Minbar Libya

بقلم د. عبد الرحمن الهذلي

تمثل جلسات الحوار الليبي الجارية في تونس حاليا (منذ الاثنين 9 نوفمبر 2020) مسعى جديدا للخروج من الأزمة الليبية بعدما تعثرت تجارب سابقة أبرزها مفاوضات الصخيرات المغربية.

الجزء الثاني

ـأرصدة مالية مغرية ومقلقة

بفضل ارتفاع أسعار النفط، تراكمت لدى ليبيا أرصدة مالية هائلة. وقد حاول النظام السابق استثمار تلك الأرصدة في مختلف أنحاء العالم فأحدث في 28 أغسطس 2006 المؤسسة الليبية للاستثمار. وتقدر قيمة الأرصدة التي كانت هذه المؤسسة تتصرف فيها بـ 70 مليار دولار، وارتفعت هذه القيمة إلى 190 مليار دولار بإضافة احتياطيات البنك المركزي الليبي.

وقد بلغت ممتلكات المؤسسة الليبية للاستثمار سنة 2010 ما يعادل 6.8 مليار دولار من أسهم عدد من المؤسسات الدولية. وتتركز النسبة الأكبر من هذه الاستثمارات في 12 مؤسسة تصنف استراتيجية مثل إيني الإيطالية وباسف الألمانية وبنسبة أقل في 28 مؤسسة غير استراتيجية.

يضاف إلى ذلك ما أشارت إليه بعض الدراسات من أطماع الدول الغربية في المؤسسة الوطنية للنفط التي تحتل المرتبة 25 ضمن المائة شركة الأولى في العالم وتسيطر على 60% من إنتاج النفط الليبي. وقد اعتبر المحلل الكندي من أصل روسي شوسيدوفسكي أن هدف القوى الكبرى هو زعزعة وضع الشركة بهدف خصخصتها بعد ذلك والسيطرة بصفة كلية على القطاع النفطي.

تراهن الدول التي تؤوي الثروات الليبية عليها في مواجهة الأزمة المالية الخانقة التي اندلعت منذ 2008 والتي تعود بقوة مع جائحة كورونا منذ ديسمبر 2019. وبعد عشر سنوات من الثورة لا تزال هذه الأرصدة مادة لصراع القوى الليبية، ولا يزال الشعب الليبي يطمح إلى استعادتها.

ولا بد من الإشارة إلى ما تحمله الأرصدة الليبية من قوة تأثير كامنة للدولة الليبية حينما تتعافى من أزمتها الحالية فترث بذلك مشروع النظام السابق في استغلالها لافتكاك مكانة جغراسياسية. ويمكن الاستدلال على ذلك ببعض المعطيات الإحصائية حول الاستثمارات الليبية في إفريقيا قبل الثورة والتي أوردها الكامروني جون بول بوغالا مدير معهد الدراسات الجيوستراتيجية عن مشروعين أساسيين:

أ ـ القمر الصناعي الإفريقي

تأسست شركة راسكوم منذ 1992 بهدف بناء قمر صناعي يخفض من كلفة الاتصالات على الأراضي الإفريقية والتي كانت تتم عبر أقمار صناعية أوروبية مقابل ضريبة سنوية تعادل 500 مليون دولار بينما لا يتكلف القمر الصناعي الإفريقي إلا أقل من 400 مليون دولار تدفع لمرة واحدة. وقد رفض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمويل المشروع. وفي 2006 بادرت ليبيا باستثمار 300 مليون دولار في المشروع إلى جانب البنك الإفريقي للتنمية (50 مليون دولار) والبنك الغرب إفريقي للتنمية (27 مليون دولار) فامتلكت إفريقيا أول قمر صناعي في نهاية 2007 وانتهى بذلك النزيف المالي بنصف مليار دولار نحو أوروبا.

ب ـ البنوك الإفريقية: من برامج الاتحاد الإفريقي إنشاء 3 بنوك

  • البنك الإفريقي للاستثمار .. مركزه سرت بليبيا
  • البنك المركزي الإفريقي .. مركزه أبوجا بنيجيريا ومن أول مهامه إصدار عملة إفريقية وهو ما يعني نهاية فرنك المجموعة المالية الإفريقية الذي تسيطر به فرنسا على اقتصاد مستعمراتها السابقة غرب إفريقيا منذ استقلالها.
  • صندوق النقد الإفريقي .. مركزه ياوندي بالكامرون برأسمال 42 مليار دولار تساهم ليبيا منها بـ 10 مليار والجزائر بـ 16 مليار. ويفترض أن يعوض أنشطة صندوق النقد الدولي. وقد طلبت الدول الغربية الانضمام إليه لكن الدول الإفريقية رفضت ذلك بالإجماع.

بناء على ما تقدم تبدو مشاريع النظام القديم لتزعم إفريقيا وتحويلها إلى تكتل على الطريقة الأوروبية مقلقا للقوى الغربية لأنه يعطل المشاريع الاستغلالية. ومن هذه الزاوية يصبح تجميد الأرصدة الليبية طريقة للتخلص من تلك المشاريع. ولعل هذا يفسر لنا مبادرة الولايات المتحدة إلى تجميد أكثر من 30 مليار دولار تعود إلى البنك المركزي الليبي مخصصة لتمويل المشاريع البنكية الثلاثة.

في أفق المصالحة الوطنية، يحق لليبيين أن يتساءلوا عن مصير أرصدتهم وحقهم في إعادة الاستفادة منها في الاندماج في محيطهم الإفريقي والدولي.

ثانيا: مكانة ليبيا المحورية في أمن الإقليم

ـ ليبيا هي أحد المعابر المميزة للهجرة السرية نحو أوروبا

تذهب تقديرات المفوضية الاوروبية الى أنه يوجد نحو ثمانية ملايين مهاجر بصورة غير شرعية في دول الاتحاد. ويغذي تدفق المهاجرين الأفارقة من الضفة الجنوبية هذا الوضع. وتمثل إسبانيا وإيطاليا أكثر دول الاتحاد الأوروبي استقبالا للوافدين سرا بحكم قربهما الجغرافي من القارة الإفريقية. وتعتبر ليبيا إحدى النقاط المفضلة لتيارات المهاجرين السريين نحو إيطاليا بفضل طول سواحلها (1770 كلم) وقربها الجغرافي إذ لا تبعد مالطا وجزيرة لامبيدوزا الإيطالية سوى بضع مئات الكيلومترات. لذلك تحتل مكانة مميزة ضمن شبكة تهجير الأفارقة نحو الشمال .

وقد شجعت سياسة القذافي القائمة على التوجه الإفريقي استقطاب أعداد كبيرة من الأفارقة. وبحسب أحدث تقديرات الوكالة الأوروبية للحدود الخارجية فإن ليبيا تؤوي لوحدها مليوني مهاجر سري ينتظرون الفرصة للمغادرة نحو أوروبا. وقد استغل النظام السابق هذا العامل في علاقاته مع الاتحاد ورقة ضغط ولتثبيت زعامته الإفريقية. فكان يتهم الأوروبيين بقتل المهاجرين الأفارقة حتى لا يصلوا إلى شواطئهم.

وفي سياق التنسيق لمقاومة الهجرة السرية اشترط الحصول على 5 مليار أورو مقابل تعاونه لمقاومة هذا التيار. ويبدو أنه رغم الحصول على ما طلب من أموال، لم تتوقف الهجرة الإفريقية على الاتحاد. وقد يكون ذلك أحد العوامل التي جعلت بعض أطراف الاتحاد تنخرط في تدخل الناتو بليبيا لحسم المسألة معه عسكريا بعد أن أخل بالتزامه.

وخلال حربه ضد الثوار وظّف النظام نفس الورقة للضغط على الاتحاد الأوروبي ليظهر أن سقوطه يعني غرق الاتحاد الأوروبي تحت موجات المهاجرين الأفارقة. فقام بإطلاق موجات منهم عنوة على سفن الموت. وهو ما كشفته بعض التسجيلات السمعية البصرية التي بثتها وسائل الإعلام مباشرة بعد سقوط النظام.

وقد انفتح الباب بعد الثورة على مصراعيه أمام الظاهرة مع انهيار الدولة وانتشار عصابات الاتجار بالمهاجرين الأفارقة. فبعد أسبوع فقط من اندلاع الأحداث في ليبيا صرح الأمين العام للحلف الأطلسي: “لا أعتقد أن الوضع في ليبيا يشكل تهديدا مباشرا للحلف أو أعضائه لكنه يمكن أن تكون له تداعيات سلبية مثل الهجرة واللاجئين… بما في ذلك في البلدان المجاورة”.

بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير وانطلاق المصالحة الليبية يبدو أن الدول الأوروبية تدرك حجم الآمال المعلقة عليها في مواجهة هذا الخطر. وسيكون من مصلحتها أن تدعم المصالحة وتوقف تغذية الصراع بين الإخوة.

ـ ليبيا على أطراف مجال نشاط الجماعات المسلحة

تشهد الصحراء الإفريقية المترامية تنامي نشاط المجموعات المسلحة مرة باسم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وأخرى باسم داعش. ويمتد مجال نشاط هذه المجموعات إلى أطراف ليبيا بما قد يهدد مصالح الاستثمارات الغربية مثل حقل إنتاج الغاز الذي يزود إيطاليا عبر أنبوب التيار الأخضر. وهو قابل للتوسع إذا اعتبرنا وجود مجموعات ليبية مستعدة في كل لحظة للالتحاق بهذا النشاط. وقد عانت عدد من الدول الأوربية من اختطاف عناصر من رعاياها في الصحراء مثل الرعايا الفرنسيين.

وفي ظل انهيار الدولة منذ 2011 أصبح الوضع ملائما لتوسع مجال هذه المجموعات خاصة في تداخلها مع بعض الجماعات المتصارعة في ليبيا. والمأمل في ظل المصالحة الحالية قطع الطريق عن هذه الجماعات واستعادة قدرة الدولة الليبية على التحكم في مجالهاـ وقطع الطريق على مراكز التأثير الداخلي لتوظيف تلك الجماعات وزعزعة الوضع الداخلي.

ثالثا: ليبيا بلد مهيأ للانقسام بحكم تركيبته القبلية

تطغى التركيبة القبلية على المجتمع الليبي. ورغم ما يمكن أن يتضمنه ذلك من نزعات معارضة للدولة المركزية فقد برهن الليبيون في استفتاء 1947 الذي نظمته اللجنة الرباعية عن التمسك بالاستقلال والوحدة ضد مشاريع التقسيم. إلا أن الاستقلال ضمن النظام الفيدرالي أعطى مجالا لتلك النزعات لتبرز وتعطل عملية التنمية تحت الحكم الملكي السنوسي. لذلك وقع التخلي عن الفيدرالية لصالح حكم مركزي بعد تعديل الدستور في 26-04-1963.

وقد أحيى انقلاب 1969 على الملك إدريس السنوسي المدعوم من شرق البلاد النزعات الانقسامية بسياساته القائمة على التحالفات القبلية إذ أصبح المجال والمجتمع الليبيين يعرفان انقسامات من شاكلة “الشراقة” (أهل برقة) و”الغرابة” (الغرب والوسط).

كما أن الصبغة الانقلابية للنظام جعلته يعتمد على كتل قبلية أكثر من غيرها ضمانا لوفائها وعلى رأسها قبائل القذاذفة والمقارحة وورفلة. فقد أورد منصور عمر الكيخيا في كتابه عن سياسة المتناقضات التي اتسم بها عهد القذافي معطيات عن سيطرة القذاذفة وحلفائهم على مراكز القوى في الدولة سواء داخل المؤسسات الأمنية أو العسكرية أو الحكومية.

وإذا ما اكتفينا باللجان الثورية مؤشرا لهذا الوضع، فإن 70 قيادة من قياداتها توزعت على القذاذفة (38 قيادة أي أكثر من 54%) وورفلة (28 قيادة أي 40%) والمقارحة (4 قيادات أي قرابة 6%). وقد خلق ذلك لدى القبائل المهمشة في السلطة وخاصة قبائل الشرق إحساسا بالغبن جعلها مهيأة للخروج عن السلطة في أي لحظة تماما مثلما فعلت في التسعينات و2011.

وتزداد خطورة هذه التركيبة القبلية إذا اعتبرنا تركز الثروة النفطية الليبية في الشرق وما أفرزه ضعف الدولة المركزية بعد الثورة من أنانية وإحياء نزعة الاستئثار بالثروات الوطنية كل حسب المجال الذي ينتمي إليه. فقد ظهر الحضور الكثيف للانتماء القبلي في التحالفات السياسية العسكرية. وربطه العديد بصراع الثروة والسلطة. وهو ما يجعله معطى ثابتا في أي مصالحة.

بعد تجربة عشر سنوات من الفوضى ومحاولات فرض الأمر الواقع في التقسيم الفعلي للبلاد، ثبت فشل مشروع التقسيم على أساس قبلي وجهوي بسبب صمود قوى داخلية واعتراض القوى الخارجية الفاعلة عليه. والمتوقع هو تسليم كل الأطراف بالحوار تحت سقف وحدة التراب الليبي. لم يعد من المقبول اللعب على التنوع القبلي الليبي مدخلا للتقسيم والتفتيت.

خاتمة:

لقد حصرنا تحليلنا في المعطيات الثابتة وتجنبنا الحديث عن العناصر الطارئة مثل التحول في القوى الفاعلة في التدخل الخارجي وأساسا روسيا وتركيا بعد العجز الذي أظهره الأوروبيون بسبب أنانياتهم القومية والتي دمرتهم في حربين عالميتين وتذهب بأمجادهم الاستعمارية بعدهما.

ذلك أن هذه التحولات لا تخرج عن الصراع حول الثروة الليبية وفرصها. وهي وإن كانت تلعب على تناقضات الداخل الليبي فإن اقتناعها باستحالة حسم الصراع لصالح طرف دون غيره يجعل تلك القوى الدولية تقتنع بأن تقريب متصارعي الداخل هو الضامن لمصالح الجميع.

والأمل هو أن تعي القوى الداخلية بأن القبول بالتعايش هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلد من الدمار وسد الطريق على “المتآمرين“.

ينظر كل محبي ليبيا إلى جلسات المصالحة الجارية في تونس حاليا (نوفمبر 2020) بأمل كبير في أن تكون الفاتحة نحو استعادة استقرارها ونموها. لكن اغتيال الناشطة الليبية حنان البرعصي وسط بنغازي في وضح النهار يكشف عن الصعوبات التي تعترض مثل هذا الأمل.

______________

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية