Minbar Libya

ويؤيدون السلام مع إسرائيل ويحاربون أي رئيس منتخب

أصبح المداخلة قوة ضاربة في العالم العربي، يلعبون دوراً في تحديد مصير بلد مهم كليبيا، وأداة بيد الأنظمة في مواجهة الديمقراطية وثورات الربيع العربي.

فما هي قصة المداخلة، كيف نشأوا، ولماذا تبدو أفكارهم متناقضة مع ثوابت الفكر الإسلامي؟

الجزء الثاني

لماذا يرفضون تأسيس جماعات؟

وتتمايز المدخلية عن غيرها من التيارات السلفية في أنها تعتبر أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان؛ ومن ثم فهي تشن هجوماً حاداً على أي عمل جماعي، وتناهض الجماعات الإسلامية والحزبية؛ لأنها ضد مفهوم الجماعة في رأيهم؛

ومن ثم فهم “خوارج” على النظام، ومبتدعون في الدين، وهجومهم عليهم يهدف إلى إنهاء الفرقة في الأمة والتفافها حول سلطانه.

ووفقاً لهذه الرؤية فتكوين الجماعات في حد ذاته هو عين الخروج على الحاكم الذي ينهى عنه الدين، والدعوة إلى الاعتصامات والمظاهرات والعصيان المدني من أفعال الخوارج، وهم لايعتبرون الأفعال فقط خروجاً، بل الكلمات المعارضة أيضاً، فالذي يدعو إلى الخروج وهو لم يخرج فهو خارجي، وأخبث الخوارج في رأيهم من يسمونهم “الخوارج القعدية“، والخروج الأصغر هو الخروج بالكلمة وفقاً لوجهة نظرهم.

ويؤكد محمد يسري، أحد تلاميذ ربيع المدخلي في مصر والباحث السلفي المتخصص بالعقائد والمذاهب الإسلامية، عدم وجود تنظيم أو جماعة باسم المداخلة، ولكنه يقول إن هناك عدداً كبيراً من أبناء الفكر السلفي في العالم العربي ممَّن لديهم توافق منهجي في كثير من المسائل مع منهج الشيخ ربيع المدخلي، خاصة في المسائل العقدية التي تشمل مباحث التوحيد والعقيدة ورفض الأحزاب والجماعات.

ويشير يسري إلى أن التلاقي العلمي حول الكثير من المسائل التي تشكل منهجاً مستقلاً يخلق تياراً حقيقياً على الأرض له شيوخه في كل الدول العربية والإسلامية، خاصةً السعودية ومصر وليبيا والأردن والسودان ودول الشمال الإفريقي.

ويوضح يسري أن مواسم الحج في السعودية تشهد لقاءات طلاب علم ومشايخ من أنحاء العالم كافة مع الشيخ ربيع المدخلي؛ ليحضروا دروسه ويتعرفوا على فكره عن قرب، وهو الأمر الذي ساهم كثيراً في نشر منهجه.

فأصبح له تلاميذ ومؤيدون من أنحاء العالم كافة، يطلق عليهم في وسائل الإعلام اسم “المداخلة”، نسبة إلى الشيخ ربيع، أو الجامية نسبة إلى الشيخ محمد أمان الجامي، و”كلاهما صاحب مدرسة واحدة”، على حد تعبيره.

فكر مليء بالجمود

يرى الداعية الإسلامي المصري والباحث في شؤون الحركات الإسلامية الشيخ محمد عبدالسلام دحروج، أن فكر الشيخ ربيع المدخلي مليء بالجمود مثله مثل الفكر السلفي بشكل عام؛ وذلك لتقييده حركة أي عقل خارج نطاق المنهج المحدد له، “فبسهولة جداً يتم اتهام أي شخص يفكر خارج إطار الفكر المدخلي بأنه مبتدع”.

ويوضح دحروج أن أهم ما ينتقده في فكر المدخلي هو رفضه للأحزاب وتحريمه للديمقراطية، “رغم أن الأمر برمَّته مجرد نظام سياسي لا علاقة له بالدعوة أو الدين“.

هذا بجانب “تقديسه للحكام وإنزالهم منازل الرسل والأنبياء، وهذا أمر غير صحيح ولم ينص عليه الإسلام أو يوجبه على المسلمين“.

وتابع أن “الأوضاع السياسية المعاصرة تجعل الحكام أشخاصاً يختارهم الشعب كي يمثلوه ويعملوا لصالحه لا خلفاء كما كان الحال في عهد الرسول والصحابة”.

وحذّر دحروج من انتشار هذا الفكر؛ لكونه يقود إلى التشدد، “خاصةً أنه يُدخل كل مَن ينتمي إلى هذه المدرسة في عداء مع أي مسلم يختلف مع أفكارها، كالمسلم الذي ينضم إلى أحزاب، أو المسلم الذي يعارض الحكام، وهذه أمور سياسية مكفولة تكفلها الدولة والحاكم، ولا يحرّمها الشرع”.

موقفهم من الربيع العربي

إضافة لتأييد الحكام، بنى ربيع المدخلي مدرسته أيضاً على فكرة رفض الثورات والتظاهرات.

ومن هنا، فإن كل مَن نهج نهجه يحرّم التظاهرات ويرى أن الثورات التي شهدها العالم العربي ليست ربيعاً عربياً كما أُطلق عليها؛ بل فوضى يرفضها الإسلام، وكل مَن قال بذلك يحسبه خصومه على المدخلية.

في محاضرة للشيخ محمد سعيد رسلان أحد أبرز الوجوه المدخلية، بتاريخ 4 فبراير 2011، بعنوان “حقيقة ما يحدث في مصر”، يقول: “ما يحدث في مصر الآن إنما هو جزء من تلك الخطة التي بشَّر بها أحبار الماسون وأنبياء إسرائيل وشيوخ صهيون في موسوعات ودراسات ومؤتمرات وفي أسفار التوراة والأنبياء والملوك والتواريخ والمزامير، وتخص خطة المهندس الأقدس مصر- نعم مصر- بالنصيب الأوفر من رجس الخراب، ولو سلمنا أنكم- أيها الشباب- أسقطتم الدولة مع ما يكون في جراء ذلك من إهلاك الحرث والنسل وتعطيل المصالح، وإضاعة الثروات، وإضعاف الأمة أمام أعدائها فلمن تسلمونها؟”.

الموقف من بشار الأسد

وللشيخ ربيع المدخلي درسٌ شهير هاجم فيه الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الليبي معمر القذافي وما يحدث في سوريا وليبيا من “فتن”، وبرّأ الإسلام من “الجاهليات التي يرتكبها هذان النظامان في البلدين وحكامهما”.

ولكنه لم يتوقّف عند ذلك الحد؛ بل صرّح برفضه لكل التظاهرات في هذين البلدين، واعتبر أن خصوم النظامين من “دعاة الحرية والديمقراطية والمتسببين في هذه الفتن” يشاركون في أوزار ما يحدث، محذراً السلفيين من المشاركة في المذابح.

وبعيداً عن السياسة، يرفض الشيخ ربيع المدخلي الصوفية بطرقها كافة، ويصف قياداتها وأتباعها بـ”القبوريين“، كما يتهم عقيدتهم بأنها مليئة بالشركيات والكفريات المخرجة من ملة الإسلام، وأبرز ما يؤاخذهم عليه ما يقول إنه توسلهم بالأولياء من دون الله، وتقديسهم لمقابر علمائهم.

في ليبيا، السلفية المدخلية تتمرد على الحاكم الشرعي وتؤيد الجنرال الخارج

كان للشيخ ربيع المدخلي موقف لافت من الأحداث في ليبيا. فبعد إصداره رسالة يدعو فيها تلامذته في ليبيا إلى اعتزال الأحداث والاكتفاء بالعمل الدعوي، خرج برسالة أخرى بتاريخ 10 يوليو 2016، دعاهم فيها إلى الالتفاف لصد هجوم الإخوان.

ورأى سلفيون أنها دعوة صريحة إلى التعاون مع ميليشيات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، وهو ما حدث بالفعل وأصبح سلفيون كثر في ليبيا جزءاً لا يتجزأ من قوات حفتر، حيث لعبوا بحماستهم الدينية دوراً مهماً في قوات حفتر المجمَّعة من أشتات غير متجانسة يغلب عليها البحث عن المصلحة والمال.

في مصر وليبيا ظهر تناقضهم الأكبر

يقدم المداخلة أنفسهم على أنهم حماة الشرعية والاستقرار عبر تأييدهم للحكم القائم، حتى لو كان مستبداً ظالماً لا يطبق الشريعة، ولكن الغريب أنهم في الحالة المصرية كانوا يشجعون التمرد على الرئيس المنتخب محمد مرسي حتى إن أسامة القوصي الذي سُمي المداخلة باسمه في مصر، وصف حركة “تمرد” التي كانت تجمع توقيعات لعزل مرسي عن الحكم، بأنها “بُشرة خير” ومحاولة لتصحيح المسار الثوري (الذي سبق أن هاجمه بعد أن عُزل مبارك).

وفي ليبيا، فإن حكومة الوفاق هي الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وضمن ذلك من السعودية ومصر والجامعة العربية (رئيسها فايز السراج مثَّل ليبيا في القمة العربية الـ29 بالسعودية والتقى السيسي هناك).

فلماذا لم تؤيد المدخلية مرسي ولماذا تحارب مع حفتر ؟

تُظهر هذه المواقف المتناقضة الطبيعة الكامنة للمدخلية، وهي قائمة على أربع أسس:

أولا:العداء للديمقراطية، فالحاكم الشرعي يجب أن يكون قد جاء بالغلبة، وبينما الغلبة في التاريخ الإسلامي قبِلها أغلب المسلمين اضطرارياً؛ خوفاً من الفتنة (الخلفاء الراشدون لم يأتوا بالغلبة)، ولكنها بالنسبة للمدخليين هي الأساس.

ثانيا: العداء لكل الحركات الإسلامية المنظمة سواء سلفية أو غير سلفية (العداء الأكبر للإخوان)، رغم أن المدخلية فعلياً تحوَّلوا إلى تيار وجماعات متعددة منظَّمة رغم إنكارهم ذلك.

ثالثا: ولاء المدخلية الأساسي ليس لقضية الشريعة ولا حماية المجتمع من الفوضى والفتنة، والدليل تأييدها للتمرد ضد مرسي، ولكن ولاءها الأساسي لأنظمة الحكم التقليدية، أو الدولة العميقة في العالم العربي حتى لو خرجت من السلطة (يطلق عليهم في هذه الحالة في مصر الفلول، وفي ليبيا الأزلام).

فموقف المدخلية من الولاء للدولة العميقة الملكية والعسكرية، نابع من أسباب عقائدية ونفسية موجودة لدى قطاعات كبيرة من السلفيين وحتى المجتمعات العربية عامة، ترى في العسكر والأسر الملكية النخب الحاكمة الطبيعية للمجتمعات.

فبعد عقود طويلة من الحكم العسكري في أغلب الدول العربية والحكم الملكي في السعودية، باتت هناك عقدة نقص لدى البعض تجاه هذه النخب، ويضاعف هذا التوجه أن المداخلة يرون أن أي جماعة إسلامية أخرى هي الخصم الرئيسي، ومن ثم فوصول هذه الجماعة للسلطة هزيمة لهم.

رابعا: أهم ما يربط المداخلة بالأنظمة العربية العلاقات الأمنية والاستخباراتية، وإخلاء هذه الأنظمة الساحة للمداخلة للعمل الديني بعد إزاحة المنافسين سواء سلفيين آخرين (حتى لو غير جهاديين) أو إخواناً أو غيرهم، فالمنفعة متبادلة بين المداخلة والأنظمة العربية، وقد أثبت المداخلة أنهم استثمار جيد للأنظمة.

ففي السعودية لعبوا دوراً مهماً في إضعاف تيار الصحوة (الذي كان مستقلاً أو شبه معارض)، ولكن في ليبيا كان دورهم أوضح أكثر من أي بلد عربي، فقد أثبتوا أنهم المقاتلون الأكثر حماسة في دعم حفتر لدرجة صعوبة ضبطهم ووقف جرائمهم وتهديداتهم التي امتدت حتى إلى تونس المجاورة.

________________