Minbar Libya

أصبح المداخلة قوة ضاربة في العالم العربي، يلعبون دوراً في تحديد مصير بلد مهم كليبيا، وأداة بيد الأنظمة في مواجهة الديمقراطية وثورات الربيع العربي.

فما هي قصة المداخلة، كيف نشأوا، ولماذا تبدو أفكارهم متناقضة مع ثوابت الفكر الإسلامي؟

الجزء الأول

“المداخلة” لقب يُطلَق على عدد كبير من المشايخ والتلاميذ السلفيين في العالم العربي، بسبب بعض مواقفهم وأهمها رفضهم للثورات واعتبارها حراماً شرعاً ويأتي لقب ” المداخلة ” أو المدخلية” نسبة إلى الداعية السلفي السعودي ربيع بن هادي محمد عمير المدخلي
ويسمّون أحياناً بـ”الجامية”، خاصة في السعودية، نسبة إلى الإثيوبي محمد بن أمان الجامي، وفي مصر يسمون القوصيين نسبة إلى أبرز رموزهم أسامة القوصي، ولكنهم يرفضون تسمية أنفسهم بهذه المسميات، لأنهم يرفضون الجماعات باعتبارها شكلاً من أشكال الخروج عن الدولة، ولكنهم يحبون تسمية أنفسهم«سلفية أهل المدينة».

اعتبروا من انتقد استدعاء السعودية للقوات الأجنبية من الخوارج

ظهر تيار “المدخلية” في المملكة العربية السعودية إبان حرب الخليج الثانية 1991 كتيار مضاد للتيارات المعارضة لدخول القوات الأجنبية للجزيرة العربية- كالإخوان والسرورية- بعد غزو العراق للكويت.

فقد برز اسم الشيخ ربيع المدخلي عام 1991 عندما اتخذ هو وأستاذه محمد بن أمان الجامي (1930-1995) موقفاً من حرب الخليج الثانية، مخالفاً للموقفين اللذين اشتهرا في تلك الفترة.

كان الموقف الأول هو موقف علماء رفضوا الاستعانة بقوات أجنبية لتحرير الكويت (ما سُمّي بالاستعانة بـ”الكفار”).

الموقف الثاني الذي اتخذه علماء المملكة العربية السعودية الذين وافقوا على الاستعانة بـ”الكفار” (الأمريكيين) دون أن يجرّموا رافضي الأمر.

أما الجامي والمدخلي فكانا صاحبي الموقف الثالث، وذهب مُنظِّرو هذا الموقف لأبعد مما ذهبت إليه مؤسسات الدولة الرسمية مثل “هيئة كبار العلماء السعوديين” التي أفتت بجواز دخول القوات الأجنبية على أساس أن فيه مصلحة، إلا أنهم لم يجرِّموا مَن حرَّم دخولها، أو أنكر ذلك.

فجاء “المدخلية” واعتزلوا كلا الطرفين، وأنشأوا فكرا خليطاً يقوم على القول بمشروعية دخول القوات الأجنبية، ومعاداة من يحرِّم دخولها أو ينكر على الدولة ذلك. بل اعتبروا الرافضين للاستعانة بـ”الكفار” (الأمريكيين) خارجين عن ولاة الأمور، ومن هنا تحديداً اتضحت الفكرة الأولى والأهم التي بنى عليها الشيخ ربيع المدخلي منهجه؛ ألا وهي طاعة ولاة الأمور والحكام في أي قرار مهما كان.

يقوم المنهج المدخلي على رفض الطائفية والفرقة والتحزب، ومن ثَم كان من الأولى رفضه إطلاق مسمى على نفسه، لاسيما إذا كان يرجع إلى شخص مهما كانت مكانته، وازدهر تيار المداخلة في السعودية بفضل السلطة؛ في محاولة لكبح جماح تيار الصحوة الذي تغلغل وسط الساحتين الدينية والثقافية.

واتبعت معه العديد من أساليب المواجهة ما بين اعتقال رموزه، والاستعانة بتيارات مناهضة للمنهج الذي قام عليه الفكر الصحوي، وتضييقات تتمثل في الاستدعاء والتحقيق على يدي أحد أفراد العائلة المالكة، كما حدث مع الشيخ سفر الحوالي وسلمان العودة وعائض القرني وغيرهم.

ثم لم يجد النظام بُدّاً من البحث عن حلٍّ جذري لهذا التيار المتنامي والمتغلغل في أوساط المجتمع السعودي ويزداد تأثيره يوماً بعد يوم، فكان لا بد من التصدي لتيار الصحوة ذي الصبغة الدينية، بتيار آخر ذي مرجعية دينية، وحضور علمي شرعي.

فقد أحدث موقف تيار الصحوة من فتاوى استقدام القوات الأجنبية إثر الغزو العراقي للكويت تصدّعاً عميقاً شهده التيار الإسلامي، وخاصة بعد فقد المتدينين الثقة بعلماء المؤسسة الرسمية إثر تأييدها لقرار الحكومة استقدام الجنود الأجانب إلى بلاد الحرمين، وهو ما أعاد إلى الذاكرة الإسلامية استعانة الملوك والأمراء بالصليبيين والتتار للتخلص من بعضهم البعض، خاصةً أن القوات الأمريكية لم تنسحب بعد هزيمة الجيش العراقي وخروجه من الكويت.

وفي ظل هذا المأزق الذي وضعت الحكومة السعودية نفسها فيه، ظهرت بوادر انفراجة للسلطة.

ففي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث كان يدرس محمد أمان الجامي، ويقيم عددٌ من طلاب العلم الشرعي يطلبون العلم ويعلِّمونه، ويشتهرون بفتواهم التي تُحرِّم الخروج على الحاكم مهما فعل، أُصدرت الفتاوى بأن الجنود الأمريكان مستأمَنون شرعاً، ويُحرَّم أي اعتداء عليهم ووصفه بأنه اعتداء على ذمة المسلمين، كذلك تصدَّر ربيع المدخلي للردّ على رَفْض الاستعانة بالقوات الأجنبية بكتاب أطلق عليه “صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين”.

وهنا وجدت الحكومة السعودية ضالتها في تيار جديد يتهيّأ للظهور وينتسب روَّاده إلى السلفية، مُكتسبين وصف “سلفية المدينة”. وكان لهذه النشأة أثرٌ في تباين فتاوى العلماء في حق هذا التيار ورموزه. فقُدِّمت العطايا ووضعت الموارد تحت تصرف هذا التيار، وأُطلقت يده في التصدي لتيار الصحوة وسطوته على المجتمع.

وبالفعل لعب الجاميُّون أو المدخليُّون دوراً كبيراً في إضعاف الصحوة بالسعودية، بعدما فشل أسلوب القمع من قبل الحكومة السعودية.

المدخليُّون في مصر

أبرز رموز هذا التيار السلفي في مصر محمود لطفي عامر وأسامة القوصي ومحمد سعيد رسلان وطلعت زهران وأبوبكر ماهر بن عطية وجمال عبدالرحمن وعلي حشيش وعبدالعظيم بدوي.

وأسامة القوصي الذي يُنسب إليه هذا التيار في مصر أحياناً، بدأ حياته صوفياً وانضم بعدها إلى جماعة تكفيرية وهو بكلية الطب في مطلع السبعينيات، إلى أن هاجر إلى اليمن للجهاد، حيث التقى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الذي قلب أفكار الرجل من النقيض إلى النقيض ومحا من عقله الفكري التكفيري.

الخلاف مع التيارات السلفية الأخرى على درجة تأييد الحاكم

لم يختلف المدخلية عن غيرهم من التيارات السلفية غير الجهادية الأخرى في اعتقادهم بعدم الخروج على الحاكم المسلم وإن كان فاسقاً؛ ولا يختلفون عن غيرهم أيضاً في أنهم اعتبروا أن الخروج على الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) كان سبب الفتنة التي وقعت بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأن الخروج على ولاة الأمور هو سبب الفرقة والضعف والخوار الذي أصاب الدولة الإسلامية.

إلا أن المدخلية- خلافاً لكثير من التيارات السلفية- تعتبر أنه لا يجوز معارضة الحاكم مطلقاً، ولا حتى إبداء النصيحة له علناً، وتعتبر ذلك أصلاً من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ ومخالفة هذا الأصل تعتبر خروجاً على الحاكم المسلم.

ويتميز المدخلية عن غيرهم من السلفيين بأنهم يدعون إلى الولاء والسمع والطاعة للحاكم مطلقاً، وإن خالف الحق (وإن جلد ظهرك)؛ بل يرفضون نصح الحاكم في العلن، وكان القوصي يقول في محاضراته:

إمامٌ غشومٌ خير من فتنة تدوم“، و”إمام ظالم وجائر يضرب ظهور الناس ويأخذ أموالهم خير من فتنة تدوم“، ويدعو الناس إلى محاربة المظاهرات والاضطرابات والقلاقل والانقلابات، لأن أهل البدع لا يعيشون إلا بإثارة الفتنة، وأهل السلف يدعون إلى الأمن والأمان.

يعترفون باتفاقيات السلام مع إسرائيل، وأيدوا توريث مبارك الحكم لنجله جمال

المدخلية تعتبر أن الاعتراف بالحاكم والولاء له وحده لا يكفيان إذا لم يتم الاعتراف بمؤسسات الدولة الأخرى، كمنصب المفتي مثلاً أو بمؤسسة الأزهر، كما أنه ليس لأحد أن يخرج عن فتوى علماء البلاد الرسميين، فإذا حلل هؤلاء العلماء فوائد البنوك فإنه على الرعية المسلمة في هذا البلد الإذعان لتلك الفتوى وعدم مخالفتها، ومن يخالف ذلك فإنه على طريق “الخوارج”، إذ يرى المداخلة أن عدم الاعتراف بمؤسسات الدولة الدينية هو منازعة الأمر أهله.

ويعترف المداخلة بمشروعية الدولة الإسلامية الحديثة، وتدعمها وتناصرها حتى في مواجهة الدول الإسلامية الأخرى، فيهاجم المداخلة حزب الله و”حماس” بدعوى أنهما يعتديان حتى على السيادة المصرية، وهو المفهوم البعيد تماماً عن كل الحركات والتيارات الإسلامية عموماً التي تعتبر أرض الإسلام كلها أرضاً واحدة.

ويرون أن هذا التأييد للدولة منهج عقيدي يتفق مع الأصول العقيدية والمنهجية لأهل السنة والجماعة، وفي هذا الإطار أطلق أحد مشايخ المداخلة لقب “أمير المؤمنين” على رئيس الدولة، وأجاز التوريث، وجواز تصدير الغاز لإسرائيل وبناء الجدار العازل.

حسني مبارك أمير المؤمنين!

وقد وصل الأمر إلى أنه قيل إن أحد السلفيين المداخلة المعروفين يدعى محمود عامر، رفع لافتة في عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، يقول فيها: “نبايع أمير المؤمنين حسني مبارك”، وقيل إن أمن الدولة رأى في هذا مبالغة وطلب منه إزالتها.

ويشير محمد حامد عبدالوهاب في كتابه (السلفيون في مصر: دراسة تحليلية عن المدارس السلفية في مصر من بعد دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله إلى قيام ثورة 25 يناير) إلى أن مُنظر هذه المدرس أسامة القوصي لا يؤصل لدعوته شرعياً ولكن عقلياً فقط، لأن العقل له منزلة مقدمة في الإسلام، فيتساءل: ماذا يستفيد الناس من مهاجمة الحكام والسلاطين؟، أصلِح نفسك أولاً وبيتك؟

ويتفق الباحث صلاح الدين حسن مع هذا الرأي، إذ يقول إن المداخلة وإن كانوا سلفيين يقدمون النص على العقل، فإن الراصد الداخلي للخطاب المدخلي سيجد أن العقل يطغى في هذا الخطاب على النص، وأن البراغماتية السياسية جزء مهم ومفتاحي لفهم العقلية المدخلية، وضمن ذلك قضية الجهاد، وذهب المدخلية إلى حث “حماس” على قبول الصلح مع إسرائيل كما فعل السادات واستشهدوا بصلح الحديبية.

فأسامة القوصي يؤيد بشدةٍ اتفاقية السلام مع إسرائيل، كما أن فلسفة درء الفتنة تحتل الجزء الأهم في وعي المداخلة وهي وفَّرت لهم الذريعة الفكرية لتأييد التوريث لجمال مبارك.

ووصل الأمر في تأييد مواقف السلطة إلى أن أحد رموز المدخلية وهو محمود لطفي عامر، هاجم الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية واليهودية والدنماركية، واتهم الداعين إليها بالغوغائية وإثارة العواطف دون الرجوع إلى الشريعة، ويستثني من ذلك إذا رأى ولاة الأمر أن مصلحة المسلمين في مقاطعة سلعة معينة.

يتبع في الجزء الثاني (لماذا يرفضون تأسيس جماعات؟)

______________