Minbar Libya

بقلم محمد المختار الشنقيطي

تقدم الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الثامن من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، وتبحث أفكار جمال حمدان عن الجغرافيا السياسية الليبية، وهي أفكار برهنت على قيمتها وصلابتها مع الزمن، خصوصًا مفهومي “الثنائية الإقليمية” و”الأبعاد الأربعة”.

الجزء الأول

تسعى الدراسة إلى تجريد أفكار حمدان مما لابسها من مواقف ظرفية وتحيزات عرقية، وإضافة بُعدٍ خامس إليها هو البُعد الأناضولي.

تطمح هذه الدراسة إلى تقديم عرض مُكثَّف للأفكار والتحليلات التي قدَّمها عالم الجغرافيا المصري الشهير، جمال حمدان (1928-1993)، عن الجغرافيا السياسية الليبية، والكشف عن دلالاتها السياسية والاستراتيجية المتجددة، المُعِينة على فهمٍ أعمقَ للصراع في ليبيا وعليها اليوم، ووضْعِها في سياقها التاريخي، بناءً على ما تراكم من معارف بعد صدور كتابه عن ليبيا، الذي يناهز عمره نصف قرن.

وتعتمد الدراسة منهج التحليل السياقي المقارِن، فهي تفحص ارتباط نص حمدان عن ليبيا بسياقات الزمان والمكان، وتضعه في سياق الفكر الحمداني بشكل عام، وتقارنه أحيانًا بدراسات مؤلفين آخرين عن الجغرافيا الليبية والتاريخ الليبي، في مسعى للتمييز بين ما صمَد من آراء حمدان وتحليلاته على مدى العقود، وما كان منفعلًا فيه بالسياقات السياسية الظرفية، أو متأثرًا بالخيارات الأيديولوجية التي تبنَّاها، مع الحرص على تجنب الخطايا الكلاسيكية في الجغرافيا السياسية، خصوصًا الجبرية المكانية، والمركزية العرقية.

تبدأ الدراسة، التي أعدَّها الدكتور محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الفكر السياسي في جامعة قطر، بمدخل عام يُبيِّن الملامح العامة للفكر الجغرافي لدى حمدان، ومنهجه الفكري المتفرِّد في دراسة الجغرافيا السياسية، ثم يمتد صُلْب الدراسة باسطًا أمَّهاتِ القضايا التي طرحها حمدان في دراسته للجغرافيا السياسية الليبية، والمفاهيم الأساسية التي شكَّلت مفاتيح تصوره التحليلي في هذا المضمار.

كما تتضمن الدراسة تحفظاتٍ مبدئيةً على بعض ما ذهب إليه حمدان، ومراجعاتٍ نقديةً لبعض ما طرحه، ثم تنتهي الدراسة بخلاصات عن بعض الأفكار الباقية من تأملات حمدان في الجغرافيا السياسية الليبية، وبعض الدلالات الاستراتيجية للأفكار التي طرحها، وسبُل استثمار تلك الأفكار في إخراج ليبيا من أزمتها الحالية، وفي تحقيق العدل والحرية للشعب الليبي طبقًا لمبادئ ثورة 17 فبراير/شباط 2011.

خصائص الجغرافيا السياسية الليبية الثابتة

توصل البحَّاثة، جمال حمدان، في دراسته للجغرافيا السياسية الليبية إلى بعض الخصائص الثابتة التي تحدد موضعها وموقعها وأبعادها، ويجملها الدكتور محمد المختار الشنقيطي في السمات الآتية:

أ– شريط ونواتان وغلافٌ

من حيث الموضِع: استقرأ حمدان بنية ليبيا الجغرافية الداخلية، بحثًا عن “القاسم المشترك في جغرافية ليبيا السياسية التاريخية”، فوجدها بلدًا فسيحَ الأرجاء، هشَّ البناء، قليل السكان، يتركَّز سكانه على الشريط الساحلي الممتد من طرابلس غربًا إلى طبرق شرقًا، فـ”هذا النطاق المتوسطي هو القطاع المعمور الفعَّال حقيقةً في ليبيا… وهو النواة النووية للدولة”.

إنه “ذلك الكورنيش الحاسم والحاكم، شارعُ ليبيا الرئيسي والشرياني”.

وبغضِّ النظر عن التقسيمات الإدارية التي تتابعت على ليبيا منذ الاستقلال إلى اليوم، من الولايات الثلاثة في العصر الملكي، إلى المحافظات العشرة بعد ذلك، فإنها تنقسم طبيعيًّا -في نظر حمدان- إلى أربعة أقاليم في شكل أربعة مربعات، هي: طرابلس، وفزَّان، وبرقة، والكفرة.

على أن إقليم فزان يمكن إلحاقه جغرافيًّا بإقليم طرابلس، وإقليم الكفرة يمكن إلحاقه بإقليم برقة.

وبذلك، يختزل حمدان الجغرافيا الليبية في شطرين كبيرين، لكل منهما نواة معمورة وحوض صحراوي يحيط بها: “نواتَا طرابلس وبرقة في الشمال، ثم حوْضَا فزَّان والكفرة في الجنوب“.

فإقليم طرابلس هو نواة الشطر الغربي ومحيطه هو فزان، وإقليم برقة هو نواة الإقليم الشرقي ومحيطه هو صحراء الكفرة.

ويختلف إقليم فزان -المعمور نسبيًّا- عن صحراء الكفرة، ومع ذلك، فإن “المعمور الليبي الحقيقي إنما هو نواتا طرابلس وبرقة“. أما صحراء الكفرة فنسبة المعمور منها ضئيلة جدًّا، ولذلك وصفها حمدان بأنها “الرُّبع الخالي الليبي“، تشبيهًا لها بصحراء الربع الخالي الشاسعة، التي تغطي الجزء الجنوبي الشرقي من السعودية.

وقد أنتجت الكثافة السكانية المفرطة على الساحل المتوسطي الليبي اختلالات بنيوية عميقة؛ ذلك أن “القلب السياسي الحيوي النابض للدولة يقع على ضلوعها [على الشريط الساحلي]، بينما القلب الجغرافي النظري أو الهندسي هو قلب ميتٌ تقريبًا من الناحية البيولوجية”.

وأدت هذه الاختلالات الديمغرافية إلى تفاوت في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بين الشمال الساحلي والجنوب الصحراوي، ونما جرَّاء ذلك إحساس بالغبن في الغلاف الصحراوي الجنوبي، الذي يشكِّل القسم الأعظم من الجغرافيا الليبية، رغم عدد سكانه الضئيل نسبيًّا.

وقد تحدث حمدان عمَّا وصفه بـ”إهمال الأطراف” في ليبيا، ولاحظ وجود “فارق كبير بل حادفي مستوى الحضارة، والخدمات، والاهتمام، بين السواحل والدواخل“، أي بين سكان الشريط الساحلي المتوسطي وسكان الفضاء الصحراوي الشاسع، رغم أن الصحراء الليبية ليست عبئًا على الدولة، فقد ظهرت فيها بعض ثروات النفط والغاز، كما أنها “غلاف لنواة الشمال يحميها بالعمق الاستراتيجي“. وقد اتضح ذلك جليًّا أيام جهاد الشيخ الشهيد، عمر المختار، للاستعمار الإيطالي.

ب– ثنائية إقليمية مزمنة

من معالم الجغرافيا السياسية الليبية ظاهرة “الثنائية الإقليمية” بين الغرب الطرابلسي، والشرق البرقاوي. وهي ظاهرة ضاربة الجذور في الجغرافيا الليبية والتاريخ الليبي، ولها أبعاد سياسية واجتماعية واستراتيجية كبيرة في الصراع الحالي في ليبيا، وعلى ليبيا.

وقد توقَّف جمال حمدان طويلًا عند هذه الثنائية، وكان من نفاذ بصيرته إدراكُه أن هذه الثنائية الإقليمية بين شرق ليبيا وغربها هي “أخطر هذه الجبهات وأثقلها بالنتائج“.

وكأنما يعيش حمدان بين ظهرانينا اليوم، يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي، ويتابع يوميات الحرب الليبية الدائرة، والانشطار السياسي الحالي بين شرقها وغربها، رغم أنه توفي منذ نحو ثلاثة عقود، وكتب هذا الكلام منذ نحو نصف قرن.

فما قصة الثنائية الإقليمية في ليبيا؟

وما جذورها التاريخية، وأبعادها الجغرافية، وآثارها المستقبلية؟

يفْصِل بين الشطرين الليبيين الكبيرين، الغربي الطرابلسي والشرقي البرقاوي، خليجُ (سرت) -الذي يتمدد البحر المتوسط من خلاله فيما يشبه المثلَّث المائي داخل التراب الليبي- ثم الفاصل الصحراوي الممتد منه جنوبًا إلى نهاية الحيز الجغرافي الليبي.

وقد شكَّل هذا الحاجز الطبيعي -تاريخيًّا- معضلة وعائقًا من عوائق الوحدة السياسية الليبية، خصوصًا قبل اكتشاف النفط.

وقد كشف حمدان الجذور التاريخية لهذه الثنائية الإقليمية الضاربة الجذور في تاريخ ليبيا السحيق، ولاحظ ظاهرة “الثنائية السياسية” الداخلية، و”الاقتسام الثنائي” الخارجي للأرض الليبية بين القوى المحيطة بها، مستغلة هذه الثنائية الداخلية المزمنة، كلما ضعفت السلطة المركزية الليبية.

وفي ذلك يقول حمدان: “من أبرز -إن لم تكن أبرز- ملامح التاريخ الجيوبوليتيكي لليبيا اقتسامُها مرارًا وتكرارًا بين أكثر من قوة خارجية، أو استعمار أجنبي، في وقت واحد. وكان هذا الاقتسام عادة ينصرف إلى برقة وطرابلس في الدرجة الأولى. فنحن نستطيع أن نحصر سبع أو ثماني حالات على الأقل وقعت فيها برقة لقوة أجنبية، في حين خضعت طرابلس لقوة أخرى. على الترتيب:

  1. برقة الفرعونية مقابل طرابلس الفينيقية،
  2. برقة الإغريقية وطرابلس القرطاجَنِّيَّة،
  3. برقة البطلمية وطرابلس الرومانية،
  4. برقة بيزنطة وطرابلس روما،
  5. برقة فارس وطرابلس الفاندال،
  6. برقة الفاطمية وطرابلس إفريقية [=تونس]، وأخيرًا،
  7. برقة العربية وطرابلس النورمان والإسبان”.

وقد دفع هذا الاستقراء التاريخي حمدان إلى الاقتناع بأنه “لا يمكن لهذه الثنائية الملحَّة المتوتِّرة أن تكون مجرد صدفة تاريخية، بل لابد أنها بصورة ما تركيبٌ ما أصيل في كيان ليبيا الطبيعي، هو بلا شك الثنائية الإقليمية بين هاتين الجزيرتين المتباعدتين اللتين تفصل بينهما شُقَّة صحراوية شاسعة”.

وربما لم يكن إعلان السنوسيين تأسيس إمارة برقة دولة مستقلة، عام 1949، بعيدًا عن طرابلس والإقليم الغربي، سوى عرَض من أعراض هذه الثنائية الإقليمية المزمنة في ليبيا.

ج– وحدة رغم الثنائية

ومع ملاحظة حمدان أن ظاهرة الثنائية الإقليمية تركيبٌ أصيلٌ في الجغرافيا السياسية الليبية، فقد نبَّه إلى أن ليبيا -رغم ذلك- ظلت كيانًا سياسيًّا واحدًا، عبر حقب تاريخية متطاولة، خصوصًا إبان الحكم الروماني والحكم العثماني.

فالوحدة السياسية الليبية ضاربة الجذور في أعماق التاريخ؛ إذ ترجع جذورها إلى العصر الروماني، فقد حكم الرومان حوض البحر المتوسط كله بعد استيلائهم على بلاد اليونان على الضفة الشمالية من المتوسط، وعلى الساحل الإفريقي الممتد على ضفته الجنوبية.

وفضلًا عن وحدة الجغرافيا الليبية، فإنها تتسم بانسجام البناء أيضًا؛ فلا يُقِرُّ حمدان بوحدة الجغرافيا السياسية الليبية فحسب، بل يلاحظ كذلك أن “شكلها الهندسي منتظمٌ”، كما هي الحال في دولة مثل مصر، ذات هوية جغرافية وسياسية متماسكة وضاربة الجذور في التاريخ.

وفي ذلك، يقول حمدان: “لا شكَّ أن أبرز ما يميز الشكل الجغرافي للدولة [الليبية] اليوم هو الانتظام والاندماج الشديد؛ فليبيا تخرج برقعة سياسية مندمجة ملمومة إلى أقصى حد، تخلو تمامًا من الزوائد والأطراف، أو الأسافين والجيوب الهامشية، بحيث يكاد الشكل الجغرافي للدولة أن يكون مثاليًّا تقريبًا، شأنه في ذلك كثيرًا شأن مصر، المثَل الكلاسيكي لشكل الدولة النموذجي في كتب الجغرافيا السياسية”.

الأبعاد الليبية الأربعة

تطبيقًا لنظريته في الأبعاد المتعددة، وجد حمدان أن ليبيا ذاتُ أبعاد أربعة، يمثل كلٌّ منها دائرةً من العلائق التاريخية؛ وهي:

  • دائرة المغرب العربي،
  • ودائرة المشرق العربي،
  • ودائرة البحر المتوسط،
  • ودائرة الصحراء الكبرى.

وتمتد أوروبا وراء الدائرة المتوسطية، وإفريقيا وراء الدائرة الصحراوية.

وتشكِّل كلٌّ من هذه الدوائر الأربعة بُعدًا من أبعاد الذات الليبية، فلا يمكن فهم الجغرافيا السياسية الليبية، والتاريخ السياسي الليبي، دون أخذ هذه الدوائر كلها في الاعتبار.

فهذه الأبعاد الجغرافية والتاريخية هي عصارة الكينونة الليبية “ومن توازنات الشد والجذب بينها تخرج وجهةُ البلد الطبيعية، ويتشكَّل وجهها البشري، وشخصيتها الإقليمية، كما تتحدد بوصلتها السياسية”.

وقد قدَّم حمدان تقييمًا لكل من هذه الأبعاد الأربعة، وأهميته لليبيا على الترتيب:

البُعد المغربي (أو المغاربي بلغتنا اليوم) هو أهم هذه الأبعاد، وهو عمقُ ليبيا التاريخي والبشري؛ ولذلك “يأتي البُعد المغربي في الطليعة من أبعاد ليبيا جميعًا. فمن دائرة المغرب -قطبِ الأساس بلا جدال- استمدَّت ليبيا سكانها الأصليين جنسًا ولغةً وهم البربر [=الأمازيغ]، كما تحدَّدت معظم ملامح حضارتها وطريقة حياتها اليومية”.

– ويلي ذلك في الأهمية البعد المشرقي لليبيا، الذي يربطها بمصر والجزيرة العربية، والمشرق العربي بشكل عام. فهذه الدائرة المشرقية “هي الثِّقل المقابل والمغناطيس المضاد [للبُعد المغاربي]، دون أي تعارض أو تناقض مع ذلك. منها استمدَّت ليبيا عروبتها وإسلامها، أو ثقافتها وعقيدتها، بينما كانت ليبيا هي التي قدَّمت العرب والإسلام إلى المغرب وقدَّمته إليهما”.

– ثم يلي ذلك البعد الشمالي البحري، وهو بعدٌ مهم “ارتبطت فيه [ليبيا] وقواها منذ فجر التاريخ”. لكن هذا البعد كان مصدر تهديد تاريخي لليبيا، كما يقول حمدان؛ حيث كثيرًا ما كانت العلاقة بين ليبيا وجوارها البحري الشمالي “استعمارًا داميًّا، إما استيطانيًّا وإما استراتيجيًّا، إما نهبَ قراصنة، وإما غاراتٍ صليبيةً“. لكن هذا البعد يحمل فرصًا مهمة؛ إذ “يمكن أن يتطور إلى المشاركة في مشروع وحدة البحر المتوسط، والتعاون بين دول الشرق الأوسط ودول غرب أوربا”.

– وأخيرًا يأتي البعد الجنوبي الصحراوي الذي يربط ليبيا بجوارها الإفريقي. ويرى حمدان أن هذا البعد هو “أضعفُ أبعاد ليبيا” وأنه كثيرًا ما كان مصدر خطر عليها “منذ القديم” كما هو شأن بُعدها الشمالي البحري. ومع ذلك، “يعطي هذا البعد الإفريقي لليبيا مكانًا ومكانة ملحوظيْن في الوحدة الإفريقية، وفي تدعيم العلاقات العربية-الإفريقية”.

وبجانب فكرة الأبعاد الأربعة والمحورين الأفقي والرأسي، يرى الدكتور محمد المختار الشنقيطي أن هناك بعدًا مفقودًا في تحليل حمدان للجغرافيا السياسية الليبية، وهو البعد الأناضولي.

فبدلًا من الحديث عن أبعاد أربعة لليبيا، ربما يكون الأدق الحديث عن أبعاد خمس: ثلاثة أبعاد برية (المشرقي والمغربي والإفريقي) وبعدان بحريان (أناضولي وأوروبي).

لكن حمدان لم يمنح البعد الأناضولي حقه من الاهتمام، رغم عمقه التاريخي وأهميته الاستراتيجية. ويكفي دلالة على أهمية هذا البُعد ما أشرنا إليه من قبلُ من حُكم عثماني -مباشر وغير مباشر- لليبيا على مدى أربعة قرون، وصيانة العثمانيين للأرض الليبية على مدى تلك القرون من القوى الأوروبية الصاعدة، المحمَّلة بدوافع الثأر التاريخي والنفوذ الاستراتيجي.

إن حمدان وضع البعد الأناضولي ضمن البعد البحري الشمالي، ونظر إلى كل ذلك بمنظور الاحتلال الأجنبي للأرض الليبية، وهو في ذلك يقول: “رغم أنها جاءت مدعوَّة للتحرير، فإن القوة التركية تحوَّلت بالأمر الواقع إلى استعمار تقليدي، وإن يكن من نوع خاص هو الاستعمار الديني، تمامًا كما حدث في الجزائر من قبل وتونس من بعد”.

وهذه –في نظر الباحث- زلَّة كبيرة من حمدان، تتجاهل الفارق الكبير بين العثمانيين الذين جاءوا إلى ليبيا لتخليصها من تسلط “الفرسان الصليبيين” من الطليان والإسبان، وبين القوى الأوروبية المعادية للشعب الليبي، دينًا وحضارة وثقافة.

كما أن الحديث عن “استعمار ديني” في هذا السياق يتناقض تمامًا مع ما أقرَّ به حمدان نفسه من “دور الدين في الصراع والوعي القومي في المغرب العربي كله”، ومع ما لاحظه باحثون غربيون مختصون في الشأن الليبي من عمق الإيمان بالوحدة الإسلامية في ثقافة الليبيين.

ويندرج هذا الموقف السلبي من حمدان تجاه البعد الأناضولي لليبيا ضمن منظور سلبي تجاه الأتراك وكل ما له صلة بهم. وهو يتجاهل الإسهام التركي العظيم في الذبِّ عن حياض الإسلام وبناء الحضارة الإسلامية نحو تسعة قرون، من تنصيب أول سلطان سلجوقي في بغداد عام 1055 إلى عزل آخر سلطان عثماني عام 1924.

يتبع في الجزء الثاني

***

د. محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الفكر السياسي في جامعة قطر

_______________