Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

المسار الديمقراطي في ليبيا تعرض لعقبات وحالت دون اكتماله عوائق كلها أو جلها ترجع إلى تفكير وفعل المؤثرين ممن يصنفون ضمن النخبة والنشطاء، لكن المسار اليوم يواجه تحديا أكبر وسابقة أخطر تتعلق ليس بمضمون مسودة الدستور، بل بالآلية التي تم التوصل إلى المسودة من خلالها.

أستطيع أن أضع بين يدي القارئ قائمة من الملاحظات على مسودة الدستور التي تم إقرارها بالأغلبية الصحيحة من قبل الهيئة التأسيسية في تموز (يوليو) من العام 2017م، بعض هذه الملاحظات جوهرية وتمس التأسيس الصحيح للانتقال وبناء الدولة على قواعد صحيحة.

إلا أن تحفظي لا يعطيني الحق في تعطيل عملية دستورية ديمقراطية تنتظر أن تستكمل مراحلها بعرض المسودة على الاستفتاء الشعبي، وذلك كما ينص الإعلان الدستوري، فإن أقرت صار للبلاد دستور شرعي عبر آليات ديمقراطية صحيحة، وإن رفض صير إلى تعديله وفق ما ينص الإعلان.

وتحفظي على موجة الرفض لمسودة الدستور ليس له علاقة بصواب أو خطأ التحفظات، فالمسودة عمل بشري من الممكن جدا أن يعتريه النقص أو يتلبس بأخطاء، وربما أشارك العديد من المتحفظين تحفظاتهم، إنما يرجع تحفظي إلى قلقي الشديد من مطالبتهم بتجاهل المسودة والبحث عن سبيل آخر لإقرار دستور!!

مطلب تجاهل مسودة الدستور، التي جاءت عبر مسار دستوري ديمقراطي، خطير لأنه يكرس التعدي على الانتقال الديمقراطي الصحيح ويفسح المجال لممارسات مشابهة لن تقوم بعدها للديمقراطية التي هي أساس الاستقرار أي قائمة في البلاد.

كثيرون، بل معظم من ترتفع أصواتهم احتجاجا على مسودة الدستور، لا يدركون خطورة أن تتجاهل المسودة، ولا يتوقعون أن يكون لهذا المسلك تأثيره المدمر على الانتقال الديمقراطي المنشود، فأن تعطي لنفسك الحق في تعطيل عملية دستورية ديمقراطية هو بمثابة تبرير لغيرك في أن يسلك المسلك ذاته في حال تحفظه على نتيجة من نتائج المسار الديمقراطي كانتخاب برلمان أو رئيس، أو مسودة دستور غير المسودة الحالية.

ازدواجية المعايير التي تلبس بها قطاع كبير من النخبة والنشطاء والفاعلين السياسيين كانت ولا تزال من أبرز عوامل الإخفاق الذي نواجهه منذ العام 2011م. وتشكل هذه الآفة أبرز معاول تقويض مساعي التحول الديمقراطي، ذلك أنها تقوم على تبرير الموقف والممارسة والسلوك في حال كانت في مصلحتهم أو مصلحة من يمثلونه، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا كان وقع الخصم في الممارسة والسلوك ذاته.

المسار الديمقراطي يضمن للمعارضين والمحتجين والمتحفظين فرصة لتحقيق رغبتهم بإسقاط مسودة الدستور، فما عليهم إلا التعبئة والحشد الشعبي لرفضها، مستخدمين الحجة والمنطق وآليات العمل الديمقراطي، أما الإصرار على إسقاطها عبر إسقاط المسار الديمقراطي فهذا ليس فقط عجز وخيبة بل من قبيل وضع العصا في عجلة الانتقال الديمقراطي التي تعثرت بسبب مثل هذه المواقف والممارسات.

سأكون سعيدا جدا إذا تم إسقاط المسودة عبر الآلية الدستورية والديمقراطية الصحيحة وهي الاستفتاء، وسأكون داعما لجهود من ينجحون في تكييفها وفق رؤيتهم إذا كانت الطريقة دستورية وديمقراطية، فما يشغلني هو تكريس الخيار والسلوك القانوني والديمقراطي، ووقف الفوضى والهمجية لنيل الحقوق.

وحول الإجابة عن سؤال “كيف للأقلية أن تضمن حقوقها دستوريا وهي تواجه أغلبية رافضة؟”، أقول إن كل الدول التي ترسخت فيها قواعد الديمقراطية فيها أقليات تكفل دساتيرها حقوقها كاملة، وكان ذلك عبر تعزيز قيم هي في صميم الانتقال الديمقراطي من عدالة واحترام للحقوق، فالوعي المجتمعي الذي يتطور مع ترسيخ الديمقراطية يحقق التفاعلات الإيجابية التي تضمن العدالة وتكفل الحقوق للجميع.

بينما يعزز سلوك الفوضى والتعدي على المسار الدستوري والديمقراطي الكراهية والعداوة والصدام، فالقوة تمنح تمييزا لا عدالة فيه، وتدفع إلى مكافأة الرفض بالقوة باستخدام الأسلوب ذاته وهو ما يعني سلسلة من حلقات الصراع الذي لا ينتهي.

************

بيان من أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور حول طرح العملية الدستورية في الحوار السياسي

قال عدد من أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور إن طرح «العملية الدستورية» كبند رئيس في الحوار السياسي بين لجنتي الحوار الممثِّلتين لمجلسي النواب والدولة بتونس يعتبر «مساسًا بسلامة وشرعية المسار التأسيسي للدولة الليبية».

وأصدر عدد من أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور بيانًا مساء اليوم الخميس، حول «طرح العملية الدستورية» بالحوار السياسي بين لجنتي الحوار الممثِّلتين لمجلسي النواب والدولة في اجتماعات لجنة الصياغة الموحدة لتعديل الاتفاق السياسي بتونس، مشيرين أنهم يباركون في الوقت نفسه محاولات تقريب وجهات النظر وإنهاء حالة الانقسام بين أطراف الصراع السياسي عبر حوار تونس.

ليس أمام بعثة الأمم المتحدة إلا أن تقدم المساعدة الفنية اللازمة لإجراء الاستفتاء.

وحمل بيان عدد أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور 6 نقاط رئيسة على النحو الآتي:
بيان صحفي لأعضاء بالهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور حول طرح العملية الدستورية ضمن مجريات الحوار السياسي الليبي، تابع أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور مجريات الحوار السياسي الدائر في تونس بين أطراف ليبية برعاية الأمم المتحدة في ليبيا، وفي الوقت الذي يبارك فيه الأعضاء هذه الخطوة، التي من شأنها تقريب وجهات النظر، وإنهاء حالة الانقسام والتشظي، التي عانت منها البلاد.

وإذ يبدون استغرابهم واستنكارهم الشديدين لطرح العملية الدستورية كبند رئيس في الحوار السياسي الجاري بين هذه الأطراف، وعزمها اتخاذ خطوات من شأنها المساس بسلامة وشرعية المسار التأسيسي للدولة الليبية، فإنهم يؤكدون على الآتي:

أولاً- إن الهيئة التأسيسية لإعداد وصياغة الدستور هي هيئة تأسيسية انتخبت بالانتخاب العام الحر السري المباشر من الشعب الليبي مباشرة بتاريخ 20/2 / 2014م، وأنه من تاريخ العدول عن التعيين إلي الانتخاب، أصبحت الهيئة التأسيسية لإعداد وصياغة الدستور هي صاحبة الاختصاص الوحيد بشأن إعداد مشروع الدستور، ولا ولاية بالمطلق لأي جسم آخر منتخب أو غير منتخب بهذا المشروع.

ثانيًا- إن الهيئة التأسيسية قامت بالانتهاء من مشروع الدستور بالتصويت عليه يوم 29 يوليو 2017م بغالبية 43 عضوًا من أعضائها. وهو الأمر الذي يزيد على نصاب التصويت المحدد في الإعلان الدستوري بثلثي الأعضاء +1.، وإن الخطوة المتبقية لإكمال المسار الدستوري، والخروج من المراحل الانتقالية، التي أنهكت الوطن والمواطن وللوصول إلي الدستور الدائم، هي خطوة الاستفتاء، والذي به يتحول المشروع إلي دستور دائم. ومن نافلة القول؛ أن وجود دستور دائم للبلاد لا يمنع من التعديل مستقبلاً؛ وفق ما يستجد من ظروف وما يتبين من نتائج عند التطبيق وفق نظام إجرائي محدد ومنضبط في نصوصه.

إن الهيئة التأسيسية قامت بالانتهاء من مشروع الدستور بالتصويت عليه يوم 29 يوليو 2017م بغالبية 43 عضوًا من أعضائها. وهو الأمر الذي يزيد على نصاب التصويت المحدد في الإعلان الدستوري

ثالثًا- إن الشعب الليبي عندما انتخب الهيئة التأسيسية انتخبها بناء على أحكام دستورية واضحة في الإعلان الدستوري. هذه الأحكام الدستورية هي التي عبر في إطارها الشعب عن إرادته عندما انتخب الهيئة، ومن ثم، فإن أي مساس بهذه الأحكام المحددة سلفًا قبل الانتخاب هو مساس بإرادة الشعب الليبي.

رابعًا- إن بعثة الأمم المتحدة هي بعثة للإرشاد والمساعدة الفنية في ظل احترام إرادة الشعب الليبي وملكيته الخالصة والوطنية لمساره التأسيسي، ولا يمكن لها بأي حال من الأحوال تغليب إرادة واجهات سياسية أو اجتماعية، داخلية أو خارجية، جهوية أو حزبية لا علاقة لها بالمسار الدستوري على إرادة الشعب الليبي التي عبر عنها في انتخاب الهيئة وينتظر التعبير عنها ثانية في الاستفتاء. وهي إرادة لا يمكن لأحد إدراكها أو القطع باتجاهها إلا بظهور نتيجة الاستفتاء على مشروع الدستور.

خامسًا- إن الأحكام القضائية الصادرة ضد الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور هي أحكام موقتة تقضي بإيقاف تنفيد قرار مشروع الدستور فقط دون أن تنال من مشروعيته، وأن الهيئة التأسيسية قد باشرت الطعن ضد هذه الأحكام أمام المحكمة العليا صاحبة القول الفصل وستمضي في المسار القضائي حتى نهايته والهيئة على ثقة كاملة في صحة وسلامة إجراءات اعتماد مشروع الدستور الذي صدر طبقًا للإجراءات المحددة في الإعلان الدستوري الموقت، ولا يمكن اتخاذ هذه الأحكام ذريعة لتعديل مشروع الدستور أو المساس به من أي جهة داخلية كانت أو خارجية.

سادسًا- إن عرقلة المسار التأسيسي بأي صورة كانت وتحت أي ذريعة، وعدم الذهاب إلى الاستفتاء على مشروع الدستور إنما هو استمرار للمرحلة الانتقالية التي عانى منها المواطن كثيرًا ولازال، وانعكست بشكل سلبي على حياته اليومية نتيجة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والمؤسسي في البلاد، مما سيؤدي إلى تفاقم حالة الانفلات الأمني وإهدار المال العام واستشراء الفساد وفرض شخوص سياسية محددة، دون مراعاة خيارات الشعب الليبي عبر صناديق الاقتراع.

إن الأحكام القضائية الصادرة ضد الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور هي أحكام موقتة تقضي بإيقاف تنفيد قرار مشروع الدستور فقط دون أن تنال من مشروعيته، وأن الهيئة التأسيسية قد باشرت الطعن ضد هذه الأحكام أمام المحكمة العليا صاحبة القول الفصل وستمضي في المسار القضائي حتى نهايته

وبناء على كل ذلك، فليس أمام الشعب الليبي إلا قول كلمته الفصل في مشروع الدستور بنعم أو لا، وليس أمام الجهات المختصة إلا اتخاذ التدابير كافة لتمكين الليبيين في الداخل والخارج من ممارسة حقهم الدستوري في الاستفتاء، وليس أمام بعثة الأمم المتحدة إلا أن تقدم المساعدة الفنية اللازمة لإجراء الاستفتاء.

وأعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور إذ يتوجهون بهذا البيان إلي أبناء الشعب الليبي كافة في كل المناطق وبجميع مكوناته الاجتماعية والثقافية واللغوية وبصرف النظر عن توجهاتهم الفكرية والسياسية، فإنهم يهيبون بالأطراف المعنية كافة ضرورة إكمال المسار الدستوري وعدم المساس به بأي شكل من الأشكال، ويؤكدون في الوقت ذاته على أهمية وجود الدستور الدائم في الحفاظ على وحدة البلاد، وتوحيد مؤسسات الدولة، وفي إرساء قواعد السلم الاجتماعي والمصالحة الوطنية، وفي عودة السيادة الليبية، وقطع أي سبيل للتدخل الأجنبي.

______________