Minbar Libya

بقلم حمزة المؤدّب

أدّت اتفاقات التجارة غير الرسمية على طول الحدود بين تونس وليبيا إلى ظهور اقصاد حدودي محكم. لكن التغييرات السياسية في كلٍّ من الدولتين قلبت المشهدين الاقتصادي والأمني رأساً على عقب.

الجزء الثالث

المبادرات القاعدية ومحدوديتها

حين يفشل التسييس التقليدي بين ممثلي الدولة، أو ما يسمّى “دبلوماسية الكرافات”، تتقدّم الصفوف المبادرات الشعبية القاعدية لملء الفراغ. وهذا بالتحديد ما حدث في المناطق الحدودية التونسية حالما غرقت الدولة التونسية في لحج القضايا الأمنية وبدأت تتعاطى بشكل سيئ مع الترتيبات التي تحكم التجارة عبر الحدود.

وبدءاً من العام 2016، حين شدّدت الإجراءات الأمنية التونسية الخناق بإحكام على الاقتصاد الحكومي، آلت مروحة من المجموعات التونسية المرتجلة على نفسها التفاوض حول الاتفاقات التجارية مع بلديات ليبية ومجالس قبلية.

وشملت هذه المجموعات رابطة الأخوة التونسية- الليبية وجمعية التجار ببنقردان، ولجان ناشطين في المجتمع المدني، وحتى أعضاء في البرلمان يعملون بصفتهم الشخصية. هذه المجموعات، التي تمثّل صغار التجار غير القادرين على تحمّل إغلاق المعبر الحدودي إلى أمد طويل، ناهيك عن سوء المعاملة ومكوس الحماية الباهظة التي تفرضها الجماعات الليبية المسلحة، أطلقت مبادراتها الخاصة تحت مظلة ما بات يُعرف بـ”الدبلوماسية الشعبية”.

على سبيل المثال، في أواخر 2016، تلكأ التجار وسائقو الشاحنات التونسيون عن دفع الضرائب الجمركية الجديدة التي فرضتها السلطات الليبية، إضافة إلى القيود على تهريب البنزين. وقد نظّم التجار اعتصاماً لمدة شهرين رافعين شعار “سيب بنقردان تعيش“، وطالبوا والي ولاية مدنين (التي تقع فيها بنقردان) بالتدخل لصالحهم. في خاتمة المطاف، توجّه وفد من بنقردان، يضم تجاراً وشخصيات من المجتمع المدني وحتى عضو في البرلمان إلى ليبيا. وقد توصّل هذا الوفد إلى اتفاقية مع ممثلي تسع مدن غربية ليبية.

تمّ توقيع الاتفاقية في الزاوية، وهي مدينة على الساحل الشمالي الغربي من ليبيا، في 2 كانون الثاني/يناير 2017 ـ وتنصّ على السماح للتجار التونسيين باستيراد سلع معفاة من الضرائب لمرة واحدة على ألا تتعدّى قيمتها مبلغ 4000 دينار ليبي (أقل بقليل من 3000 دولار) في اليوم من ليبيا، ونقل نحو 150 ليتراً (40 غالوناً) من البنزين عبر رأس جدير.

بيد أن زوارة رفضت الموافقة على الاتفاقية، لأنها كانت ترغب في أن تصبح المحاور الوحيد باسم اللّيبيين مع الجانب التونسي، كما أن أنظارها كانت مشدودة إلى إبرام صفقة أمنية مع الدولة التونسية، كجزء من ترتيبات شاملة. ويشرح عضو في وفد بنقردان الوضع كالتالي:

“في كانون الثاني/يناير 2017، وقبيل توجهنا إلى الزاوية، توقفنا في زوارة حيث أوضح لنا محادثونا هناك أن لديهم مطالب تتعلّق بقضايا أمنية. قلنا لهم أن مسألة الأمن تتعدى نطاق مبادرتنا، وأننا لا نمثّل الدولة التونسية. نحن فقط نطرح مبادرة شعبية محلية ونريد التفاوض على اتفاقية تجارية عبر الحدود. لكننا عرضنا الاتصال مع السلطات التونسية ونقل طلبات زوارة”.

بيد أن زوارة أسندت معارضتها إلى ضرورة احترام سيادة الدولة، واتهمت المدن الليبية التسع بأنها وقّعت على اتفاق ينطوي على خطف دور حكومة الوفاق الوطني. وبما أن زوارة تسيطر على الجانب الليبي من رأس جدير، كان بديهياً أن يكون لموقعها هذا مضاعفات. إضافة، كانت زوارة تحظى بدعم المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، التي أدانت الاتفاقية بكونها محاولة من السلطات التونسية لـ”إضفاء الشرعية على التهريب”.

أحبطت معارضة زوارة اتفاقية الزاوية. وفي سبيل تلبية شروط المدينة المتعلّقة بالأمن، أو بعضها على الأقل، سعى وفد بنقردان على الحصول على مساعدة الحكومة التونسية.

حينها، أوفدت هذه الأخيرة وزراء العلاقات مع المجتمع المدني، وإصلاح القطاع العام، والتنمية الجهوية، وأيضاً مسؤولاً في الجمارك إلى منطقة الحدود، بهدف التفاوض على الشطر الأمني من الاتفاقية مع زوارة.

هذه الاتفاقية، التي كانت خطوة غير متناظرة مثّل فيها وفد بنقردان ومسؤول الجمارك الجانب التونسي، وممثلو المجالس البلدية وشيوخ القبائل الجانب الليبي، وقعتها زوارة ومعها المدن الليبية التسع في 17 كانون الثاني/يناير 2017.

في تلك الأثناء، أدركت السلطات التونسية أنه، وبالتحديد في سبيل ألا تضر المقاربة المتمحورة حول الأمن الاقتصاد أو تشعل الاضطرابات الاجتماعية، يتعيّن عليها أن تسهّل أو على الأقل أن تسمح بالمرور المنتظم عبر الحدود للتجارة من النوع الذي قد يخفّف وطأة الوضع البائس بشكل متزايد للمجتمعات المحلية الحدودية.

وفي العام 2017، طرح مسؤول أمني رفيع المستوى فكرة حلّ من القمة إلى القاعدة، تُحيي بموجبه الدولة الهوية القبلية التونسية التي بقيت نائمة طويلاً، بهدف استخدام القبائل المحلية كمحاورين مع القبائل والمجالس البلدية الليبية.

التبرير الذي قدّمه هذا المسؤول هو أن الترتيبات القَبَلِية في الماضي أثبتت ديمومتها ونجاعتها. مثلاً، في القرن التاسع عشر، اعتاد اتحاد قَبَلي قوي في منطقة جنوب شرق تونس الحديثة، كان يطلق عليه اسم تحالف ورغمة، أن يبرم الاتفاقات مع الاتحادات القبلية المقيمة في غرب ليبيا الحديثة المتعلقة بالمياه والرعي والتجارة.

وقد أخذ اقتراح 2017 في الاعتبار أن الأحزاب السياسية التونسية وحتى بعض المجالس المحلية أعربت عن دعمها لطرف أو آخر من الفصائل الأساسية في النزاع الليبي، إذ دعم الإسلاميون حكومة الوفاق، وساند القوميون العرب ائتلافاً منافساً مقره طبرق في شرق ليبيا.

كما استند الاقتراح إلى الافتراض بأن القبائل المُنبعثة مجدداً في تونس قد تستطيع، بتوجيه من الحكومة المركزية التي تُسيطر عليها، أن تحافظ على حياد مدروس حيال السياسات الليبية. بيد أن هذا الاقتراح، الذي شقّ طريقه إلى البحث على أعلى مستويات الأجهزة الأمنية لكن لم يُفصح عنه علناً قط، فشل في اجتذاب التأييد.

فالدولة التي سعت إلى إضعاف الانتماء القبلي لصالح الروح الوطنية الجماعية، لن تكون في وارد إحياء هويات قبلية ومنح المجالس القبلية سلطة سياسية.

بدلاً من هندسة حلول من القمة إلى القاعدة، واصلت تونس العاصمة تسهيل المبادرات الشعبية، خاصة من خلال المساعدة على حل قضايا أمنية شائكة، وهذا ما تمثّل في انخراط الوزراء المذكورين أعلاه في اتفاقية الزاوية المعدّلة.

وفي هذه الأثناء، دخلت المبادرات القاعدية لحفز وتنظيم التجارة عبر الحدود مرحلة جديدة العام 2018. ففي تلك السنة، أجرت تونس أول انتخابات بلدية حرّة ونزيهة منذ الانتقال إلى الديمقراطية العام 2011.

الآن، باتت المجالس البلدية، التي كان أعضاؤها في السابق يُعيّنون في مناصبهم من قبل الوالي والأحزاب السياسية الُممثلة في البرلمان، يُنتخبون من سكان البلديات أنفسهم. وفي حين أن الحكومة المركزية في تونس العاصمة كانت تهتم أساساً بالوضع الأمني واحتواء تداعيات النزاع الليبي، أثبتت المجالس البلدية في المناطق الحدودية، التي باتت تتكوّن الآن كلياً من أشخاص محليين منتخبين، أنها أكثر تركيزاً على توفير الظروف المفيدة للنشاط الاقتصادي والتنمية المحلية.

توقيت انتخابات مايو 2018 كان، بمعنى ما، مؤاتياً، بسبب تداعي اتفاقية يناير 2017 المذكورة أعلاه. فطيلة يونيو و يوليو 2018، نفّذ سكان بنقردان مظاهرات كبيرة وجريئة، وأغلقوا المداخل إلى رأس جدير، وندّدوا بالسياسات التجارية التي اعتبروا أنها تصب في صالح الليبيين، وأيضاً بسوء معاملة التجار التونسيين على الجانب الليبي من الحدود.

حينها، انطلق المجلس البلدي الجديد في بنقردان، الذي تعزّز بوضعيته كهيئة منتخبة محلياً، إلى العمل. توجهه الأول كان إقناع الزواريين بإعادة التفاوض ثانية حول الاتفاقية، لكن هذه المرة بطريقة تأخذ بعين الاعتبار مشاغل السكان المحليين.

المحاولة نجحت. واتفق مجلسا بنقردان وزوارة حول العديد من القضايا، وأدخلا تعديلات على الاتفاقية تمكّنت من استرضاء المحتجين، وشكلا لجنة مشتركة تتكوّن من أعضاء كلا الهيئتين لضمان حسن المتابعة. لكن الملفت، مرة أخرى، أنه كان ثمة حاجة لتدخّل الحكومة المركزية التونسية في قضايا التنسيق الأمني مع الجانب الليبي، بما في ذلك إعادة فتح معبر رأس جدير، وهو الأمر الذي تحقق بعدها بشهر واحد.38

في التحليل الأخير، ما يُستخلص من تفحّص تجربة تونس مع المبادرات الشعبية عبر الحدود هو الإدراك بأن المجالس البلدية والهيئات المحلية الأخرى في تونس قادرة على إيجاد قواسم مشتركة مع نظرائها الليبيين.

لكن المشكلة هي أن اتفاقاتها محدودة دوماً في مداها وفي مدتها الزمنية. وحتى حين كان ثمة توجّهٌ لجعلها تدوم طويلاً، إلا أنه تبيّن أنها ليست أكثر من سلسلة من الإجراءات المؤقتة. وقد أدرك مهندسوها طبيعة هذه المثلبة ومعها الاحتمال المثير للقلق بأن هذه في الواقع نتيجة لا مناص منها.

يقول عضو في المجلس البلدي في بنقردان: “حاولنا ترقية “الخط” الذي يعتبر استراتيجياً للمدينة، بيد أن إبرام اتفاقية شاملة مع الطرف الليبي يتخطى قدراتنا. كل هذه الاتفاقات مؤقتة، وهي حلول قصيرة الأجل لمشاكل عاجلة”.

خاتمة: الالتفات إلى الحل الوحيد الصالح

أظهرت الدولة التونسية درجة من المرونة، من خلال السماح بالمبادرات القاعدية للمواطنين التونسيين، من ذلك النوع الهادف إلى إحياء التجارة عبر الحدود مع ليبيا، وفرض قدر من النظام على النشاطات الاقتصادية. كما أنها (الدولة) ابتاعت لنفسها بعض الوقت.

ولو أن تونس انتهجت منحىً أمنياً وانقطعت أكثر عن ليبيا، من دون السماح للروابط المرتجلة والمجالس البلدية التونسية بإبرام اتفاقات تجارية خاصة بهم، لكانت المناطق الحدودية المـأزومة أصلاً ستنقلب على الدولة.

بيد أن الحصول على التقاط أنفاس من حريق مؤكد، ليس استراتيجية بعيدة المدى. علاوة على ذلك، عانت المقاربة القاعدية الحدودية التونسية من العديد من النكسات بقدر ما سجّلت نجاحات.

والحال أن تونس تفعل خيراً إذا ما تبنّت مقاربة مثلثة الأضلاع، إن هي أرادت حل المشكلة المستعصية التي أوثقت نفسها بها:

فأولاً، يجب على الحكومة المركزية تحسين أساسيات الاتفاقية الأمنية مع حكومة الوفاق الوطني، والعمل أيضاً مع هذه الحكومة على إقامة منطقة تجارة حرّة في المناطق الحدودية. حتى الآن، كانت تونس العاصمة تقاوم بناء علاقات وثيقة مع حكومة الوفاق، خشية أن تبدو منحازة إلى طرف في النزاع الليبي.

بيد أن الحياد لايجب بالضرورة أن يعني السلبية، وقد بات واضحاً أنه حتى لو فشلت حكومة الوفاق في بسط سيطرتها على كل أنحاء ليبيا، فليس ثمة طرف بمقدوره انتزاعها من موقعها بوصفها الحكومة المُعترف بها دولياً والسلطة الأساسية في الشطر الغربي من البلاد.

وهنا، قد توفّر الضمانات الأمنية وإقامة منطقة التجارة الحرة التي لاتُطبّق فيها الرسوم الجمركية فرص النجاح للحكومة التونسية في حفز النخب الاقتصادية التونسية، التي أصبحت عازفة عن المشاركة في تجارة حدودية عالية المخاطر، على استئناف نشاطاتها.

المقاربة الثانية تكمن في قيام تونس العاصمة بتشجيع المجالس البلدية في المدن الحدودية على توسيع اتفاقات التجارة القاعدية مع أقرانها الليبيين. مثل هذه الاتفاقات يجب أن تتجاوز التجارة لتشمل أيضاً التعاون في مجالات الثقافة، والتعليم، والصحة العامة، وبرامج تبادل الشبان، فهذا سيعمّق العلاقات الشخصية التي تعتبر حاسمة لإنجاح الدبلوماسية بين المدن وبين الشعبين.

أخيراً، وليس آخرا، يتعيّن أن تُشرف الدولة على الانخراط غير المنسّق لمختلف الهيئات الرسمية (بما في ذلك الوزارات، وسلطة الجمارك، واللجان البرلمانية) جنباً إلى جنب مع المجالس البلدية، في الاتفاقات غير المتناظرة المتفاوض عليها على غرار اتفاقية الزاوية.

فهذا قد ينسّق عمل بلديات المدن الحدودية مع تونس العاصمة ويعزّز روابط هذه الأخيرة مع مراكز القوى في أنحاء غرب ليبيا، ما يؤدي إلى تحسين الأمن التونسي.

وفي خاتمة المطاف، ستمكّن هذه المقاربة مثلثة الأضلاع تونس من الانكباب، على الأقل وفق أكثر المستويات أساسية، على كلٍ من أمنها وحاجاتها الاقتصادية، على الرغم من مروحة الظروف التي تهدد كليهما.

يتبع في الجزء الرابع (المناطق الحدودية في زمن النزاع والوباء)

***

حمزة المؤدّب ـ باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

____________

مركز مالكوم كير ـ كارنيغي للشرق الأوسط