Minbar Libya

بقلم علي العبيدي


تدخل الأزمة الليبية منعرجا جديدا بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي أعلنه مندوبو أطراف الصراع المشاركون في مشاورات اللجنة العسكرية المشتركة في 23 أكتوبر وأشادت به “ستيفاني وليامز المبعوثة الأممية بالإنابة في ليبيا.

استضافت تونس، بعد اجتماعات “غدامس”ذات الطابع العسكري، منتدى الحوار السياسي الليبي يوم التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. ويطمح التونسيون لاستعادة دور غاب عنهم طويلا في الملف الليبي.

الجزء الأول

مقدمة:
يسابق الليبيون الزمن لتحقيق اختراقات مهمة بمناسبة حضور بعض مكوناتهم منتدى الحوار السياسي الليبي في تونس منتشين بإعلان وقف إطلاق النار المعلن في جينيف، رغم السياقات الضاغطة و السلبية المحيطة.

وترنو تونس التي تخلفت كثيرا عن التعامل الجدي والعلمي مع الملف الليبي إلى استعادة إشعاع دبلوماسيتها وبذل ما في وسعها للمساعدة في حل الصراع الليبي. ولكن هل تملك تونس ما يؤهلها لتكون جهة مبادرة؟ أي هل تطمح حقا للعب أدوار أخرى غير”شرف”المقر؟
نحاول فيما يلي تحديد مركز تونس من الحوار السياسي الليبي، كجهة مبادرة، من زاويتين متتابعتين في الزمن باعتباره مركزا ضائعا (قسم أول) و مركزا ممتنعا في (قسم ثان).

القسم الأول – مركز المبادرة الضائع:

شكلت الأزمة الليبية فرصة حقيقية كان يمكن لتونس أن توظفها طيلة السنوات الفارطة لتشكل جهة مبادرة (بصفة منفردة أو بالتنسيق مع الدول المغاربية) و ما ينتجه ذلك المركز من مزايا دبلوماسية واقتصادية وأمنية.. و نعرض تباعا للمبادرة الثلاثية المشتركة:

لمحة عن المبادرة الثلاثية المشتركة:

شهدت العاصمة التونسية في 20 فبراير من العام 2017 صدور إعلان ثلاثي مشترك من قبل وزراء من تونس و الجزائر و مصر لدعم التسوية الشاملة في ليبيا. و يهدف الإعلان المذكور إلى تحقيق المصالحة برعاية دول الجوار والأمم المتحدة ويقوم على التمسك بالحل السياسي و رفض الحسم العسكري والتدخل الخارجي في ليبيا.

و يقوم الإعلان الذي تلاه وزير الخارجية التونسي آنذاك “خميس الجهيناوي” في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيريه المصري و الجزائري يوم 22 فبراير 2020 على المبادئ العامة التالية:

1 – مواصلة السعي الحثيث لتحقيق المصالحة الشاملة في ليبيا دون إقصاء في إطار الحوار الليبي بمساعدة من الدول الثلاث وبرعاية الأمم المتحدة.

2 – التمسك بسيادة الدولة الليبية ووحدتها الترابية وبالحل السياسي كمخرج وحيد للأزمة الليبية، على قاعدة الاتفاق السياسي الليبي الموقع في “الصخيرات” المغربية في 17 ديسمبر 2015 باعتباره إطارا مرجعيا، والاتفاق على مساندة المقترحات التوافقية للأطراف الليبية قصد التوصل إلى صياغات تكميلية وإلى تعديلات تمكّن من دفعها.

3 – رفض أي حلٍّ عسكري للأزمة الليبية وأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية لليبيا باعتبار أن التسوية لن تكون إلا بين الليبيين أنفسهم، والتأكيد على أن يضم الحوار كافة الأطراف الليبية مهما كانت توجهاتها وانتماءاتها السياسية.

4 – العمل على ضمان وحدة مؤسسات الدولة الليبية المدنية المنصوص عليها في الاتفاق السياسي -المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة- بما في ذلك الحفاظ على وحدة الجيش الليبي وفق بنود الاتفاق السياسي الليبي، للقيام بدوره الوطني في حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود و الهجرة غير النظامية.

5 – تواصل الدول الثلاث جهودها على المستوى الوزاري في التنسيق فيما بينها ومع مختلف الأطراف السياسية الليبية لتذليل الخلافات، ويتم رفع نتائج الاجتماع الوزاري إلى قادة البلدان الثلاث تمهيدا للقمة الثلاثية في العاصمة الجزائرية.

6 – تقوم الدول الثلاث بشكل مشترك ورسمي بإحاطة الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بإعلان تونس الوزاري باعتبارها وثيقة رسمية لدى المنظمات الثلاث.

لكن المبادرة الثلاثية لم تنجح في كسر الجمود السائد في الساحة الليبية ولا في تحجيم الأزمة الليبية ولا في حلها. ولم توفق الدولة التونسية في استغلال مركزها كجهة مبادرة، ولا توظيف رصيدها الرمزي (كنموذج للانتقال الديمقراطي في المنطقة) في حشد الدعم الإقليمي و الدولي لحمل أطراف الصراع على الاحتكام إلى لغة الحوار بدل منطق القوة.

أسباب فشل المبادرة:

يرجع إهدار تونس لهذه الفرصة إلى مجموعة من العوامل يمكن اختزال بعضها في العناوين التالية:

  1. عوامل موضوعية تخص المبادرة و تتعلق خاصة بما يلي

أـ عوامل إجرائية تخص المبادرة

ـ غياب أو تغييب أي آليات لتحفيز الأطراف على الجنوح إلى السلم أو الضغط عليها لحملها على الجلوس إلى طاولة الحوار ومغادرة ساحات المعارك والقبول بمخرجات المفاوضات.

ـ عدم تحديد سقف زمني لإجراء المحادثات ولا جدول دقيق لتنفيذ مخرجات المبادرة بما يفرغ تلك المبادرة الثلاثية من مضمونها وينفي عن أصحابها (و على رأسهم تونس) الجدية والمصداقية اللازمتين للاضطلاع بهكذا مسؤولية.

ب عوامل سياسية تتعلق بمحدودية الدعم الإقليمي والدولي

محدودية الدعم ناجم في جانب منه عن ضعف تسويق المبادرة و التنسيق بين أطرافها اللازمين لتشكيل ضغط على فرقاء الوطن قد يساهم في نزع فتيل الأزمة.

2 – عوامل ذاتية تخص جهة المبادرة وأطرافها:

ـ بخصوص أطراف المبادرة

وقد اتسمت مواقف هذه الأطراف بتناقض رئيسي لا يمكن للبيانات واللقاءات الدورية أن تحجبه.

فإذا كانت مواقف تونس والجزائر أكثر توازنا لاعترافهما بشرعية حكومة الوفاق الناتجة عن اتفاق “الصخيرات” ودعوتهما إلى الحل السلمي، فان نظام القاهرة ينحاز بالكلية إلى جانب “حفتر” و تحالفه الداعم (في الإقليم و العالم) المعروفين بالتنكر لمخرجات اتفاق “الصخيرات” وشرعية حكومة الوفاق المنبثقة عنها وتفضيل الحسم العسكري كخيار استراتيجي، وعدم رغبة القاهرة في إقناع معسكر الشرق بالجنوح إلى الحوار ومنع تقدمه باتجاه طرابلس.

ـ بخصوص جهة المبادرة

إذا كان تحرك “حفتر” عسكريا في اتجاه الغرب قد أجهز على الهدية التي منحت لتونس لتجسيد دور الدولة المبادرة في الملف الليبي، فان المسؤولين التونسيين ساهموا لا شك في إضاعة هذه الفرصة الاستثنائية التي كان يمكن لنجاحها –كليا أو جزئيا- أن تحافظ على مصالح بلادهم الاقتصادية والأمنية والإستراتيجية التي تضررت كثيرا بفعل الأزمة الليبية.

لقد اتسمت الدبلوماسية التونسية بحالة من الارتباك ميزت الرئيس “السبسي” وبضعف أداء وزير خارجيته “خميس الجهيناوي” ويمكن تفسير هذه السلبية وهذا العجز الرسميين -جزئيا – بعاملين على الأقل:

سبب بنيوي يخص الدبلوماسية :

إذا كانت الدبلوماسية التونسية قد تميزت ببعض الفاعلية والإشعاع المعتبرين- إقليميا ودوليا- خلال المرحلة البورقيبية، فإن السياسة الخارجية اتسمت زمن “بن علي” بتعزيز تبعيتها لفرنسا وهيمنة البعد الأمني على العمل الدبلوماسي والقنصلي.

وعلى عكس ما كان متوقعا، لم يضف حدث الثورة تغيرا نوعيا ولا راديكاليا في سياسة تونس الخارجية التي عرفت “تذبذبا في وتيرة العمل الدبلوماسي والسياسات التي اتبعتها مؤسسة الرئاسة و وزارة الخارجية في تعاملها مع الملف الليبي وباقي الملفات العربية والدولية” بل و غلب عليها “الارتجال وغياب مبادرة علمية ومدروسة لحل شامل ضمن مقاربة تونسية مغاربية للأزمة” .

سبب سياسي يتعلق بالضغوط التي مورست على النظام :

لم تتمكن الدبلوماسية التونسية من الفكاك من تبعيتها لفرنسا، رغم اعترافها مبدئيا بحكومة الوفاق الوطني و تفضيلها للحل السياسي.

لعبت فرنسا، باعتبارها المستثمر الأوروبي النشط في الاستبداد، أدوارا غير بناءة في ليبيا ومنها دور “الملاك والحارس الغربي للماريشال حفتر“.

وقد انعكست العلاقات المعقدة للدولة التونسية مع فرنسا على السلوك السياسي للمسؤولين التونسيين في خصوص الملف الليبي.

فإذا كان الخطاب السياسي إلى حدود عهد “السبسي” يقوم على الاعتراف بالحكومة الشرعية في طرابلس (و الدعوة للحل السلمي)، فان الضغوط السياسية الواقعة من التحالف الداعم لخيار العسكرة والحسم العسكري (فرنسا والإمارات و مصر).

إضافة إلى انقسام الطبقة السياسية في الداخل، مما كبل حركة الدبلوماسية التونسية (المشلولة أصلا) بل واظهر انحرافا نحو خصوم الحكومة الشرعية حالت دون الإمساك بالملف الليبي.

لقد أضاعت تونس بالمناسبة فرصة استثنائية للاستثمار في الملف الليبي، لم تتمكن بعدها من لعب أي دور ذي قيمة (في غير المجال الأمني) ما سمح لدول أخرى (مصر، الإمارات، فرنسا، ايطاليا، روسيا، الولايات المتحدة، تركيا..) بالانخراط في الصراع الليبي وانتزاع موطئ قدم في الفضاء الليبي الغني بالموارد و المزايا.

هل يعني-ما تقدم- أن تونس ستكون فقط جهة مقر، وأن حضورها في منتدى الحوار السياسي الليبي لن يتجاوز الجانب التنظيمي والإجرائي؟

يتبع في الجزء الثاني

***

علي العبيدي (باحث تونسي)

____________