Minbar Libya

بقلم د. عبد الرحمن الهذلي

تمثل جلسات الحوار الليبي الجارية في تونس حاليا (منذ الاثنين 9 نوفمبر 2020) مسعى جديدا للخروج من الأزمة الليبية بعدما تعثرت تجارب سابقة أبرزها مفاوضات الصخيرات المغربية.

الجزء الأول

كيف يمكن فهم هذا الاستعصاء على الحل؟

اعتقادنا أن الطوارئ في مجريات أحداث الأزمة الليبية (سواء منها المحلية أو التدخلات الخارجية) ليست إلا تشكلات متحولة لمعطيات ثابتة اخترنا أن نتناولها بدل التيه في ملاحقة تلك الطوارئ والتي تكفلت بها تحاليل أخرى صحفية أو استراتيجية.

وبرأينا أن تلك الثوابت تتحدد أساسا في ثلاثة عناصر:

  • المكانة الاستراتيجية لليبيا المرتبطة بثروتها الطاقية،
  • مكانتها في الأمن الإقليمي (وأساسا الهجرة السرية ونشاط الجماعات المسلحة)،
  • التناقضات الداخلية المرتبطة بالتنوع القبلي وصراع السلطة والثروة.

المقدمة

يخوض الليبيون مرحلة جديدة من مفاوضات المصالحة. وهي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات الخروج من النفق الذي دخلته البلاد وهي تبحث عن حريتها. ولا يكاد بصيص أمل يظهر حتى يعود الوضع إلى العتمة من جديد. هناك إذن انسداد في مكان ما يجعل الأزمة تأبى الانفراج، انسداد تتقاطع فيه مصالح الخارج وتناقضات الداخل.

هذا الانسداد يحيل على الخلفيات العميقة للأزمة والتي نسعى في هذا المقال إلى بسطها في ثلاثة محاور:

ـ الأهمية الاستراتيجية للمجال الليبي والذي يجعله في مرمى القوى الإقليمية والدولية.

ـ موقع ليبيا في الأمن الإقليمي والدولي.

ـ تناقضات الداخل الليبي وأساسا الانقسام القبلي.

وهي كلها تناقضات متداخلة تجعل البعض يتعامل بحذر مع المرحلة الحالية من المصالحة بين الرجاء في توفقها لإطلاق مصالحة طال انتظارها والخوف من انتكاسة جديدة تؤجل ذلك الأمل.

أولا: مجال تتقاطع فيه الاستراتيجيات الدولية

يجمع المحللون على أن نفط ليبيا يحتل مكانة محورية في استراتيجيا القوى الخارجية المتدخلة في الأزمة. وتتأتى هذه المكانة من الميزات التالية:

ـ ليبيا هي أول بلد نفطي في إفريقيا

لا توفر ليبيا إلا 2.8% من إنتاج العالم للنفط (2019). لكنها تملك الاحتياطي الإفريقي الأول منه . وقد قدر الاحتياطي المعروف سنة 2019 بـ 48.4 مليار برميل، بينما يقدر الاحتياطي المحتمل بقرابة 60 مليار برميل. ولم تكن ليبيا قبل الثورة تنتج بكامل طاقتها إذ لم يتجاوز إنتاجها في أحسن الحالات 1.82 مليون برميل في اليوم مقابل طاقة إنتاجية يومية بـ 3 مليون برميل. في المقابل فإن البلدان المنافسة تنتج بكامل طاقتها.

ويفتح هذا الوضع آفاقا كبيرة للتنقيب وتطوير الإنتاج من ناحية ولتواصله عندما تبدأ موائد الأقطار الأخرى في النضوب. وتزداد أهمية ليبيا باشتداد التنافس على القارة الإفريقية التي ارتفع نصيبها من المدخرات العالمية النفطية إلى 126 مليار برميل (أي ما يمثل 7% من الاحتياطي العالمي) في نهاية 2019.

ويعتبر النفط الليبي من أجود أنواع النفط في العالم وهو ما يقلل من كلفة تكريره. وحسب بعض الدراسات لا تتجاوز كلفة استخراجه الدولار الواحد. وفي ظل ارتفاع أسعار النفط يمكن تقدير هامش الربح الناجم عن ذلك بالنسبة للشركات المتعاقدة مع الدولة الليبية لاستخراجه.

إلا أن هذه الثروة التي تمثل 95% من صادرات البلاد، و65% من الناتج الداخلي الخام شهدت منحنى تراجعيا ومضطربا منذ الثورة .

وبعد تحسن الإنتاج منذ 2016 ارتفعت عائدات الخزينة الليبية التي بلغت 14 مليار دولار (سنة 2017) أي ثلاث مرات مداخيل 2016. ومرة أخرى أدى قرار حفتر إيقاف الإنتاج في يناير 2020 إلى سقوطه (أي الإنتاج) إلى حد 110 آلاف برميل فحسب. بينما سمح وقف إطلاق النار الأخير (23 أكتوبر 2020 بجينيف) بعودة الإنتاج بسرعة إلى تجاوز عتبة المليون برميل يوميا. لكن المؤسسة الوطنية الليبية لا تخفي خشيتها من عدم احترام وقف إطلاق النار.

ـ عمق الأمن الطاقي للاتحاد الأوروبي

يتجه ما يقارب 80% من النفط الليبي نحو أوروبا. كما أن ليبيا أصبحت تزود الاتحاد الأوروبي، إيطاليا تحديدا، بالغاز الطبيعي عبر أنبوب التيار الأخضر الذي يعبر المتوسط على أكثر من 500 كم منذ أكتوبر 2004. ويقدر الاحتياطي الليبي من الغاز الطبيعي بـ 1.4 تريليون م3 (سنة 2019).

ومنذ اندلاع الثورة في ليبيا (2011) واضطراب الأوضاع الذي لحقها اضطرب إنتاج الغاز وتراجع عموما من 16 إلى 9.4 مليار م3 بين 2011 و2019.

وبذلك أصبح الاتحاد مهددا في تزوده المنتظم من الطاقة والتعرض لما تعرض له من جراء الخلاف الروسي الأوكراني في تزوده بالغاز الروسي. وتتأكد هذه الخطورة على الأمن الطاقي الأوروبي والعالمي إذا اعتبرنا الجانب المجالي في أحداث الثورة التي انطلقت من الشرق ثم الاضطرابات الناجمة عن الصراعات اللاحقة.

وفي هذا الشرق بالذات – وتحديدا في حوض سرت – تتركز أكبر نسبة من احتياطي وإنتاج وتصدير النفط الليبي. وفيه تتركز مصافي النفط الرئيسية. وقد يكون هذا ما يفسر الدعم الذي لقيه خليفة حفتر بهدف تأمين هذه المناطق وضمان التزود المنتظم بالطاقة الليبية. لكن لجوءه إلى تعطيل الإنتاج في كل مرة للضغط في الملف السياسي أحاله إلى مصدر خطر بدوره على مصالح أوروبا.

ولعل هذا بدوره ما جعل القوى الأوروبية تثوب إلى رشدها وتقتنع أن المصالحة الليبية هي الضمان الوحيد لمصالحها.

ومن هنا نفهم انتقال المبادرة الأوروبية من باريس التي “تلاعبت” بالملف على حساب شركائها الأوروبيين إلى مراكز أخرى مثل برلين وموسكو وجينيف. وفي خلفية هذا التلاقف للملف الليبي وتباين طريقة العلاج تقف معركة المصالح.

ـ صراع المصالح الأجنبية في ليبيا

سجلت سنة 2010 وجود 35 شركة متعددة الجنسيات (52% من مجموع الشركات) بليبيا بينما تمثل المؤسسات المختلطة بين الشركات الأجنبية والشركات الليبية نسبة 17% من مجموع الشركات. وضمن الشركات عبر القطرية الثمانية الأولى في ليبيا نجد 4 شركات أوروبية و3 أمريكية وشركة كندية. وقد شهد الوجود الأجنبي تحولات مع تقلبات الوضع السياسي في ليبيا.

فمنذ اكتشاف النفط في ليبيا أواسط الخمسينات من القرن العشرين تركزت الشركات الغربية مثل هاس الأمريكية منذ 1955 وإيني الإيطالية منذ 1959.

إلا أن وضع هذه الشركات تأثر بتطور العلاقة بين دولها الأصلية والنظام في ليبيا خاصة بعد 1969. فشركة هاس مثلا توقف نشاطها منذ 1986، سنة المواجهة بين الولايات المتحدة وليبيا، ولم تعد إلا في 2006 بعد نهاية الحصار و”المصالحة مع المجتمع الدولي”.

وإذا كانت تلك المصالحة فتحت الباب لعودة الشركات الغربية فإنها كذلك فتحت الباب أمام شركات منافسة من دول طارئة على الصناعة النفطية مثل الصين فأصبحت مصالح الشركات الغربية مهددة.

والملاحظ أن النظام الليبي استغل التنافس على الثروة النفطية الليبية للعب على تناقضات السياسة الدولية. كما استغل العقود النفطية للحصول على تنازلات سياسية من الغرب مثل اعتذار إيطاليا على الفترة الاستعمارية أو إطلاق سراح عبد الباسط المقراحي.

وباندلاع الثورة الليبية انفتح الباب على مصراعيه أمام إعادة رسم خريطة المصالح بين الشركات النفطية بحسب مآلات الثورة والموقف الذي ستتخذه كل دولة من أطراف الثورة. لذلك تدخلت تلك الشركات لتضغط على حكوماتها من أجل دعم التدخل.

وفي المقابل وجدت الشركات التي وقفت دولها ضد التدخل مهددة في مصالحها وهو ما دفعها إلى التدخل لدى المجلس الانتقالي لمطالبته باحترام الاتفاقات السابقة للثورة. بل إن الوضع الجديد شجع شركات كانت تنوي تعليق أنشطتها قبل الثورة للعودة من جديد مثل بريتش بتروليوم التي عقدت اتفاقا مع المؤسسة الوطنية [الليبية] للنفط منذ 2007.

البقية في الجزء الثاني

______________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية