Minbar Libya

بقلم أسامة عكنان

إن كلَّ من حاول فهمَ “المشهد الليبي” بمعزل عن “المشهد السوري”، وجد نفسَه فاقدا للبوصلة في أهم مفاصل فهمه لذلك المشهد.

الجزء الأول

وكما أن كلَّ من حاول فهم المشهدين السوري والليبي بوصفهما مشهدين مِفْصَلِيَّين في الحالة العربية الراهنة، بمعزل عن استشراف السياسة الأميركية في المنطقة العربية بأكملها، ليركزَ فقط على المكونات “التركية” و”الروسية” و”الإيرانية”، في هذين المشهدين، بوصفها مكونات أساس حاكمة، ثم على المكونات “السعودية” و”الإماراتية” و”المصرية” و”الأوروبية” بوصفها مكونات فرعية تابعة لتلك المكونات الثلاث الأساس، وجد نفسه فاقدا لكل بوصلات فهمه لما يدور في هذه المنطقة.

نقول: كما أن كل من حاول فهم “المشهد الليبي” في ظل المعطيات المشار إليها سابقا، وجد نفسَه فاقدا لبوصلة فهم السيرورة السياسية لهذا المشهد، وإن كلَّ من حاول ويحاول فهمَ هذا المشهد بمعزل عن “السيرورة السياسية المغاربية”، متمثلة بالدرجة الأولى في السيرورتين التونسية والجزائرية، بسبب التماس المباشر لهاتين الدولتين مع الحالة الليبية، سوف يجد نفسَه حتما خارج نطاق كلِّ البوصلات الراسمة لخريطة المستقبل الليبي.

ولهذا السبب فإن من يتصور الحضور التونسي في الأزمة الليبية لجهة التأكيد على مركزية هذا الحضور، مجردَ حادثة عابرة أريدَ لهذه الأزمة أن تختَتِمَ محطاتِها بها، في الحوار “الليبي – الليبي”، هو بكل تأكيد فاقدٌ أيضا لبوصلة الوعي بسيرورة المشهد الليبي.

لأن الحضور التونسي لجهة حتمية أن يُكَلَّلَ الحسمُ، وأن يُتَّخَذَ القرارُ النهائي بين الليبيين في ضوء أهمية ومركزية هذا الحضور، مستمر منذ انتفاضة الليبيين في 17 فبراير من العام 2011، وليس وليدَ اللحظة الراهنة في الأزمة الليبية، وكان قد بُدِئَ بالتوجه نحو اعتبار هذا الحضور لافتا ومهما، منذ أول دعوة للحوار الليبي – الليبي في تونس في العام 2015.

مقدمة:

كانت البداية في اتفاق “الصخيرات” الذي تمَّ توقيعه في المغرب في 11 يوليو 2015، في محاولة من محور “مصر، السعودية، الإمارات” المناهض لكل انتفاضات ما عُرِف بالربيع العربي، والحريص على إجهاض كلِّ مخرجاتها الإيجابية على صعيد الحريات والديمقراطيات ومحاربة الفساد والاستبداد والحكم العسكري.. إلخ، تحت عنوان محاربة الشوفينية الدينية، والإرهاب، والأخوًنة.

نقول: كانت البداية هناك في الصخيرات المغربية، لبعث رسائل واضحة مفادها أن الأزمة الليبية وإن كانت ذات صلة من نوع ما بدول المغرب العربي الأخرى، إلا أن تونس والجزائر ليستا هما الطرف الأَوْلَى بأن تتقدم مصالحه في أيِّ حلٍّ لهذه الأزمة، على مصالح المحور “المصري، الإماراتي، السعودي”، ما جعل الذهاب بالليبيين بعد ظهور المُكَوِّن الجديد – حفتر وقواته وداعموه ومحركوه الذين تجسدوا في ذلك المحور – إلى المغرب، في تجاوز جليٍّ:

لتونس التي كانت تجسِّد حتى ذلك التاريخ النموذج الوحيد الذي استعصى على إعادة الإنتاج في قلب “الثورة المضادة” التي تولى كِبرَها ذلك المحور الثلاثي.

وللجزائر التي رغم أنها كانت حتى ذلك التاريخ أيضا خارج دائرة المرور بتجربة انتفاضات ما عرف بـ “الربيع العربي”، ما يفترض أن يُعطيها نقاطا متقدمة في حسابات محور “الثورة المضادة”، فإنها لم تحظَ منه لاعتبارات جيوسياسية إستراتيجية بأي اعتبار لأهمية ومركزية دورها في الأزمة الليبية.

لأن الجزائر تبق دائما وبسبب الإرث الثوري الكبير لها، دولة مرعبة لذلك المحور ولمخططاته، ما يجعل إهمالها وتجاوزها ضروريا، خشية أن ينقلب السحر على الساحر في حال مُنحًت أي دور فعال في حل الأزمة. بسبب ذلك تم الذهاب بالليبيين إلى المغرب، لأنها:

من جهة أولى تعتبر الحليف التاريخي التقليدي، لمحور الشر العربي: “مصر العسكرية بعد عبد الناصر، وآل سعود، وآل نهيان”، مضافا إليهم “النظام الأردني”، رغم دوره غير المركزي في يوميات الأزمة الليبية.

ومن جهة ثانية أقل الدول الثلاثة: “المغرب، الجزائر، تونس” تأثرا بتداعيات الأزمة الليبية، بسبب البعد الجغرافي، الذي يجعل منها دولة مغاربية، يمكن لإشراكها في أيِّ حل أن يذر الرمادَ في العيون، بفكرة إشراك المغاربيين في أزمة دولة مغاربية هي ليبيا من جهة، ويضمن عدم تأثيرها في حيثيات هذه الأزمة على نحو يناكف تطلعات “محور الشر العربي” ذاك من جهة أخرى.

في سياق اتفاق الصخيرات ودلالاته ودوافعه – يُجمعُ الكثير من المراقبين على أنه كان اتفاقا مهلهلا منذ البداية، لسببين هما:

الأول: قيامه على استثناء طرف مهم من الليبيين هو “المؤتمر الوطني العام” الذي رفض المشاركة في المؤتمر الذي نتج عنه التوقيع على ما عُرِف لاحقا باتفاقية “الصخيرات”، وذلك بسبب اعتراضه على عدة نقاط جوهرية فيها.

الثاني: إدراك الليبيين المعترضين عليه، فضلا عن التونسيين والجزائريين، على حدٍّ سواء، أن ما جرى في الصخيرات هو رسالة ليس الهدف منها التأسيس لأيِّ حلٍّ على وجه الحقيقة، بقدر ما هو صبُّ مسارِ الحلِّ عندما تنضج ظروفه في المستقبل، وبعد إعادة موضعة المشهد الليبي داخل إطار الإستراتيجيات التي يتطلع إليها المصريون والسعوديون والإماراتيون، في قنوات لا مكان فيها لا لتونس ولا للجزائر.

ذلك بسبب يقين محور الشر العربي، أنَّ تدخل هاتين الدولتين في أيِّ حلٍّ مرتقب للأزمة الليبية سيكون حتما وبلا أدنى شك على حساب تطلعات ذلك المحور، جراء تفرد النموذج التونسي لجهة استعصائه حتى ذلك الوقت على كلِّ مظاهر الثورة المضادة، وجراء خطورة منحِ أيِّ دور فاعل للجزائر بكل ثقلها الإقليمي والقومي والإفريقي.. إلخ.

لذلك، واعترافا من صانعي اتفاق الصخيرات، بأنه اتفاقٌ “صورة” وليس اتفاقا حقيقيا، وبأنه اتفاقٌ مهلهل أصلا، ولا ينطوي على مُقوِّماتِ قوةٍ ذاتية فيه، تتم الدعوة بعد الإعلان عن التوقيع عليه مباشرة، إلى مؤتمر “روما” للنظر في كيفية تطبيق هذا الاتفاق على أرض الواقع، واختيار رئيس الحكومة في ضوء مخرجاته، لتكون هذه الدعوة بمثابة اعتراف بأن هِناتٍ عميقةً تعتري اتفاق الصخيرات، الذي كشف هو ذاته عن أنه لا ينطوي على آليات تنفيذ مُخرجاته التي تَطَلَّبَ تنفيذُها مؤتمرا آخر دُعِيَ له الليبيون في روما.

ومع ذلك بقي الليبيون غير قادرين على حسم خلافاتهم، لا في إطارها النظري عبر اتفاقية “الصخيرات”، ولا في إطارها التطبيقي المُتَخَيَّل في مؤتمر “روما” المُزمَعِ عقدُه، والذي حاول الليبيون استباقه بالالتفات إلى تونس هذه المرة.

فقد جاء الالتفات إلى مبدأ مركزية “الحضور التونسي” في المشهد الليبي مُبكرا في الأزمة الليبية، عندما تم الإعلان لاحقا للدعوة إلى مؤتمر “روما” وقبل انعقاده، عن اتفاق “ليبي-ليبي” في تونس، والتأكيد على أنه اتفاق ليبي خالص دون تدخل أجنبي، في إشارة للتدخل من قبل الأمم المتحدة عن طريق مبعوثها “بيرناردينو”، الذي تمت الإشارة إلى تورطه في تنسيق مع الإمارات يضمن لها تدخلا في ليبيا، ومن بعده المبعوث الألماني “مارتن كوبلر” الذي لم يخرج عن نهج سلفه.

وجاء اتفاق تونس المبكر ذاك، والذي جسَّد حالة الرفض لاتفاق “الصخيرات” لجهة قفز هذا الأخير على دور كلٍّ من تونس والجزائر، في هذا الإطار الزماني، وفي هذا السياق القائم، ليكون بمثابة إشارة إلى خطوة جديدة في الأزمة الليبية، تعيد مسارها إلى وجهته الصحيحة، وهي الحاضنة المغاربية الحقيقية عبر الدولتين المركزيتين الأساس وهما “تونس” و”الجزائر”، على أمل أن تكون هذه الإشارة ذات تأثير على مستقبل الأزمة الليبية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أسرع موقعو الاتفاق إلى إعلانهم في يوم الجمعة 11 ديسمبر عن توقيع اتفاق نهائي يوم 16 ديسمبر 2015 في محاولة استباق مؤتمر روما الذي كان محدداً له موعد مسبق يوم الأحد 13 ديسمبر.

السياق التاريخي للتوافق الليبي الليبي:

تم توقيع اتفاق مبدئي بين أعضاء من طرفي المشهد الليبي، المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب المنحل بطبرق يوم الأحد 6 ديسمبر 2015 في تونس كمقدمة للتوقيع النهائي على وثيقة إعلان مبادئ لاتفاق وطني لحل الأزمة الليبية. ويشمل الاتفاق ثلاثة مبادئ هامة تم إقرارها هي:

المبدأ الأول: تشكيل لجنة من 10 أعضاء مناصفة بين المؤتمر والبرلمان لاختيار رئيس الحكومة ونائبيه، بحيث يكون أحدهما من المؤتمر الوطني، والآخر من مجلس النواب، وهؤلاء العشرة يكون من حقهم اختيار بقية أعضاء الحكومة خلال أسبوعين.

المبدأ الثاني: العمل بالدستور الليبي السابق للعام 1951 “وهو دستور العهد الملكي”، مع اختيار لجنة مشتركة مكونة من 10 أعضاء، 5 من كل طرف، لإدخال التعديلات اللازمة عليه بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية.

المبدأ الثالث: إجراء انتخابات تشريعية خلال عامين.

على أن يتم تبني هذه المبادئ بعد الموافقة عليها من قبل المجلسين القائمين: المؤتمر الوطني، ومجلس النواب.

وقد جاءت هذه المبادئ كمحاولة لحل عقدة الفراغ في الشرعية الدستورية في الأزمة الليبية، عن طريق العودة للدستور القديم لملء هذا الفراغ، بجانب إيجاد حكومة لإدارة المشهد الليبي الذي كان عليه حاله في تلك الفترة، أي قبل أكثر من خمس سنوات.

وإن الغرض الحقيقي من هذه المبادرة الليبية والسعي لإبرام مثل هذا الاتفاق في تونس متمثلا في التالي:

أولا: محاولة إيجاد تواصل مباشر بين طرفي الأزمة الليبية في الداخل دون وسيط خارجي كان متمثلا آنذاك في المبعوث الأممي لليبيا.

ثانيا: خطوة استباقية ورد فعل للقوي الليبية بعد اتضاح أمر التدخل الإماراتي الداعم للتدخل المصري وبشكل سافر، وهو التدخل الذي كان يعمل على توجبه الوساطة الأممية جاعلا إياها ترفض اجتماع الطرفين الليبيين بشكل مباشر لأسباب روِّجَ لكونها تتعلق بعدم إمكانية مثل هذا الاجتماع في ذلك الوقت.

فما كان من الأطراف الليبية إلا أن سعت بشكل استراتيجي لإيجاد بديل سريع لاتفاق الصخيرات بغرض التشويش عليه وافقاده جانبا من قبوله قبل مؤتمر روما المزمع الأحد 13 ديسمبر 2015.

ثالثا: التأكيد على أن أيَّ حلٍّ للأزمة الليبية، لا يمكنه أن يقوم على تدخل كلٍّ من السعودية ومصر والإمارات، بل وإيطاليا وفرنسا أيضا، في الوقت الذي يحيِّد تونس والجزائر، الأَوْلَى بأن تتدخلا إذا كان لابد من التدخل، فكيف إذا كان الأمر مجرد إتاحة الفرصة لهما لتشتركا في صياغة مستقبل المشهد الليبي باعتبارهما الأكثر تماسا وتأثرا وتأثيرا فيه من جميع النواحي، إذا ما قيست هذه الأمور بنظيرتها لدى تلك الدول المتدخلة بسفور، في الأزمة.

إلا أن هذه الخطوة الاستباقية لم تُكَلَّل بالنجاح، فانعقد مؤتمر روما في التاريخ المقرر له وهو 13 ديسمبر من العام 2015، وشارك فيه العديد من الأطراف الدولية والإقليمية.

ولم يُفضِ المؤتمر إلى شيء جديد سوى التأكيد على ضرورة الاتفاق بين الأطراف وإنهاء الأزمة الليبية، وتثبيت مرجعية اتفاق “الصخيرات”، بعد أن رفضت كل الأطراف المسنودة من محور الشر العربي هذا الاتفاق، مُعَلِّلَة ذلك بأسباب واهيةـ تقف خلفها حقيقة أن دول ذلك المحور ترى فيه هدما لمشروع الثورة المضادة الذي اضطلعت به، وحملت على كاهلها لواء تحقيقه.

ولم يدعم هذا الاتفاق إلا التونسيون، والجزائريون بدبلوماسيتهم المعهودة، ورغم أن تعليق الجزائر الرسمي تجاه هذا الاتفاق جاء رزينا ومبهما، حيث جاء في نص تصريح وزير الخارجية الجزائري: أن موقف الجزائر من النزاع الليبي دائم وثابت، وأنه يستند للمبادئ الأساسية المتعلقة باحترام سيادة هذا البلد وسلامته الترابية ووحدته وتماسك شعبه.

إلا أن جميع المراقبين آنذاك كانوا يدركون جيدا ما أشارت إليه بعض المصادر المطلعة والموثوقة لجهة أن سفارة الجزائر في تونس كانت على علم دقيق بأدق تفاصيل الاتفاق، وهو ما يعني أن الجزائر كانت قادرة على ضمان ألا يخرج هذا الاتفاق عما يضمن مصالحَها هي أيضا، من خلال متابعته ومراقبته في تونس.

هذا بطبيعة الحال فضلا عن أن تونس ما كانت لترعى اتفاقا من هذا النوع، وبهذه الحساسية، وعلى هذا القدر من الخروج عن إرادة محور الشر العربي، والإرادة الأوروبية المسنودة فرنسيا وإيطاليا، دون مباركة جزائرية.

يتبع في الجزء الثاني

***

أسامة عكنان (باحث أردني)

_____________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.