Minbar Libya

بقلم أسامة عكنان

إن كلَّ من حاول فهمَ “المشهد الليبي” بمعزل عن “المشهد السوري”، وجد نفسَه فاقدا للبوصلة في أهم مفاصل فهمه لذلك المشهد.

الجزء الثاني

ردود الأفعال الدولية للمؤتمر الليبي ـ الليبي الأول في تونس

أما ردود فعل الأطراف الدولية الرئيسة على الدعوة إلى مؤتمر لرعاية اتفاق ليبي – ليبي في تونس، وهي تحديدا آنذاك، كل من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، فقد كشفت عن وجهة السياسة العالمية تجاه ليبيا، وتجاه الأزمة الليبية في تلك الفترة.

فالأمم المتحدة أكدت على أنه لا اتفاق يمكنه أن يَتَّسِمَ بالواقعية ما لم تتم رعايته من قبلها.

والاتحاد الأوروبي رفض هذه الدعوة جملة وتفصيلا، لأنه رأى فيها خروجا كاملا عن مشاريعه وتطلعاته الأمنية التي ساند فيها كلا من فرنسا وإيطاليا اللتين رآهما خط الدفاع الأمامي عن الأمن الأوروبي الذي يمكن للأزمة الليبية أن تكون أكبر مهدِّد له.

أما الولايات المتحدة، فقد أبدت اعتراضَها على أيِّ إطار لحل الأزمة الليبية لا يكون تحت إشرافها، ووفق رؤيتها.

فهي قد بعثت برسائل واضحة إلى أنها قد تسعى إلى إفشال أيِّ اتفاق ليبي لا يندرج تحت وصايتها.

وفي مؤتمر روما المشار إليه أعلن “جون كيري” وزير الخارجية الأمريكي آنذاك عن رفضه لهذه المبادرة المدعو إليها في تونس، من خلال إشارته المبهمة إلى أنه ستتشكل حكومة وطنية قريبا في ليبيا وأن لدى الولايات المتحدة خطة كاملة لضمان تشكيلها.

ولأن مثل هذه الحكومة لم تتشكل إلا وفق مخرجات اتفاق الصخيرات ومؤتمر روما، فإن الأميركيين يكونون قد أكدوا بتصريحات “جون كيري” على أنهم كانوا ما يزالون لم يحدِّدوا موقفَهم النهائي من الأزمة الليبية التي كانت ما تزال في مطبخ الطهي الذي سيحتاج إلى وقت طويل، دام أكثر من خمس سنوات، قبل أن تستكملَ الولايات المتحدة رؤيتها بخصوص الأزمة الليبية.

دلالات العودة إلى تونس مجددا بعد أكثر من خمس سنوات:

بعد فشل المحاولة الأولى لـ “مَغْرَبَة” الملف الليبي، عبر عقد مؤتمر “ليبي – ليبي” في تونس عام 2015، بسبب تعارض عقد مثل ذلك المؤتمر “الليبي المغاربي” في أحد البلدين المتماسين مباشرة مع يوميات المشهد الليبي، وهما تونس والجزائر، مع الرؤية الأوروبية المتماهية مع رؤية محور الشر العربي “القاهرة، الرياض، أبو ظبي”، ومع الإستراتيجيا الأميركية المرسومة للإقليم العربي بشقيه: المشرقي عبر الحالة السورية، والمغربي عبر الحالة الليبية.

الإستراتيجيا الأميركية لم يكن مُكَوِّنُها الليبي قد تَمَوضَع بعد على النحو المطلوب أميركيا، ما جعل واشنطن تعمل على ترحيل أيِّ حلول إلى المستقبل، عبر تأجيل “مَغربَة” هذا الملف إلى الوقت المناسب، وتَركِه يئنُّ تحت رحمة تجاذبات أصحاب المصلحة من العرب والأوروبيين في قلب مهمات مبعوثي الأمم المتحدة من جهة، وفي قلب الصراع المسلح الذي فرضته الحالة “الحفترية” المدعومة من محور الشر العربي من جهة أخرى..

نقول: بعد مرور قرابة الأربع سنوات على فشل تلك المحاولة، طُرِحَت مبادرة ثانية لـ “مَغرَبَة” الملف الليبي، عندما أكد مبعوث الجامعة العربية إلى ليبيا، صلاح الدين الجمالي، دعمه لمؤتمر وطني عام مرتقب وجامع لليبيين، في تونس في 15 أبريل/نيسان 2019.

حيث قال الجمالي، خلال زيارة قام بها إلى مقر اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني العام الجامع الليبي بتونس، إن المؤتمر الليبي الجامع سينعقد في مدينة الحمامات التونسية، آملا أن يفضي إلى حلول وآليات للمصالحة الوطنية الشاملة وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، مؤكدا حرصه على إنجاح هذا المؤتمر الذي وصفه بـ “التاريخي”، والذي يهدف إلى “لمّ شمل الليبيين كافة والخروج من نفق الأزمة الليبية بكلمة واحدة من أجل إنقاذ البلاد”.

كما دعا المنظمات الإقليمية والدولية إلى دعم المؤتمر الوطني الليبي العام والجامع، مشيرا إلى أن هذا المؤتمر تديره وتشرف عليه شخصيات وطنية ساهمت في بناء الدولة الليبية.

لكن هذه المبادرة، عادت لتفشل مجددا، لأن البيئة السياسية التي كان يجب أن تكون متاحة ليتحرك في قلب حيثياتها، لم تكن قد نضجت بعد.

إن العودة إلى مبادرة جمع الليبيين ليتحاوروا وجها لوجه في تونس، بعد أن استفحل أمر التدخلات الخارجية في الأزمة الليبية، لهو دليل قاطع على إدراك السياسيين الليبيين، سواء منهم من كان موافقا على المبادرة أو من كان رافضا لها، على أن الحسم بإرادة الليبيين وحدهم لا يمكنه أن يكون مضمونا إلا بالتقائهم ليتحاوروا في واحدة من الدولتين المغاربيتين “تونس” أو “الجزائر”.

ذلك لأنهم في أي من الدولتين سيكونون بعيدين عن أي ضغوطات تفرضها القوى الخارجية المتنافسة في ليبيا، فهاتان الدولتان هما وحدهما من يهمهما أن يكون القرار الليبي قرارا مستقلا على وجه الحقيقة، لأن استقلال القرار الليبي في بناء مستقبل ليبيا، هو الوجه الآخر لاستقرار المغرب العربي، ولضمان أمن ليبيا وتونس والجزائر معا.

إلا أن الأزمة الليبية، ورغم انقضاء قرابة السنة على محاولات محور الشر العربي إنجاز الحسم العسكري من خلال الأداة “خليفة حفتر” وقواته، بوصوله إلى مشارف طرابلس، ومحاصرة حكومة الوفاق وقواتها في أضيق نطاق جغرافي، لإخراجها من المشهد الذي أراده ذلك المحور، امتدادا له.

إلا أن الأزمة الليبية رغم مرور كل ذلك الوقت على محاولة الحسم العسكري، بقيت تُراوحُ مكانها سياسيا، بسبب أنه لا قيمة للنطنطة العسكرية التي تستهدف إحراز نصر عسكري لجعل المشهد الليبي بلون محدد ووحيد دون إشراك باقي الألوان، ما دامت الإستراتيجيا الأميركية تتجه إلى خلاف ذلك.

ولهذا السبب فإن الوهم الذي جعل “خليفة حفتر” يُصَرِّح مع بداية حملته العسكرية باتجاه طرابلس بأن الحسمَ سيتم خلال أيام أو أسابيع قليلة، بقي مجرد وهمٍ يعشش في مخيلته هو وقادة قواته، وداعميه في القاهرة وأبو ظبي والرياض، وفق مبدأ “مَحلَّك سِرْ“، إلى أن تم استكمال موضًعَة المشهد السوري على النحو المناسب للمقاربة الأميركية للإقليم.

تلك المقاربة قامت على فكرة محاصرة المشرق العربي بـ “فكي كماشة“، أحدهما “سوري” بحضورٍ روسيٍّ قائدٍ، وبحضورٍ تركيٍّ تابعٍ، والثاني “ليبي” بحضورٍ تركيٍّ قائد، وبحضورٍ روسيٍّ تابعٍ.

أي أنه عندما تحددت ملامح “الفك السوري” على النحو المذكور، فإن الولايات المتحدة دفعت باتجاه تسهيل تخليق “الفك الليبي” على النحو المذكور أيضا، فبدا وكأن واشنطن بما ستفعله في “ليبيا” ستوازن علاقات النفوذ المختلة في سوريا بين الروس والأتراك لصالح الروس، لتختل بقدر ملائم لصالح الأتراك في ليبيا.

وعندما تقرَّرَ ذلك أميركيا، لم يحتج الأمر إلى أكثر من عشية وضحاها لنرى قوات حفتر، تتراجع وتندحر إلى حدود “سرت” و”الجفرة”، لتبدأ مسيرة مكثفة من التحركات التي تستهدف إيقاف التدهور في مشروعي “الاتحاد الأوروبي“، و”محور الشر العربي“، شهدتها باريس، وروما، وموسكو، والقاهرة، إلى أن وصلت هذه التحركات إلى المغرب وألمانيا وسويسرا.. إلخ.

ولأن الولايات المتحدة أرادت أن تبعث برسائل واضحة إلى فرنسا بالدرجة الأولى، وإلى دول محور الشر العربي بدرجة أقل، مفادها أن المشروع الفرنسي في المغرب العربي يجب أن يتراجع لصالح المشروع الأميركي، وأن المشروع الإماراتي المصري السعودي إذا كان مقبولا في مصر والأردن والسودان، فإن تلك الدول هي حدوده القصوى، وأن تونس يجب أن تبقى خارج لعبة تجاذبات الفرنسيين، والخليجيين والمصريين.

خاتمة

إن الولايات المتحدة إذا أرادت أن تبعث برسائلها الواضحة تلك، لتلك الأطراف، فإنها أرسلت وزير دفاعها إلى تونس ليوقِّعَ اتفاقيات عسكرية وازنة ذات طبيعة إستراتيجية ليس لها سوى معنى واحد هو أن تونس لم تعد ملعبا للخليج ولا لفرنسا.

لذلك انتهى مآل هذا الماراثون بالدفع باتجاه عقد مؤتمر لليبيين في تونس يكون هو الحاسم في تسوية الأزمة الليبية.

فقد كشفت مصادر دبلوماسية تونسية مطلعة في وقت سابق عن مساع تقوم بها عدة أطراف ليبية لنقل الجولة القادمة من الحوار السياسي الليبي المُزمع عقده في جنيف السويسرية، إلى تونس، مع تزايد التحركات السياسية الإقليمية والدولية لتوفير دعائم التوصل إلى تسوية للأزمة الليبية.

وذكرت المصادر الدبلوماسية أن هذه المساعي التي تجري وسط تكتم شديد حققت تقدما ملموسا بعد أن أبلغت تونس الأطراف الليبية بأنها تدعم كافة تحركاتها، وستُوفر لها كل مُقومات النجاح للتوصل إلى حل “ليبي ـ ليبي” بعيدا عن التدخلات الأجنبية، والأجندات التي أفقدت ليبيا سيادتها وجعلتها هدفا للأطماع التوسعية.

و تُراهن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ورئيستها بالإنابة ستيفان يوليامز، على استئناف هذا الحوار الذي توقف في أعقاب استقالة المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة من منصبه في شهر مارس الماضي.

وأكدت الأمم المتحدة في وقت سابق أيضا على أن الحوار في تونس بين طرفي النزاع الليبي مطلع نوفمبر، سيكون مفتوحاً فقط أمام القياديين الذين يفكرون أولاً ببلدهم وليس هدفهم الحصول على مناصب حكومية.

كما صرَّحَت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة في ليبيا بالوكالة “ستيفاني ويليامز” بعد لقاء مع الرئيس التونسي “قيس سعيّد” قائلة: “نأمل أن نرى أشخاصاً لم يأتوا إلى هنا من أجل خدمة مستقبلهم السياسي بل من أجل بلدهم”.

لتبدأ مسيرة الحوارات الليبية – الليبية في تونس افتراضيا، في السادس والعشرين من أكتوبر الماضي، ولتبدأ وجاهيا منذ مطلع نوفمبر الجاري، تأكيدا على أن الولايات المتحدة بدأت تُمَوضِعُ الأزمةَ الليبية في سياقها المغاربي الذي سيحرم فرنسا من قدرتها على فرض أيِّ نفوذ فاعل ووازن لها على ليبيا، أو على تونس من خلال ليبيا، وهو ذاته السياق الذي سيوقف هستيريا “آل سعود وآل نهيان والسيسي” المنصبّة نحو محاربة كل ما يعتبرونه مظاهر أسلمة أو أخونة لأيِّ بلد.

***

أسامة عكنان (باحث أردني)

_____________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.