بقلم علي العبيدي


تدخل الأزمة الليبية منعرجا جديدا بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي أعلنه مندوبو أطراف الصراع المشاركون في مشاورات اللجنة العسكرية المشتركة في 23 أكتوبر وأشادت به “ستيفاني وليامز المبعوثة الأممية بالإنابة في ليبيا.

استضافت تونس، بعد اجتماعات “غدامس”ذات الطابع العسكري، منتدى الحوار السياسي الليبي يوم التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. ويطمح التونسيون لاستعادة دور غاب عنهم طويلا في الملف الليبي.

الجزء الثاني

القسم الثاني – مركز المبادرة الممتنع

هل تملك تونس ،مع صعود الرئيس “سعيّد”، ما يؤهلها للتأثير في مخرجات منتدى الحوار السياسي الليبي؟

نحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال البنية الدبلوماسية للدولة التونسية زمن “سعيّد” وكذا إسهامات الرئيس التونسي بخصوص الملف الليبي- إن وجدت- على مستوى الخطاب والتدخلات.

البنية الدبلوماسية

هل يمكن الحديث عن سياسة خارجية مستقرة زمن “سعيّد”؟

وهل يملك فريقه تصورا محددا للتعامل مع الملف الليبي ؟

نكتفي بالإشارة إلى غياب الرؤية الإستراتيجية والفوضى الدبلوماسية غير المسبوقة.

أولا: غياب الرؤية الإستراتيجية

ظلت السياسة الخارجية في تونس صنيعة “الزعيم الأوحد” لا عملا مؤسسيا تحدده الهياكل المتدخلة في الشأن الدبلوماسي (رئاسة الجمهورية، وزارة الخارجية)، ولا يتأثر بتغير الأشخاص واختلاف الأهواء وتباين الانتماءات السياسية و الإيديولوجية. كما عرفت تلك السياسات غالبا بسلبيتها و بتبعيتها للغرب و خاصة لفرنسا.

و لم يضف حدث الثورة –على أهميته – جديدا لسياسات الخارجية التونسية إذ لم تتوفق الأطراف الرسمية المعنية بالشأن الدبلوماسي في”بلورة رؤية جديدة للدبلوماسية التونسية تنسجم مع الواقع التونسي ما بعد إرساء الديمقراطية في الجمهورية الثانية، وتقدم خطة واضحة، لا تتأثر بتغير الأشخاص أو المناصب، ترسم معالم السياسة الخارجية على مدى عشرين إلى خمسين عاما”.

وبخصوص الملف الليبي، يمكن إضافة الحضور المهيمن للعامل الإيديولوجي وسيطرة التجاذبات السياسية والإعلامية، الأمر الذي حال دون استثمار الدبلوماسية الشعبية في معاضدة جهود الخارجية الرسمية.

كما أوقع غياب الثقافة المواطنية وخضوع الإعلام للوبيات المال الفاسد الدبلوماسية الرسمية نفسها في مآزق جرت أو كادت أن تجر كوارث على البلاد من ذلك الموقف من الأوضاع التي تشهدها الجارة ليبيا ،وهي دولة تمثل عمقا استراتيجيا لتونس لكن التعامل مع ما تعيشه بمنطق الايدولوجيا أضاع على تونس فرصة هامة للعب دور محوري في حل الصراع الليبي والاستفادة من هذا الجهد.
وقد ازداد الوضع تراجعا في عهد “قيس سعيّد”.

و قد سيطرت خلال توليه الحكم التركيز على تعزيز الإجراءات الأمنية والعسكرية على الحدود الجنوبية الشرقية للبلاد بما انعكس سلبا على حجم التجارة البينية (الرسمية والموازية) بين البلدين. بينما حافظت الدبلوماسية التونسية على سلبيتها إزاء الملف الليبي لاعتبارات ..

إيديولوجية (رغم الاعتراف الرسمي بالحكومة الشرعية في طرابلس)

ومؤسسية (بين أطراف الشأن الدبلوماسي الرسميين/الرئاسة، وزارة الشؤون الخارجية)

وسياسية (بين الرئاسة والبرلمان، وبين الدبلوماسيتين الرسمية والشعبية)..

و قد ساهم كل ذلك، و غيره، في إفقاد الدبلوماسية دورها في تعزيز علاقات تونس الدولية وتنويعها وجذب الاستثمارات وفي تنشيط دور تونس في حل الأزمات الإقليمية خاصة تلك التي تنعكس مباشرة على أوضاعها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والأمنية كما هو الحال بالنسبة للازمة الليبية.

و يمكن اختزال أوجه القصور البنيوي في التعامل مع الحالة الليبية فيما يلي:

1. عجز الخارجية عن قراءة الحالة الليبية سياسيًا اجتماعيًا اقتصاديًا،

  1. افتقادها لأدوات التحليل لموازين قوى الفاعلين المحليين والدوليين،
  2. غياب المخططات لمواجهة تحديات هذه الحالة وتداعياتها على كل المستويات،
  3. غياب الدراسات المخصصة لديناميكية تغير موازين القوى في المتوسط،
  4. عجز الدبلوماسية عن وضع خطط تتماهى مع الفرضيات، الحل السياسي أو التقسيم،
  5. غياب الاستراتيجيات التي تحدد طبيعة العلاقات المعقدة والمتشابكة بين اللاعبين المؤثرين في الملف الليبي (روسيا تركيا إيطاليا فرنسا الإمارات قطر مصر السعودية أمريكا)”.

ويمكن الاستدلال على هذا التراجع الدبلوماسي زمن “سعيّد” بالفوضى الدبلوماسية غير المسبوقة وبالتدخلات الرئاسية غير الموفقة بالتالي:

ـ فوضى دبلوماسية غير مسبوقة

تتطلب إرادة أي بلد في التعاطي بفعالية و نجاعة مع الملفات الدولية (و منها الملف الليبي الحارق) استقرارا حكوميا ودبلوماسيا نسبيا. لكن ما عرفته تونس من عدم استقرار حكومي انعكس سلبا على جودة الأداء الدبلوماسي. بل إن ما تعرفه البلاد و خصوصا مع الرئيس “سعيّد” بقي عنوانه الغالب هو الفوضى ما يطرح بقوة أسئلة عمن يصنع السياسات وكيف تصنع ؟

ـ التعيينات والإقالات المتسرّعة لوزراء الخارجية

شهد العام الأول لولاية “سعيّد” تعيين خمس وزراء للخارجية (خميس الجهيناوي و صبري الباشطبجي و نور الدين الري و سلمى النيفر و عثمان الجرندي).

ـ تغيير المندوب الدائم لتونس مرتين

كان يمكن استثمار عضوية تونس (غير الدائمة) في مجلس الأمن لمدة سنتين (من2020 إلى2022) لتسويق التجربة الديمقراطية الوليدة فيها وجلب الاستثمارات وتجاوز الحياد غير البناء خاصة في الملف الليبي. لكن الانفعالية والارتباك حالا دون تحقيق ذلك بل ضربا مصداقية تونس في العمق إذ تم في مناسبتين، و خلال ستة أشهر فقط، إعفاء كل من يوسف البعتي وقيس القبطني من مهامهما بالأمم المتحدة بطريقة غير لائقة و مثيرة للجدل.

ـ التعطيل و التجميد غير المبرر للحركة الدبلوماسية

بقيت ستة عشر سفارة حول العالم دون سفير في دول تجمعنا بها علاقات اقتصادية وثقافية كبيرة، ومن أهمها فرنسا التي بقيت بلا سفير لأكثر من تسعة أشهر قبل أن يتم في 12 سبتمبر الجاري تعيين “محمد كريم الجموسي” وزير العدل السابق.

ونذكر، بالمناسبة، انه تم غلق سفارة تونس في ليبيا في بداية أكتوبر2014 ثم القنصلية العامة في يوليو 2015 على خلفية تردي الأوضاع الأمنية واختطاف دبلوماسيين تونسيين. وتم مؤخرا تعيين “الأسعد العجيلي” سفيرا جديدا لتونس في العاصمة طرابلس للمرة الأولى منذ عام 2014 .

وهذا ما ساهم ، بقدر، في منع تونس من الاقتراب أكثر من الملف الليبي وتجاوز ما عرف عنها من سلبية وحياد سلبي، على عكس المغاربة والمصريين.

ثانيا: تدخلات رئاسية غير موفقة

رغم الرتابة والجمود الذي اتسمت به السياسة الخارجية في عهده، تميزت تدخلات الرئيس “سعيد” بخصوص الملف الليبي غالبا بالارتباك والغموض

ـ على مستوى الخطاب السياسي

إذا كانت فرنسا – كما يقول الفرنسيون أنفسهم – تدعم “التحالف الخطأ” وغير الشرعي في الساحة الليبية ومازالت تصنع الفوضى (بعد الإطاحة بالقذافي في 2011 ) و تنتهك القانون الدولي وتربك عمل بعثة الدعم في لبيبا ، فان لقاء باريس في 22 يونيو 2010 كشف التقارب الكبير بين القيادتين. فقد صرح الرئيس سعيّد بأن “السلطة القائمة في ليبيا تقوم على الشرعية الدولية” لكنه أساء التعبير، و هو أستاذ القانون الدستوري، عندما أردف قائلا أن ” هذه الشرعية لا يمكن أن تستمر لأنها شرعية مؤقتة ويجب أن تحل محلها شرعية جديدة تنبع من إرادة الشعب الليبي”.

كما تباهى سعيّد ، الذي انحنى لتقبيل ماكرون بحرارة على كتفيه، بدعوته القبائل الليبية لاستنساخ التجربة الأفغانية ووضع دستور للبلاد.

وقد قوبلت هذه التصريحات والدعوات غير الموفقة بسخط من الحكومة الشرعية التي تدعمها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي سواء لجهة المساواة بين طرفي الصراع دون اعتبار لمعطى الشرعية أو لجهة استبدال جهود بعثة الأمم المتحدة للحل السياسي بالقاعدة القبلية،

ما يشير حسب معسكر الشرعية إلى انحياز نسبي إلى جانب “المعتدِي” ومغازلة للموقف الفرنسي الداعم عمليا لـ”حفتر” وفي أحسن الأحوال عدم مباركة حكومة “السراج” ربما لأسباب إيديولوجية وسياسوية.

و كان وزير الدفاع التونسي السابق “عماد الحزقي” قد استفز بدوره جيران تونس في الغرب عندما وصف القوات المسيطرة على معبر “رأس جدير” بالميليشيات” الأمر الذي حاولت الرئاسة التونسية تداركه لاحقا.

ـ على مستوى الاقتراحات

حاول الرئيس التونسي الإسهام في اقتراح ما يعتبرها آليات قد تساعد في حل الأزمة الليبية لكنه لم يكن موفقا لأسباب اشرنا إلى بعضها سابقا.

أـ فشل مبادرة تونس للسلام

وهي المبادرة التي اقترحها الرئيس التونسي عند استقباله وفدا ممثلا للقبائل الليبية في 23 ديسمبر2019 لا يمثل كل المكونات الليبية بل هو أقرب ل”حفتر”.

وإذا لم تكن تركيبة الوفد مقصودة (لحسابات إيديولوجية و سياسية)، فإنها في كل الحالات تنم عن نقص فادح في المعلومات والتحليل والدراسات حول هذا الملف الليبي.

لذلك ولدت المبادرة ميتة بل تم تجاوزها من خلال مؤتمر برلين الذي لم تشارك فيه تونس والذي يفترض أنه يؤسس للحل المزعوم في منتدى الحوار السياسي الليبي في تونس. 

ب – فشل تونس و فرنسا

فشلت تونس وفرنسا في تمرير قرار في مجلس الأمن يفرض هدنة إنسانية في مناطق التوتر عبر العالم بداعي التفرغ لمواجهة “كورونا”.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد عارضت القرار، فان أوساطا داخل حكومة الوفاق و حولها رأت فيه محاولة لعرقلة نجاحات قواتها في صد ميليشيات “حفتر” وطردها من الغرب الليبي وطوق نجاة قد يمكنه من استكمال تجهيزاته لمواصلة الهجوم على العاصمة عبر مشروع هدنة كان دعا إليها.

خاتمة:
فشلت تونس في استثمار الإعلان الثلاثي (مع كل من الجزائر و مصر) لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية و فوتت الدبلوماسية التونسية على البلاد فرصة الاضطلاع بدور الدولة المبادرة في الملف الليبي و ما سيتيحه ذلك من مزايا سياسية واقتصادية وأمنية.

والحقيقة أن تونس لا تملك، مع صعود الرئيس “سعيّد”، ما يؤهلها للتأثير في مخرجات منتدى الحوار السياسي الليبي وذلك على مستوى البنية الدبلوماسية للدولة التونسية وكذا على مستوى تدخلات الرئيس التونسي بخصوص الملف الليبي- إن وجدت- على مستوى الخطاب والمعالجات.

وكان يمكن لتونس أن تعمل على مزيد التنسيق والتعاون في إطار مغاربي للبحث عن مقاربة تونسية مغاربية شاملة للأزمة الليبية تضمن المصالح المغاربية ابتداء وتقطع الطريق على غيرها من القوى المتربصة بالانتقال الديمقراطي وبمخرجات “الصخيرات”.

وفي ضوء ما تقدم يمكن لتونس أن تكون، جهة مقر، لا جهة مبادرة. ولن يتجاوز دورها الجوانب التنظيمية والإجرائية. ولكن إذا تضافرت إرادة ليبية ليبية وأخرى إقليمية ودولية في حسم النزاع سلميا خلال منتدى تونس، يمكن لهذه الأخيرة أن تستفيد بصورة غير مباشرة من صفتها كدولة مقر لهذا المنتدى.

***

علي العبيدي (باحث تونسي)

______________