Minbar Libya

بقلم حمزة المؤدّب

أدّت اتفاقات التجارة غير الرسمية على طول الحدود بين تونس وليبيا إلى ظهور اقصاد حدودي محكم. لكن التغييرات السياسية في كلٍّ من الدولتين قلبت المشهدين الاقتصادي والأمني رأساً على عقب.

الجزء الرابع

حاشية: المناطق الحدودية في زمن النزاع والوباء

خلال الأشهر القليلة المنصرمة، عانت المناطق الحدودية التونسية من ضربة مزدوجة: تصعيد النزاع في ليبيا في أعقاب التدخّل التركي في البلاد، وتفشي وباء كورونا المستجد. هذان العاملان معاً دفعا الاقتصاد الحدودي إلى شفير الكساد.

في كانون الثاني/يناير 2020، بدأت تركيا بإرسال مسلحين وعتاد إلى القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج، لمساعدتها في النزاع ضد ائتلاف عسكري يقوده المشير خليفة حفتر.

وتوّج هذا المنحى بـ”عاصفة السلام”، وهي عملية عسكرية هدفها إجلاء قوات حفتر من غرب ليبيا.

وفي أبريل، استعادت حكومة الوفاق السيطرة على مدن صبراتة وزلطن ورقدالين وصرمان والعجيلات، هذا في حين بقيت زوارة والزاوية داعمة لحكومة الوفاق طيلة هذا الوقت.

في نهاية المطاف، مكّن التدخل الليبي القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق من استعادة الأراضي التي كانت قد خسرتها وأعادت توكيد هيمنتها على غرب ليبيا. بيد أن النزاع تسبّب بتدهور كبير في التجارة عبر رأس جدير (التي علقت في مرحلة ما في حمأة القتال)، وفاقمت الوضع الاقتصادي، الصعب أصلاً، في المناطق الحدودية التونسية.

قبل نهاية النزاع، دخل وباء كورونا على الخط.

ففي مارس 2020، أعلنت الحكومة التونسية الإغلاق العام لمحاولة احتواء تفشي الفيروس. وفي ذلك الشهر نفسه، أغلقت تونس حدودها.

وما فتئت الحكومة التونسية، التي كانت تخشى تقطّع أوصال سلاسل الإمدادات العالمية في خضم سعيها لمنع اندلاع الرعب الناجم عن الحجر، أن أعلنت مضاعفة المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية، والأدوية، والبنزين. وهذا ضمن عدم خواء المتاجر من الحاجيات الأساسية، لكنه لم يفعل الكثير لتخفيف وطأة الوضع العام.

والواقع أن جائحة كورونا وتصاعد النزاع في ليبيا شلاّ الاقتصاد في جنوب شرق البلاد. وكما هو متوقع أدى قرار الحكومة التونسية بإغلاق الحدود مع ليبيا إلى إقفال رأس جدير.

في بنقردان وما بعدها، أجبر آلاف التجار عبر الحدود، وصغار باعة التجزئة، وأصحاب المتاجر، وباعة الوقود غير الرسميين، والمتعاملين بالعملة الصعبة، على تعليق نشاطاتهم.

في هذه الأثناء، وجد مئات التونسيين العاملين في ليبيا الذين يحاولون العودة إلى بلادهم أنفسهم عالقين أمام معبر رأس جدير. وقد دفعهم الأمن وإجراءات الحجر إلى الانتظار لأسابيع أمام هذا المعبر الحدودي قبل أن يسمح لهم بدخول الأراضي التونسية.

بالإجمال، فاقمت جائحة كورونا التوتر الاقتصادي على طول الحدود التونسية، وأظهرت مدى الحاجة الماسة إلى تعزيز التنسيق بين الحكومة المركزية وبين بلديات المدن الحدودية، كي يكون بالإمكان تدبّر أمر الأمن والطوارئ الصحية على نحو أكثر فعالية.

ملاحظة حول منهجية العمل

استندت هذه الدراسة إلى مقابلات مع تجار، ومهربين، وبائعي بنزين مُهرّب، ونشطاء في المجتمع المدني، وأيضاً أعضاء في هيئات تجارية، والمجلس البلدي في بنقردان، والأجهزة الأمنية التونسية.

أُجريت الدراسة في مدينتي بنقردان ومدنين التونسيتين في صيف 2019. تشكّل هذه المقابلات العمل الميداني الخاص بهذه الدراسة، والتي استُكملت بالملاحظات الشخصية للمؤلف.

تأريخ الأحداث

1988: إعادة فتح الحدود التونسية- الليبية بعد إغلاق دام ثماني سنوات.

1992– 2003: ليبيا تخضع إلى عقوبات الأمم المتحدة ومقاطعة دولية. “الخط” يلعب دوراً حاسماً في تزويد ليبيا بالمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.

20032011: ليبيا تعود إلى دورها كمركز إقليمي لاستيراد وإعادة تصدير شتى السلع إلى البلدان المجاورة. يجري استيراد السلع الاستهلاكية والأدوات المنزلية والأقمشة والمعدات من الصين وبلدان أخرى في شرق آسيا ويُعاد تصديرها إلى تونس.

يلعب البنزين الرخيص، الذي يُهرّب معظمه عبر الحدود من خلال “الكونترا”، دوراً رئيساً في دعم الاقتصاد التونسي، فيما تُصدّر تونس أساساً المواد الغذائية إلى ليبيا.”الخط” يعزّز صمود كلا النظامين.

يناير 2011: سقوط الرئيس التونسي المخضرم بن علي.

فبراير 2011: اندلاع الانتفاضة الليبية.

فبراير– أغسطس 2011: الثوّارالليبيون يواجهون نظام القذافي. السلطات التونسية تتصرّف ببراغماتية، وتسمح للمهربين بالعمل عبر ممرات اقتصادية غير رسمية مع كلا الطرفين المتحاربين.

أغسطس 2011: طرابلس تسقط في أيدي الثوّار.

20122014: تصاعد التنافس بين مراكز القوى في غرب ليبيا، من دون أن يتسبّب ذلك في عرقلة أساسية لتدفق السلع والنفط إلى تونس.

2013: الجيش التونسي يقيم منطقة عازلة حول الطرف الحدودي الجنوبي من البلاد، حيث تتقاطع تقريباً الحدود مع ليبيا والجزائر.

2014: نزاع جديد يندلع في ليبيا. البلاد تنشطر إلى معسكرين متنازعين، وبروز حكومتان متنافستان في طرابلس وطبرق.

2015: الجيش التونسي يحفر خندقاً رملياً مزدوجاً على طول 250 كيلومترا في حدود تونس مع ليبيا لمنع التسلل.

2016: تونس تغلق معبر رأس جدير لمدة ستة أشهر تقريباً، ما يؤدي إلى توقف التجارة تماماً تقريباً. تثير الخطوة موجات من الاحتجاجات الشعبية لسكان بنقردان والمناطق المحيطة بها.

وفي ليبيا، تؤدي أزمة مصرفية، سببها تدهور إنتاج النفط وهبوط العائدات، إلى المزيد من التأثيرات السلبية على التجارة عبر الحدود.

2017: شركة النفط الوطني الليبية المتحالفة مع حكومة الوفاق تشكّل وحدة عسكرية ضد التهريب لمكافحة تحويل مسارات البنزين. الاقتصاد الحدودي يتأثر بشدة، والمناطق الحدودية التونسية تنزلق نحو لجج الإفقار.

تشن مجموعات تونسية مرتجلة مبادرات شعبية للتفاوض حول اتفاقات تجارية مع البلديات والمجالس القبلية الليبية. نسخة معدّلة من اتفاقية كانت قد وُقعت مع زوارة بين بنقردان وبلديات ليبية تشقّ طريقها إلى التنفيذ، ما ينعش التجارة.

2018: مبادرات قاعدية من جانب مناطق حدودية تونسية لإنعاش الاقتصاد الحدودي الراكد، يتلقى دعماً جديداً بفضل التشكّل غير المسبوق لمجالس بلدية منتخبة ديمقراطياً في كل أنحاء تونس. المجلسالبلدي في بنقردان يتحرك فوراً من خلال التفاوض على تغييرات في بنود اتفاقية الزاوية التي تؤثّر على نحو خاص على بنقردان وزوارة.

*****

أُنجزت هذه الدراسة بدعم من شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية التي تشكّل جزءاً من برنامج الصراعات العابرة للحدود – الأدلة والسياسات والاتجاهات التابع لوزارة الخارجية والكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة، والمموّل من الحكومة البريطانية من خلال مشروع.

شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية هي ثمرة شراكة بين كلٍّ من مؤسسة آسياومركز كارنيغي للشرق الأوسط ومعهد الأخدود العظيم، وهي تهدف إلى إجراء الأبحاث الآيلة إلى تحقيق فهم أفضل لأسباب النزاعات في المناطق الحدودية وتأثيراتها وأبعادها الدولية، ودعم اعتماد أساليب أكثر فاعلية لصنع السياسات، وإعداد البرامج الإنمائية، وبناء قدرات الشركاء المحليين.

إن المحصلات، والتفسيرات، والخلاصات الواردة في هذه الدراسة تعبّر برمتها عن وجهات نظر المؤلّفين، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز كارنيغي للشرق الأوسط أو حكومة المملكة المتحدة.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.

***

حمزة المؤدّب ـ باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

_____________

مركز مالكوم كير ـ كارنيغي للشرق الأوسط