرّض إلى مشاكل مع حرس الحدود، تعيّن على المهربين نسج علاقات مكينة مع مستويات أعلى في أجهزة الأمن.

وهذا كان مُكلفاً ويستهلك وقتاً طويلاً بسبب حجم الرشى فيه. لذا، كان التجار من ذوي القدرات المتواضعة يفضّلون “الخط”.

مكّن كلٌّ من الخط والكونترا تونس من الحفاظ على نموذج التنمية المتمحور حول الساحل، لأن كلا هاتين القناتين سمحتا، اعتماداً على غضّ الطرف من قبل السلطة، بتهدئة روع السكان المحليين المحرومين أصلاً.

بكلمات أوضح، بدلاً من إطلاق برامج التنمية في المناطق الحدودية الشرقية، وقع خيار نظام بن علي على السماح بالتهريب والتجارة غير الرسمية عبر الحدود، في مقابل رضوخ وإذعان السكان.

وهكذا، ومن منظور اجتماعي واقتصادي، تحوّل التهريب إلى نعمة لفئة مُنتقاة من الشبان العاطلين عن العمل أو العاملين جزئياً، سواء أكانوا من المُتسربين من المدرسة الثانوية، أو خرّيجي الجامعات، أو موظفي القطاع العام الذين استفادوا بدورهم من المناطق الحدودية. لم يكن يُطلب من مهرّبي الكونترا سوى الابتعاد عن المخدرات والأسلحة.

حصد هذا الترتيب المزدوج النجاح. فبوصفها مصدراً للدخل لعدد لا يحصى من السكان في المناطق المحرومة في جنوب غرب تونس، أدّت التجارة عبر الحدود من خلال كلا القناتين إلى نوع من النمو لم تستطع الدولة توفيره بنفسها، من دون برامج استثمارات عامة ضخمة لم تكن أصلاً خياراً لنظام حريص على عدم تضخّم ديونه وعجوزات الموازنة فيه.

لقد تمكّنت مختلف الشبكات التي تستخدم الخط والكونترا من الإرتباط بسلاسل الإمداد والتوزيع في طول تونس وعرضها، ونسجت روابط مع الأسواق الحديثة والتقليدية في كل ولاية من ولايات البلاد.

ولذا، لم يعد ثمة مناص من أن يصبح الاقتصاد غير الرسمي (بما في ذلك الكونترا) جزءاً من الاقتصاد الرسمي التونسي. كما أن الرشى ورسوم الحماية التي حصدتها أجهزة الأمن، وفّرت لها حافزاً لمواصلة ولائها للنظام، الذي كان بدوره يتلقى الرشاوى كجزء من هذه الترتيبات.

أدّت انتفاضتا 2011 في تونس وليبيا إلى عرقلة الاقتصاد الحدودي المشترك بين البلدين. لكن شبكات تهريب جديدة برزت على جانبي الحدود، خاصة في ليبيا، حيث عمدت القوات العسكرية الصاعدة المناوئة للقذافي إلى تجميد نشاط التجار المحليين والمهربين الذين لطالما أقاموا علاقات وثيقة مع النظام القديم.

وقد أسفر التنافس الشرس بين شبكات التهريب الجديدة عن تدنّي الأسعار، إلى درجة أن الأرباح في العام 2013، كانت زهيدة وطفيفة.

مع ذلك، تمسّك العديد من الأشخاص على كلا طرفي الحدود أكثر من أي وقت مضى بمواصلة التجارة، لأن معيشتهم ومعيشة الكثيرين في مجتمعهم المحلي تعتمدان على ذلك.

يتبع في الجزء الثاني (المناطق الحدودية الشرقية التونسية: لا نقص في الأخبار السيئة)

***

حمزة المؤدّب ـ باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

____________

مركز مالكوم كير ـ كارنيغي للشرق الأوسط