Minbar Libya

بقلم محمد المختار الشنقيطي

تقدم الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الثامن من مجلة لباب، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، وتبحث أفكار جمال حمدان عن الجغرافيا السياسية الليبية، وهي أفكار برهنت على قيمتها وصلابتها مع الزمن، خصوصًا مفهومي “الثنائية الإقليمية” و”الأبعاد الأربعة”.

الجزء الثاني

لا يكاد يخلو كتاب من كتب حمدان من التحامل والتحيز ضد الأتراك.

ففي كتابه “استراتيجية الاستعمار والتحرير” جعل حمدان الدولة الإسلامية حين حكمها العرب “إمبراطورية تحريرية“، بينما جعل الحكم التركي للعالم الإسلامي نوعًا من “الاستعمار الديني” للعالم العربي؛ حيث “جاء الأتراك في مسوح الدين الإسلامي وتحت قناعه!” كما يدَّعي حمدان، الذي يزعم أيضًا أن ما دعاه “الاستعمار التركي” لبلاد العرب كان “استعمارًا عقيمًا في نتائجه وإنجازاته”.

والحق أن الهوية التركية –في نظر الدكتور محمد المختار الشنقيطي- لا تختلف عن الهوية العربية في شيء: فكلا الشعبين تصدَّرا في تاريخ الحضارة الإسلامية، فاكتسبا هوية ديناميكية مفتوحة، واندمجت في أحشائهما أعداد لا تُحصَى من الشعوب الإسلامية الأخرى، وأصبحت جزءًا عضويًّا من تكوينهما.

وقد أقرَّ حمدان نفسه بأن “أغلب العالم العربي هم لغويًّامن المستعربين، لا من العرب أصلًا“.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن صُنَّاع مجد مصر الإسلامية -منذ الدولة الطولونية وحتى نهاية عصر المماليك- إنما هم الترك والكرد الأيوبيون، إذا استثنينا الحقبة الفاطمية.

وترجع جذور تحيزات حمدان ضد تركيا والأتراك إلى التمايزات القومية المعاصرة التي نتجت عن تفكيك الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وما ترتب عليها من تقطيع الأرحام التاريخية بين العرب والترك، وإدبار بعضهم عن بعض، ونسيان كثير منهم للتجربة الحضارية المشتركة التي جمعت بينهم على مدى القرون.

وفي كل الأحوال، فإن إسقاط مقولات الاستعمار والتحرير المعاصرة على إمبراطوريات إسلامية قديمة تجمع مختلف الأقوام الإسلامية غير موفَّق، وما كان ليقع فيه مفكر كبير بمستوى جمال حمدان لولا الهوى القومي، الذي أعمى كثيرًا من العرب والأتراك المعاصرين عن رؤية ما يجمع بينهم من أرحام دينية وتاريخية.

الدلالات الاستراتيجية المتجددة

تتسم العديد من أفكار حمدان عن الجغرافيا السياسية الليبية بالصلابة ومقاومة الزمن، فهي لا تزال تحافظ على قيمتها رغم مرور نحو نصف قرن على كتابتها، والسبب في ذلك هو منهجية حمدان التي تركِّز على العناصر الثابتة من الجسد السياسي، كالموضع والموقع والأبعاد.

وفي حالة كتابه عن ليبيا تحديدًا، فإن أفكار حمدان عن المربعات الليبية الأربعة، وعن النواتين وغلافهما الصحراوي، وعن مشكلة اتساع المساحة وندرة السكان، وعن أبعاد ليبيا المتعددة… لا تزال مفاتيح تحليلية ثمينة لأية دراسة سياسية أو استراتيجية للحالة الليبية.

ولا تزال بعض المعادلات الليبية التي تحدث عنها حمدان ثابتة نسبيًّا، فالاختلال بين الوفرة الجغرافية والندرة الديمغرافية لم تتغير كثيرًا منذ أن ألَّف حمدان كتابه قبل نحو نصف قرن، بل إن بعض الدراسات الليبية الحديثة نسبيًّا تشير إلى تراجع النمو الديمغرافي الليبي في العقود الأخيرة، ومنها دراسة للباحث والسياسي الليبي، نزار كعوان، لاحظ فيها تراجع النمو السكاني في ليبيا من 2.8% عام 1995 إلى 1.8% عام 2006، واعتبر “تهديد الفراغ السكاني” أحد التهديدات الاستراتيجية لمستقبل ليبيا، وعبَّر عن خشيته من أن يتم ملء هذا الفراغ من جهة الجنوب أو الشرق.

ويشير الباحث إلى بعض الدلالات الاستراتيجية المتجددة لأفكار جمال حمدان عن الجغرافيا السياسية الليبية، ويكتفي من ذلك بثلاث قضايا كبرى، محلية وإقليمية ودولية، وهي:

  • انبعاث الثنائية الإقليمية من جديد في ليبيا بشكل خطير يهدد وحدة البلاد،
  • والانزياح السياسي في أدوار الأبعاد الليبية وفي آثارها على ليبيا،
  • ثم تجدد التكالب الدولي على ليبيا فيما يشبه الأعوام السابقة على استقلالها.

أولًا: انبعاث الثنائية الإقليمية

إن إحدى أعظم المعضلات التي تعيشها ليبيا اليوم هي التجاذب السياسي الناتج عن الثنائية الإقليمية الضاربة الجذور في الزمان والمكان الليبييْن؛ فثنائية الغرب الطرابلسي والشرق البرقاوي إشكالية موغلة في القدم، وقد تولَّد عن هذه الثنائية -ولا يزال يتولَّد- عددٌ من الحساسيات الاجتماعية والثقافية التي تتجسد أحيانًا في شكل تجاذب سياسي يهدِّد كينونة الدولة الليبية ووحدتها.

وكثيرًا ما استغلت القوى الصاعدة في الجوار الليبي والقوى الدولية الطامعة هذه الثنائية، لإضعاف ليبيا، وتسهيل السيطرة عليها، أو على شطر منها على الأقل.

وربما يكون المدخل المناسب للتغلب على إشكالية الثنائية الإقليمية اليوم هو التعامل معها باستراتيجية من شقين: متناقضين في ظاهرهما، ومتكاملين في حقيقة الأمر.

أولهما: تدعيم قوة السلطة المركزية، من خلال بناء نواة عسكرية وأمنية وإدارية مهنية وصلبة، ومنقادة للسلطة المدنية الشرعية.

وليس هذا بالأمر السهل في ظل الاستقطاب السياسي والعسكري الحالي؛ حيث لا يزال بعض الليبيين متمسكين بسلاحهم بدوافع شتى، كما لاحظ إبراهيم فريحات، فبعضهم بسبب “ضعف الثقة في عملية الانتقال السياسي،” وآخرون بسبب “الحرص على إنقاذ ثورة 17 فبراير/شباط“.

وثانيهما: الشق الثاني من هذه الاستراتيجية هو المرونة السياسية في توزيع السلطة والثروة بما يرفع الإحساس بالغبن أو التميز، ويُنَمِّي روح الولاء للوطن الواحد.

فالانتهازية التي حكَم بها القذافي ليبيا أربعة عقود (1969-2011)، وضرْبه بعض مكونات المجتمع ببعض، رسَّخا البداوة السياسية، والرخاوة الإدارية، والانشطار الإقليمي؛ وهذا أمر يحتاج الليبيون إلى تداركه اليوم.

ومن غير علاج ناجع للثنائية الإقليمية، والاستقطاب السياسي والعسكري، سيظل خطرُ الاقتسام الثنائي تهديدًا للدولة الليبية، سواء جاء في شكل تقاسم ناعم للنفوذ، أو اقتسام صلْبٍ للجغرافيا الليبية.

ثانيًا: انزياح الأبعاد الليبية

من الدلالات الاستراتيجية المتجددة قضية الأبعاد الليبية الأربعة التي شرحها حمدان باستفاضة.

فهذه الأبعاد الأربعة -التي اعتبرها الباحث خمسًا بإضافة البعد الأناضولي إليها- جعلت ليبيا موقع جذب للقوى الإقليمية في حوض المتوسط وحوله، بل للقوى الدولية البعيدة مثل روسيا وأميركا.

وكثيرًا ما وضع هذا التجاذب ليبيا في حالة انكشاف استراتيجي أمام القوى الخارجية. بيد أن تغيُّرًا عميقًا قد جدَّ على هذه الأبعاد منذ أن نشر حمدان كتابه عن ليبيا، عام 1973، فيما يشبه الانزياح السياسي في أدوار هذه الأبعاد وآثارها، فضلًا عن بروز البعد الأناضولي، الذي كان ضامرًا في الماضي، وتجاهله حمدان في كتابه:

فالبعد المشرقي الذي رآه حمدان سندًا ومددًا طبيعيًّا لليبيا أصبح اليوم خطرًا عليها. ولم يكن ذلك بسبب تغيُّر في الوشائج التاريخية والحضارية العميقة التي تربط الشعب الليبي بشعوب المشرق العربي، خصوصًا في مصر، بل لأن هذا الجوار المشرقي أصبح في موقع المفعول به استراتيجيًّا، منذ اندراج مصر في الفَلَك الأميركي-الإسرائيلي، وارتهان سوريا للسطوة الروسية، وانخراط السعودية في حركة الثورة المضادة.

لقد مضت تلك الأيام التي كان فيها الليبيون يلجؤون إلى مصر من همجية الاحتلال الإيطالي الفاشي، ويتخذونها عمقًا استراتيجيًّا لمقاومة ذلك الاحتلال، كما مضت تلك الأيام التي كانت فيها ليبيا ممرًّا للسلاح المصري إلى الثورة الجزائرية المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي، وحلَّ محلَّها واقع جديد أصبحت مصر فيه اليوم جسرًا لاحتلال جديد مقنَّع، يسعى لوأد الثورة الليبية، والسيطرة على ثروة ليبيا وقرارها.

وهذا الواقع الجديد -وإن كان عارضًا طارئًا- يضع ليبيا في حرج استراتيجي كبير.

والبعد المغاربي الذي تنتمي إليه ليبيا بشريًّا وجغرافيًّا مشلول الإرادة إلى حدٍّ بعيد في التعامل مع المعضلة الليبية، رغم الإمكانات السياسية والعسكرية الكبيرة التي تمكِّنه من ترجيح كفة الديمقراطية والتحرر في ليبيا.

ولعل الجزائر تتحمَّل المسؤولية الكبرى في تراخي الدور المغاربي في ليبيا اليوم؛ فالجزائر هي المعادل المغاربي لمصر في الحالة الليبية من حيث الحجم والقوة، وتمتد حدودها مع ليبيا مسافة شاسعة كامتداد الحدود الليبية المصرية، ويقع عدد من حقول نفطها وغازها قرب حدودها مع ليبيا.

لكن الحياد السلبي لا يزال يهيمن على الموقف الجزائري في ليبيا، لأسباب كثيرة، ربما يكون أهمَّها التأثيرُ الفرنسي على النخبة الحاكمة في الجزائر، وخوف هذه النخبة من أي موقف يثير حفيظة فرنسا.

وتبقى اتفاقية “الصخيرات” التي رتَّب لها واحتضنها المغرب هي النقطة المضيئة في الموقف المغاربي كله.

لكن المغرب ليست له حدود مشتركة مع ليبيا، ولا يملك أكثر من المبادرة الدبلوماسية التي قد لا ترحب الجزائر بنجاحها، نظرًا للحساسية السياسية العدَمية المزمنة بين البلدين منذ عقود، بسبب الخلاف على الصحراء.

والبعد الجنوبي الإفريقي الذي اعتبره حمدان أضعف أبعاد ليبيا لم يعد اليوم ضعيف التأثير فيها. والسبب هو أن هذا البعد أصبح امتدادًا للبعد الشمالي في تأثيره على ليبيا، بسبب النفوذ الفرنسي في الدول الإفريقية جنوب ليبيا (خصوصًا تشاد والنيجر).

ورغم أن هذا البُعد يحمل إمكانات لبناء جسور سياسية مهمة، بحكم الترابط الإسلامي بينه وبين ليبيا، إلا أن ضعف الدول الإفريقية المجاورة لليبيا من جهة الجنوب، وارتهان إرادتها السياسية لفرنسا، جعل أثرها على القضية الليبية يتراوح بين السلبي المضرِّ، والسالب الذي لا وزن له.

أما السودان -الذي يجمع بين البُعدين، الإفريقي والعربي- فقد اتسم تأثيره في الصراع الليبي الحالي بالسلبية الشديدة، واستمدَّ منه الخارجون على الشرعية الليبية بعض المدد من المقاتلين المرتزقة، تبعًا لمواقف دول عربية وغربية منخرطة في الثورة المضادة لمطامح الشعب الليبي وغيره من الشعوب العربية.

أما البعد البحري الأوروبي فهو مزيج من الأطماع الاستعمارية العتيقة، والارتباك في التعامل مع الحالة البركانية على الضفة الجنوبية من البحر المتوسط بشكل عام.

ففرنسا هي أشد الدول عداوة لمطامح الشعب الليبي إلى الحرية والديمقراطية واستقلال القرار. وتنظر فرنسا تقليديًّا إلى ليبيا باعتبارها منطقة فراغ داخل إقليم تهيمن عليه الاستراتيجية الفرنسية، ولم تفتأ فرنسا تطمح إلى إدراج ليبيا ضمن مناطق نفوذها المحيطة بليبيا من جهة الغرب (تونس والجزائر)، ومن جهة الجنوب (النيجر وتشاد).

فما لاحظه حمدان من خطر البعد البحري على ليبيا يتجسد اليوم أكثر ما يتجسَّد في السياسة الفرنسية.

ورغم أن هناك دولًا أوروبية أخرى أقل عداوة وأكثر تفهمًا -في الظاهر- لمطامح الشعب الليبي، فإن البعد البحري الأوروبي عمومًا كان -ولا يزال- خطرًا على حرية ليبيا واستقلال قرارها.

ويبقى البعد الخامس البحري الأناضولي الذي أغفله حمدان- هو أهم هذه الأبعاد اليوم، وأعمقها أثرًا في المعادلة الليبية. فالاتفاق بين تركيا وليبيا على تحديد حدود المياه الاقتصادية الخالصة بين البلدين، وعلى عدد من أوجه التعاون الاستراتيجي الأخرى، فتح الباب لتغيير المعادلة الداخلية الليبية لصالح التحول الديمقراطي واستقلال القرار، وفجَّر إمكانات كامنة للتعاون المثمر، قد تغيِّر مصائر الشعوب المسلمة التي تطوِّق البحر المتوسط من الجنوب، والشرق، وشمال الشرق.

فالحلف الاستراتيجي بين تركيا وليبيا يمثِّل مكسبًا استراتيجيًّا للطرفين وللإقليم كله، كما يرى الدكتور محمد المختار الشنقيطي، بالنظر إلى تأثيره على أمور كبرى، منها:

  • غاز شرق المتوسط،
  • ومستقبل الثورات العربية،
  • والعلاقات التركية-المغاربية،
  • والعلاقات التركية-الأوروبية.

كما أن هذا الحلف قد يكون عاصمًا من تقسيم ليبيا على خطوط الثنائية الإقليمية القديمة بين شرقها وغربها؛ ذلك أن بقاء ليبيا موحَّدة مصلحة استراتيجية تركية؛ لأن الشرق الليبي هو المواجه للسواحل التركية، ومن دونه لا يكون لاتفاقية المياه الاقتصادية بين البلدين قيمة قانونية كبيرة.

والعبرة المهمة من هذه الانزياحات السياسية والاستراتيجية في الأبعاد الليبية، هي أن هذه الأبعاد، رغم ثباتها الجغرافي، فإن أثرها الاستراتيجي غير ثابت؛

فما كان بُعدًا مشرقيًّا مساندًا لقوة ليبيا أصبح خصمًا من قوَّتها اليوم،

وما كان بُعدًا مغاربيًّا وعمقًا استراتيجيًّا لليبيا يتَّسم اليوم بسلبية وعجْز تجاه الصراع الليبي.

وما كان بعدًا جنوبيًّا إفريقيًّا أصبح مُلْحَقًا بالبعد الشمالي في وجهه الفرنسي.

أما ما كان جزءًا ثانويًّا من بُعد ليبيا البحري -وهو تركيا- فقد أصبح اليوم أهمَّ الأبعاد الليبية وأعمقها أثرًا استراتيجيًّا.

وقد يحمل المستقبل تبدلاتٍ سياسيةً في أدوار هذه الأبعاد الليبية الخمسة، وتأثيرها في المعادلة الداخلية الليبية، خصوصًا إذا تبدَّلت المعادلة السياسية الداخلية في مصر والجزائر لصالح الانتقال الديمقراطي وحكم الشعوب.

وفي كل الأحوال، فإن ثبات الجغرافيا ينبغي قراءتُه في ضوء تحوُّل الاستراتيجيات، وتبدُّل الاستراتيجيات ينبغي تأطيره بعوامل الثبات الجغرافي.

وخلصت الدراسة إلى أن الأفكار الكبرى التي طرحها جمال حمدان لا تزال تحتفظ بالكثير من قيمتها في فهم الصراع في ليبيا وعليها اليوم، خصوصًا إذا وُضعت هذه الأفكار في سياق الزمان، ونُظر إليها نظرة مرنة، تميِّز بين ثوابت الجغرافيا وتحولات السياسة.

وقد استدركت الدراسة على حمدان تجاهله للبعد الأناضولي من أبعاد ليبيا، وأضافت هذا البعد الخامس إلى الأبعاد الليبية الأربعة التي ذكرها.

كما تحفَّظتْ الدراسة على موقفه الأيديولوجي تجاه الأتراك بشكل عام.

وفي هذا الموقف تحديدًا يبدو أن جمال حمدان -على عُمْق تحليلاته وسعَة اطلاعه- لم يستطع التخلص تمامًا مما دعاه الباحث: الخطايا الكلاسيكية في الجغرافيا السياسية، وأهمها:الجبرية المكانية، والمركزية العرقية.

ففي دراسته الموسوعية عن “شخصية مصر”، وفي دراسته عن ليبيا -بشكل أخفَّ- تبدو الجبرية المكانية حاضرةً في تفكيره. وفي حديثه عن الأتراك وتاريخهم، تبدو المركزية العرقية طاغيةً على تحليلاته ضمن جميع كتبه. وهذا أمرٌ من المهم أن ينتبه له دارسو حمدان والمعجبون بسيرته العلمية والعملية، وهم اليوم كثير.

ومع هذه الاستدراكات والتحفظات، يبقى جمال حمدان شخصية علمية ذاتَ نظرة ثاقبة، وتظلُّ نظَراته ونظرياته في الجغرافيا السياسية العربية عميقة ومثيرة للتفكير والتدبُّر.

وعسى أن يجد تراث هذا المفكر اللامع اهتمامًا جديدًا، يتجاوز ما هو شائع اليوم من تمجيد عبقريَّته الشخصية، والتحسُّر على حياته الصعبة، والتوجُّع على وفاته المُفْجعة، إلى استثمار أفكاره، وتقويمها، ونقدها، ثم البناء عليها، من أجل تحقيق عالَم أفضل وأنبلَ على أرض العروبة والإسلام.

فتلك كانت رسالةَ الحياة بالنسبة لجمال حمدان، والهمَّ الأهمَّ من وراء جهده واجتهاده.

***

د. محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الفكر السياسي في جامعة قطر

_______________