Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

بين إعادة سيناريو 4 أبريل2019 عندما وقع في الفخ وأمر قواته بمهاجمة العاصمة طرابلس واضعا “اتفاق ابوظبي2” وراء ظهره كخيار أول، وبين مُسلّم بنصيحة حليف دولي سابق له بترتيب بقية حياته في العاصمة الأردنية أو في فنزريلا أو العودة الى مقر اقامته السابقة في فرجينيا الامريكية كخيار ثان.

وبين المغادرة الناعمة والهادئة والضامنة لبقاء جزء من حاشيته الحالية كخيار ثالث، هي عمليا الخيارات الممكنة للعسكري المتقاعد والمُثير للجدل “خليفة بلقاسم حفتر” وسط تسارع الأحداث والترتيبات لهندسة المرحلة الانتقالية الأخيرة في ليبيا وفقا لما خطّطته وخاطته وخطّته المبعوثة الأممية بالنيابة “ستيفاني وليامز” منذ يوليو 2018، فما هي خطوات “حفتر” المُنتظرة وما هو رأي حُلفائه المحليين والإقليميين والدوليين؟

هكذا انتهى حُلم “حفتر” بأن يكون “القذافي الثاني” أو “سيسي ليبيا”؟

تساءل بعض المتابعين للتطورات في ليبيا عشية هجوم قواته على العاصمة طرابلس منذ سنة ونصف، هل أن الاماراتيين والمصريين صادقين في دعمه؟

ومرد التساؤل يومها هو كيف تُقدم أطراف بذلك الحضور العسكري والمالي والدعم الدولي ووظيفيتها المعروفة على دفع عسكري مثل “حفتر” في ليبيا بالذات بدون إيجاد مشروع وبديل سياسي له ليحكم، وهو أمر غاب عن البعض من المتابعين والمراقبين لأنّ هُناك تصوّر جاهز في الاذهان، أنه يُمكن فعليا إعادة انتاج “القذافي2″(حلم راود فعليا بعض أنصار القذافي”)، في حين اعتقد بعض مقربين من حفتر أنه سيكون “سيسي ليبيا”.

ونسي الفريقان طبيعة التطورات وأن الزمن غيرُ الزمن وأن طبيعة التاريخ والجغرافيا في ليبيا لا يمكن أن تسمح لمثل “حفتر” بالسيطرة الميدانية على المنطقة الغربية، وأنه حتى لو تمكّن ورجاله من دخول طرابلس فإنه لم ولن يستطيع أن يُسيطر عليها لسببين رئيسيين:

أولا: أنه سيكون ضحية عبر تصفيته من قبل حلفائه أي أنصار القذافي والذين طالما اعتبروه مُجرد مرحلة وقنطرة للعبور للعودة للحكم (وهو حلم لم ولن يتخلى عنه بعضهم خلال قادم الأشهر والسنوات).

ثانيا: أن سُكان ومقاتلي المدن المحيطة بطرابلس سيخوضون ضده حربا طويلة الأمد ولا هوادة فيها وهي ستنتهي حتما باستنزاف قواته.

وبناء على هذين السببين نعتقد أن الإدارة الامريكية قرّرت على ضوئهما تغيير تكتيكها واستراتيجيتها في ليبيا منذ نهاية يونيو 2019 وخاصة بعد أن استعادت قوات الوفاق منه مدينة غريان الاستراتيجية رغم مكالمة “بوتون/ترامب” معه يوم 15 أبريل 2019 ثم ترتيب استقباله من طرف “ترامب” ومساعديه لو استطاع الحسم ميدانيا قبل 18 يونيو2019 بعد أن أعطيت له فرص سابقة في 6 أبريل و21 ابريل و20 مايو2019.

والثابت أن تقارير قُدمت لـ”ترامب” حول سيناريوهات مصير “حفتر” وترتيبات الأوضاع في تلك الحالة (مقالات أهم المُحررين الأمريكيين في صحيفة “الواشنطن بوست”)، إضافة الى أن الضوء الأخضر الذي اعطي للسراج مساء 26 نوفمبر2019 لإمضاء الاتفاقيتين مع الاتراك من الغد (أي 27 نوفمر 2019) بناء على نتائج وكواليس القمة التركية/الأمريكية يوم 15 نوفمب2019 والتي تزامنت مع وجود وزيري خارجية وداخلية الوفاق (“باشاغا” و “سيالة”) في واشنطن.

ومن يومها يمكن القول ان حكم “حفتر” لليبيا قد أصبح في ذمة غير الممكن بل المُستحيل وخاصة بعد خساراته المُتعدّدة في الغرب الليبي بدا من “الوطية” وصولا لمحاور جنوب العاصمة ثم مضاف لكل ذلك هروب قواته المذل من ترهونة، وهي معطيات تُبيّن أنه لم ولن يكون حاكما لليبيا وأن ذلك أصبح حقيقة موضوعية لا مناص منها.

ورغم ذلك يبقى السؤال هل أن ذلك نهائي ولا رجعة فيه خاصة وان البعض يراهن أن “حفتر” قد يلعب او تلعب له تطورات مفاجئة ومتغيرات عدة أو حتى قُوى خفية وقوية في عالمنا المعاصر فيكون في الأخير “مُعاوية” العصر في ليبيا بما يعني أنه خسر كثيرا ليجد نفسه رابحا في الأخير، ربما وعلى كل فلننتظر؟

حفتر والخيارات الثلاث الممكنة مستقبلا

سألني فاعل سياسي تُونسي في مارس 2019 بعد اتفاق “ابوظبي2” هل هناك حلّ في ليبيا أم أن الفوضى والحرب سيستمران؟

وبناء على أهمية السؤال والطابع شبه الرسمي للسؤال او بالأحرى الاستشارة، قُلت يومها لسائلي بوضوح “في ليبيا المُشكلة تتلخص أنه ليس هناك حل مع حفتر وليس هناك حل بدون حفتر”، ورغم تقبل سائلي أولي للإجابة فقد همَّ أن يسال سؤال إضافي واستيضاحي ولكنه في الأخير اكتفى بتلك الإجابة، والغريب أنّه إضافة الى ذلك وإثر ندوة شاركت فيها تلك الأيام وبناء على ما قُلت بشان الموقف الروسي وأهمية ما قلت وما نقلته القنوات التلفزية وبعض اليوميات العربية، وصلتني ارسالية من صديق يؤكد لي فيها “تأكد أن الرُّوس يلاعبون بحفتر، ولكنّه ليس حتما لاعبُهم”.

وأضاف الصديق ان ذلك موقف روسي شُبه رسمي ولكنه غير مُعلن وأن ما أقوله لك ليس تحليلا، ورغم عدم قبولي ذلك في تلك الفترة إلا أنّني رفضت نقاش الأمر ولكنني تأكدت من صحته ووقفت عليه يوم انصاع حفتر لطلب اماراتي بعدم امضاء وقف اطلاق النار في “موسكو” بتاريخ 12-01-2020 بعد أن كان قد وعد الروس بذلك وقدم الى هناك من أجل ذلك.

ومرد الاستشهادين السابقين وذكر هما هو تأكيد وظيفية “حفتر” لبعض الأطراف الإقليمية والدولية وتأكيد على تشابك علاقاته وموضوعه وشخصيته وكأنه قد رُبّي وأُعدّ فكريا ونفسيا وثقافيا وتكوينيا من أجل ما يجري من أحداث هو في الحقيقة سببها وجزء منها.

ويُمكن القول من خلال الأحداث الأخيرة (لقاءات “الغردقة” و”بوزنيقة” -نقاشات “جنيف” و”غدامس” التي جرت الأيام الماضية وطبيعة التصريحات التالية لها)، فإنّه يُمكن الجزم أن “حفتر” أمام خيارات ثلاث:

خيار اول: ترك ليبيا خلال الأسابيع القادمة وترتيب وضعه خارجها ليقضي أيامه وسنواته الأخيرة سواء في “فنزويلا” أو في العاصمة الأردنية أو أن يعود من حيث أتى سنة 2011 أي العودة لأحياء “فرجينيا” الامريكية (صعب واقعيا نتاج قضايا رفعت ضده هناك…)

خيار ثان: القُبول الذي لا مفر منه بنتائج المحادثات السياسية في تونس وما تم ترتيبه في حوارات سابقة في “المغرب” و”سويسرا” و”مالطا” و”ألمانيا”، ولكنه سيعمد بالترتيب مع المصريين والامارتيين وبقية حلفائه الى تمرير مُرشحيه عبر ضغط أولئك الحلفاء وذلك عبر تسمية سياسيين وعسكريين وأمنيين يدينُون له بالولاء أو هم مُضطرين للتعامل معه بناء على ترتيبات ناعمة وهادئة، مما يعني في الأخير عدم المسّ بعائلته والمقربين منه (أصهار – مستشارين)، بل وقد تحدث المفاجأة وتتم ممارسة ضغوط ويتم منحه منصب بروتوكولي.

خيار ثالث: وهو خيار يقوم على فكرة أن يعمد الجنرال المتقاعد مُجددا الى خلط الأوراق سواء بالتنسيق مع حلفائه الاقليميين والدوليين أو حتى بدون ذلك وتكرار سيناريو 4 أبريل2019 وسيكون ذلك من حيث تفاصيله وفقا للتطورات السياسية في الإقليم.

خيار رابع: ومن الوارد أيضا ان يذهب “حفتر” لمصيره بنفسه عبر مغامرة غير محسوبة العواقب وسيعتقد أنه يبحث عن إنتصار لنفسه بناء على تركيبته الشخصية والنفسية والسياسية أو حتّى دفعا من بعض حُلفائه للعب على بعض هوامش أو توظيفا لبعض التطوّرات أو بحثا عن التخلّص منه بغض النظر عن الطرق و الآليات التي ستُعتمد لتحقيق ذلك وعندئذ قد يكون قرنق2 أو دستم2 أو حتى عيديد2.

مُربعات “حفتر” في السيناريوهات المُمكنة لتطوّرات إثناء وبعد ملتقى “تونس”

ممّا لا شك فيه أن هُناك تعمّد واضح وحتى إشعار آخر في عدم توضيح مستقبل العسكري المثير للجدل في ليبيا، ولذلك يُمكن القول أن موقعه في السيناريوهات الأربع الممكنة سيتحدّد وفقا لتطورات الاحداث في ليبيا خلال قادم الأيام وما يمكن أن يؤول اليه الوضع اثر ملتقى الحوار الليبي في تونس، هي كالتالي:

السيناريو الأول:

وهو يرتكزُ على نجاح “الملتقى” كُليا والتوصل الى إعادة هيكلة السلطة التنفيذية ووضع آليات وضمانات لإنهاء المرحلة الانتقالية وتحديدها زمنيا (سنة – 18 شهرا)، وفي هذه الحالة ليس امام “حفتر” سوى الخيارين الاولين المذكورين أعلاه

السيناريو الثاني:

وهو نجاح جُزئي للمُلتقى دون التوصّل إلى نتائج كاملة للضمانات والآليات، وهو سيناريو أطلق عليه البعض سيناريو “التطعيم” بما يعني نسبيا تكرار سيناريو أكتوبر 2018 أي بقاء السراج رئيسا للرئاسي وتعيين رئيس حكومة من خارج الرئاسي (واقعيا من الشرق الليبي ونائبا له من الجنوب)، وفي هذه الحالة سيعمد “حفتر” للإرباك ومحاولة العودة من بعيد عسكريا والبحث عن خلط الأوراق من جديد أي نفس مُربعات ما بعد الصخيرات (وضع شبيه بأوضاع عاشتها ليبيا بين سنتي 2016 و2018).

السيناريو الثالث:

وهو سيناريو قائم على دفع أطراف عدة للانتداب الدولي المباشر – لا قدر الله – أو نقيضه تماما من حيث الشكل ونعني به انسحاب القوى الدولية لفترة مؤقتة وتكرر وتنامي مطالب التدخل الدولي المباشر وكل ذلك ينبني على وضعية فشل مًلتقى تونس نهائيا.

وفي هذه الحالة سيلعب “حفتر” دور المُغذّي للأزمة لإبراز نفسه كحل مستقبلي رغم أن وضعه الصحّي (اشتداد مرض البروستات عليه – تعدد وتعقّد أمراض القلب لديه – إمكانيات حدوث جلطات دماغية قوية له)، قد تُربك اختياراته مع المتغيّرات والتطوّرات المُرتقبة في المنطقة وفي العالم.

السيناريو الرابع:

وهو سيناريو سيقوم على عدم عقد المًلتقى في تونس أو فشله الكبير في التوصل الى أي تفاهمات أو صنع ارباك كبير داخله بين أعضاء لجنة الحوار، ولينفضّ الجمع على صوت البنادق والمعارك في كُلّ الاتّجاهات بغض النظر عن الجهة التي ستتسبب في قدح الأمور، وهي وضعية تجيب على أسئلة مطروحة بشأن طبيعة التحشيدات وخاصة إقامة حوالي 30 خط دفاع في الجفرة وكلها مُعطيات تؤكدها تصريحات وتخوفات هنا وهناك.

وقد توضح فعليا ماذا يجري في “الجفرة” و”سرت” وبعض مناطق الجنوب وفي قاعدتي “تمانهنت” و”القرضابية” وفي أماكن أخرى أيضا…

الخلاصة

“خليفة حفتر” ليس مجرد شخص بل هو مشروع محلي تنزله أطراف إقليمية ودولية وهو ليس سوى قاطرة مثله مثل العديد من وكلاء الصراع في ليبيا لصالح أذرع إقليمية خادمة لشركات عالمية ومحافل دولية وقوى خفية المنزع والتنزيل.

وهو شريك في الظاهر لقوى دولية بينما هو وظيفي لها باعتباره حاجة مرحلية ومخلب يمكن لعب ورقات عدة به وهو ما يعني أن مصيره ليس بيده بل بيد غيره حتى لو اعتقد أو توهم ذلك.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

__________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية